المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
وتمضي النساء

 

اليوم أبلغ من العمر خمس وأربعين سنة. علمت بذلك حين هاتفتني أمي صباحا وأنا في طريقي إلى العمل. يالها من امرأة، لا امرأة أخرى فكرت في أن تتمنى لي عيدا سعيدا. وحدها أمي باتت تنتظر الصباح حتى تقول لي..

 

 .-صباح الخير يا عزيز.. عيد ميلاد سعيد.

 -  أوه.. صباح الخير يا أمي، دائما في الموعد.

 -  طبعا عزيزي.. ومن لي غيرك أفكر فيه ؟

 -  أطال الله عمرك يا أمي.

 -  كم عمرك الآن ؟ خمس وأربعون سنة. بالأمس فقط كنت في حضني لا تطيق فراقه..  يا الله كم تمر السنوات سريعا.

 فاجأها السعال فتوقفت عن الكلام قليلا. قالت..

 -  لا أطلب من الله إلا أن يطيل عمري حتى أفرح بك.

 ضحكت لكلامها. منذ مدة كان هذا القول يغضبني فأمضي في صراخ متواصل.. هذا موضوع يهمني وحدي، دعوني أختار حياتي كما أريد. ولكن الآن ما عدت أغضب، أصبح هذا القول يضحكني. هذه أمي لن تتغير، منذ عشرين سنة وهي تحاول أن تقنعني بالزواج، تدفعني أحيانا إليه دفعا، ولكنني لا أطاوعها. أهرب منها تارة وأنفعل طورا.

 قبل تخرجي كانت تقول لي أحيانا.. هيا يا عزيز أكمل دراستك لأفرح بك. وحين إلتحقت بعملي أصبحت تأتيني أحيانا مستفسرة كعون بوليسي فاشل.. هيه.. هل وجدت بنت الحلال ؟

 أو تقول لي أحيانا.. ماذا أقول لك يا عزيز.. بالأمس ذهبت إلى الحمام..  ماذا أقول، لقد أعجبتني فتاة هناك. إنها جميلة جدا وأنت تعرف ذوق أمك. جميلة والله. طويلة القد رشيقة وبشرتها بيضاء.

 أتجاهلها فتضيف.. أنا أعرف النساء. لقد قلبتها من كل النواحي. كنا في الحمام ولا مكان يريك جسد المرأة مثله.

 وكنت أحب المشاكسة فأسألها..

 - وماذا كانت تلبس يا أمي ؟

 فتضربني على يدي وتقول..

 -  دعك من ذلك يا لعين. والله لقد أعجبتني. سألتها عن أبويها فاتضح أنهم من أحبابنا، إنني أعرف أمها منذ كنت صغيرة.

 أقول لها مقاطعا..

 -  ولكنك مازلت صغيرة يا أماه.

 فتتنهد أمي وتلوح برأسها..

 -  أمك أيامها راحت يا عزيز.

 ثم لا تلبث أن تستدرك..

 -  ماذا قلت.. هلا خطبناها ؟

 فأقول..

 -  ليس هذا أوانه يا أمي.

 فتصيح قائلة..

 -  يا خيبتي ومتى أوانه يا عزيز ؟ البنت ستخطف ولا يبقى لنا سوى الندم..

 فأقول..

 -  لا بأس إن كانت من نصيبي فسوف تنتظرني..

 حين بلغت الثلاثين ناداني أبي يوما، كان جالسا على كرسيه المريح بعد صلاة العشاء يسبح ويحوقل. أجلسني أمامه وقال لي..

 -  أرى يا بني أنك بلغت السن الملائمة لكي تفكر في نصف دينك.

 قلت..

 -  نعم يا أبي، ولكن تمنعني بعض الظروف من ذلك.

 قال..

  - عملك على أحسن ما يرام يا بني فلم لا تفكر في الزواج ؟

 -  لا علاقة للأمربالعمل يا أبي ولكنني لست مستعدا الآن.

 بعدها بسنوات ناداني من جديد. أجلسني أمامه وسألني..

 -  هلا حان أوان الزواج ؟

 فأومأت أن لا دون أن أتكلم.

 قال..

 -  يا بني.. لقد بدأت تكبر، وأنا وأمك نريد أن نفرح بك قبل أن يحكم الله بأمر كان مقضيا.

 قلت له..

 -  لست مستعجلا أطال الله عمرك.. سيأتي أوانه..

 فقال متنهدا..

 -  الله يفتح عليك ويهديك.

 من يومها ما أعاد طرق الموضوع علي وإن كنت أراه يهم أحيانا بأن يفعل.

 عمري الآن خمس وأربعون سنة، برزت الكرش قليلا، خف الشعر، بعض شعرات من الشيب، بعض شعرات فقط، غزت ناظري. وها أنا، كما كنت منذ عشرين سنة، الأعزب المشهور ورجل الأعمال الناجح.

 ترى كيف كنت سأكون لو تزوجت ؟ كنت سأدخل في مشاغل أخرى.. الزوجة والبيت والأولاد.. متاهة لا خروج منها.               

عمري الآن خمس وأربعون سنة والنساء مازالت تجري ورائي، تريد مرافقتي ومصاحبتي، أو تحاول أحيانا إحداهن إطاحتي في شباكها، ولكنني ما وقعت إلى حد الآن. ترى متى سأقع ؟ لست أدري.                   

كم امرأة عرفت في حياتي ؟ عرفتهن كلهن، الصغيرة والكبيرة، الغنية والفقيرة، المتعلمة والأمية، المحترمة والعاهر. عرفتهن في الليل والنهار، في الطريق والمكتب والمطعم والفراش وغرفة الإستحمام. عرفت بنات البلد والأجنبيات، وحين  سافرت عرفت هنا وهناك بنات البلد والأجنبيات.              

خمس وأربعون سنة من الحياة وثلاثون سنة من النساء. واليوم لا أجد رغبة في الزواج بعد. أتساءل أحيانا.. لماذا؟            

هل لأنني عرفتهن كلهن ؟ أم لأنني لم أعرف بعد المرأة التي ترغبني في الزواج ؟ لست أدري.                 

أنا لم أعرف إلى الآن لماذا يتزوج الناس. ما وجدت في نفسي أي دافع لذلك ولا أريد أن أتزوج فقط لأنني يجب أن أتزوج. تعجبني حياة الحرية التي أحياها، حياة لا قيود فيها، لا تعب ولا سهر إلا بإرادتي. ويعجبني كذلك أن أكون سيد المرأة، أقربها حين أريد وأبعدها متى أريد.

يا الله تراودني الآن فكرة أخرى.. ترى كم قرانا حضرت لامرأة عرفتها قبل ذلك ؟ عشرات لا تعد.

إحداهن قالت لي وهي في لباس الزواج الأبيض.. أنا ما أحببت أحدا غيرك.  وأخرى أمسكتني بيسراها ويمناها في يد زوجها وهمست.. لو تريدني الليلة أهرب معك. وأخرى حين رأتني أقترب لأهنئها بزواجها أجهشت بالبكاء أمام الجميع وادعت أنها تذكرت أمها..

منذ شهر قابلت امرأة منهن، كانت تعمل في شركة أتعامل معها. حين نطق اسمها أحسست أنه يعني لي شيئا ولكن حين رأيتها لم أعرفها، لكنها عرفتني وقالت لي..

-  أهلا سي عبد العزيز، كيف حالك ؟ 

قلت لها باقتضاب..

- لا بأس.

ضحكت وقالت..

- ما عرفتني ؟ 

قلت..

- عفوا.

قالت..

- أنا لمياء، كان ذلك منذ عشر سنوات، في نزل النخيل..

- آه نعم، نعم، إنني أتذكر، كيف حالك ؟

تغير شكلها تماما، سمنت واسود وجهها. قلت له..

- كيف أنت الآن ؟

قالت..

- لقد تزوجت، زوجي طبيب معروف، وعندي الآن بنتان.

قلت لها..

- أتم الله عليك..

ومضيت..

ومنذ أشهر تعرفت على أحد المحامين في نادي خيري. كان رجلا نشطا وجم الأدب. منذ تعرفنا أصبحنا صديقين، تقابلنا مرتين بعدها ثم استدعاني إلى بيته، وهناك تعرفت على زوجته. كنت عرفتها قبل سنوات وقضينا معا سنتين ونيف، حملت خلالهما مني مرتين وأجهضت في المرتين.

عمري الآن خمس وأربعون سنة. منذ سنوات لم تكن لي رغبة في الزواج، والآن أنا أرفض أن الزواج. أرفض أن أتزوج امرأة عرفت الرجال قبلي برغم كل من عرفت من النساء.




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."