المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
السؤال الثقافي بالمغرب

السؤال الثقافي في المغرب

في سبيل إشاعة طقس القراءة

                                                                          بقلم: رشيد جرموني

                                                                            باحث في علم الاجتماع

يشكل السؤال الثقافي ،أحد أهم الأسئلة المحرجة والمقلقة في المرحلة التاريخية التي يمر منها مغرب الألفية الثالثة ، خصوصا في عصر أصبح يعرف بعصر المعرفة . ويتجدد السؤال الثقافي باعتباره أحد الأبعاد الإستراتيجية  داخل هذا الفضاء المعولم الذي لا يعترف إلا بالأكفاء والقادرين على الإبداع والتجديد .

ولعنا لا نبالغ إذا قلنا أن إعطاء القيمة لمساهمتنا المادية في الإنتاج الحضاري ، تمر بالضرورة عبر إعطاء القيمة المضافة للإنتاج الثقافي ، بما يعنيه ذلك من سن سياسات تفضيلية في هذا المجال ، وتوفير الإستثمارات اللازمة والكافية لإقدار المجتمع على النهوض الحضاري المنشود ، فالنفقات في مجال الثقافة تعد استثمارات استراتيجية وجد منتجة ،وحال الشعوب التي حققت نهضة حقيقية في وقتنا المعاصر غنية عن التفصيل .

انطلاقا من هذا المعطى ، الذي يبين أهمية البعد الثقافي في نهضة الشعوب ، نتساءل كيف هو حال السوق الثقافية ببلادنا ؟ هل هو سوق واعد بالعطاء أم أنه لا زال يراوح مكانه ؟ وما هي التحديات التي ينبغي الإلتفات إليها لتحقيق الإقلاع الثقافي والدخول في مجتمعات المعرفة ؟

إننا من خلال هذا المقال ، لا ندعي الإجابة على هذه الإشكالات ، بقدرما نطمح إلى فتح نقاش فكري بصددها. لا بد لكل لحفر في الوضع الثقافي الراهن ببلادنا ، أن يستجلي الإمتداد والتطور التاريخيين لهكذا وضع ،فكما ورد في تقرير الخمسينية الذي صدر سنة 2005 ، أن المغرب ورغم قربه الجغرافي من أوروبا ، بقي ضمن آخر الدول الإسلامية التي عرفت المطبعة ، حيث إن  هذه التقنية الحديثة كانت حاضرة بالجزائر سنة 1845 ، وبتونس 1860 ، بينما لم تدخل المشهد الثقافي إلا سنة 1865 ،

وكما نعلم فإن المطبعة لها دور تثقيفي وتحديثي بالغ الأهمية ، في إنعاش السوق الثقافية في المجتمع ، ورغم هذا التأخر فإن المطبعة في المغرب لم تقم بأدوارها بالشكل المطلوب ، نظرا لإرتهانها للثقافة والفكر التقليديين ، بدليل نوعية الكتب المطبوعة آنذاك ، والتي لم تخرج عن المصنفات الدينية والتاريخ واللغة ، أما باقي العلوم وخصوصا العلوم الإنسانية فقد كان شبه منعدم .

بعد هذه الفترة وتزامنا مع الصدمة الإستعمارية ، تفاعل العقل المغربي ممثلا في نخبته الوطنية ،مع التحديات التي طرحت على الساحة الوطنية ، وخصوصا الجانب الفكري  ،فمع  بداية الثلاثينيات من القرن الماضي ، برز وإن بشكل محتشم، جيل من العلماء الشباب المصلحين والوطنيين وبعض المثقفين (كالحجوي ، الفاسي ، كنون ،والمختار السوسي ) الذين أبدعوا بعض الأعمال الفكرية في مجالات ترتبط بالسياسة والقانون والإجتماع البشري .

أما بخصوص مرحلة ما بعد الإستعمار ، فقد عرفت حقبتين متمايزتين ، الأولى تبتدأ من 1955 إلى أواسط الثمانينيات ، والتي تميزت بضعف في الإنتاج الأدبي والثقافي ، حيث عالم المنتوج باللغة العربية لم يتعد 1992 عنوانا مع حضور متقارب للعناوين الفرونكفونية .

بالمقابل شكلت المرحلة الثانية ،(1985-2003) ،تطورا ملحوظا ، بسبب عدة عوامل ، كالإنتشار المتزايد للتمدرس ،ازدياد وثيرة التمدين ، زيادة أعداد الطلاب ، وبشكل بارز توسع شبكة محترفي النشر ( 90 وحدة بعدماكانت 20 وحدة ) وكذا توسع عدد دور الطبع ( انتقل من 125 وحدة إلى 300 وحدة )[1] كل هذه العوامل وغيرها ،كان له الفضل في الرفع من الإنتاج الفكري لمغرب ما بعد الثمانينيات من القرن الماضي ، وقد بلغ عدد العناوين المؤلفة 9289 ، وخصوصا في مجالات ،الأدب والتاريخ والقانون ، إلا أن الملاحظة التي يمكن  تسجيلها هو  تراجع كبير ومستمر للإنتاج الفرونكوفوني باستثناء استمرار هيمنته على بعض الحقول المعرفية ،كالإقتصاد والتدبير .

بالموازاة مع هذا التحقيب ، في رصد كرونولوجية الوضع الثقافي ببلادنا ، تبرز إشكالية الترجمة ، باعتبارها إحدى الدعامات الأساسية في ردم الهوة المعرفية السحيقة التي تفصلنا عن الشعوب الرائدة في مجالات المعرفية العلمية والتكنولوجيات المتطورة ،نجد أن هذا التحدي لم يأخذ طريقه الحقيقي ، فرغم أن الترجمة المغربية لبعض الأعمال تلقى استحسانا وقبولا في المشرق ،لكن حصيلتنا في هذا المجال تبقى جد محتشمة ، حيث أنه منذ الإستقلال إلى الآن ترجم حوالي 539 عنوانا ، بمتوسط كتاب لكل سنة ،وخلال السنوات الأخيرة وصل العدد إلى 28 مؤلفا في السنة ،ويبقى هذا المجهود محدودا بحكم أنه يركز على الترجمة من الفرنسية إلى العربية [2] بنسبة تقترب من 90 في المائة ، ونحن نعلم أن اللغة الإنجليزية تهيمن على حوالي 90 في المائة من الإنتاج الفكري والعلمي والمعلوماتي .

من جهة أخرى ،وبحكم أن الظاهرة الدينية أصبحت ملمحا بارزا ،في المشهد العام للمغرب المعاصر ، ونظرا لحاجة المتزايدة للقراء والباحثين والمهتمين بهذا الحقل للتعرف على المصادر والإنتاجات الفقهية والشرعية وفقه الواقع وسنن العمران البشري وغيره إلى الإبداعات المغربية في هذا المجال ، فإن المفارقة التي تتجلى للباحث وبالرغم من هذا الإهتمام الملحوظ ، فإن الكتاب الديني لا يحتل مقارنة مع الإنتاج الثقافي الآخر سوى [3]10في المائة ، مما يطرح أكثر من تحد للعمل على تجاوز هذا الوضع في المستقبل ،وعدم الإكتفاء بالإستهلاك من الشرق ،على الرغم من أهمية ذلك ، لأنني أعتقد أن الإنتاج المغربي في هذا المجال سيضيف  بدو شك جوانب مرتبطة بالسياق السوسيوثقافي ،وسيعطي غنى للتجربية المغربية  .

إذا كنا قد أتينا من خلال هذا الجرد على توصيف الحالة المغربية في علاقتها بالكتاب ، وبينا أننا ما زلنا نعاني من تأخر كبير في هذا الباب رغم التطور الملحوظ الذي وقع في السنوات الأخيرة ، فإننا نريد أن ينطلق نقاش قوي وبناء في التفكير في سبل إشاعة طقس القراءة في مجتمعنا وإطلاق المبادرات الإبداعية في كافة الحقول المعرفية والعلمية والأدبية ،وذلك بتبني سياسة عمومية  تعضد من المكانة الثقافية ببلادنا ،عبر تخصيص ميزانيات مقدرة لهذا الشأن ،فلا يعقل أن تكون ميزانيات وزارة الثقافة جد هزيلة مقارنة بباقي الوزارات ، مع تبني نهج تشاركي يستوعب الجميع ولا يقصي أية طاقة كيفما كانت.

بالمقابل ، نجد أن دور المؤسسة التعليمية والأسرة  يزداد حدة ،خصوصا مع تراجع المستوى المعرفي لأغلب التلاميذ ،وغياب ثقافة الكتاب ،في ظل الزحف  القوي للأنترنيت ، الشيء الذي أصبح مطلوبا معه تنزيل وسائل وآليات عمل تشجع على القراءة وتنمي هذا السلوك .

ولعل من بين الوسائل الداعمة لهذه السياسات ، هو التفكير في إرجاع المكانة للثقافة والفكر ،وسط الفئات المتوسطة ، بإقرار تكوينات وأيام دراسية وقوافل ومكتبات متنقلة وتسهيلات وتشجيعات وحوافز ،لهذه الفئة خصوصا هيئة التدريس ،فهذه الشريحة المجتمعية تضطلع بأدوار تاريخية جد حساسة ومصيرية في هذه المرحلة .

ويبقى الدور الأكبر لوسائل الإعلام في نقل وتعريف وتثقيف المشاهدين بمختلف الإبداعات ، وفتح شهية القراءة والمدارسة والنقد ،أساسي ومحوي كذلك .وفي هذا الصدد فإن انتشار المقاهي الأدبية في المجتمع دليل على حيويته وحسن تجاوبه مع التحديات المطروحة .   



[1] - معطيات مأخوذة من تقرير الخمسينية " وضعية الإنتاج الثقافي المغربي ،تحرير :د ،محمد الطوزي ،ص 16 – 17 ، سنة 2005 .

 [2]  - نفس المصدر ،ص 21 .

[3] - معطى مأخوذ من مقال أكاديمي " " القيم والتحولات الاجتماعية والثقافية بالمغرب" صدر ضمن مجلة مقدمات عدد 33 ربيع 2005.للدكتور ،محمد الصغير جنجار .  




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."