محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الفيلسوف والعالم 7
قال الرازي : ـ ببرهان لإثبات وجود الله :
( إن وجود العقل في بعض الكائنات الحية وقدرتها على إتقان الصنعة يدل على وجود خالق أحسن كل شيء خلقه ) . …
وهو برهان نظري بسيط واضح ، وأوجز عبارة من أي برهان نظري مركب ( فلسفي ) .. ومريح للسامع والمتكلم ..
وانظر إلى الفارابي الذي اعتمد طريقا آخر كبرهان على وجود الله …ثم قم بالمقارنة والتفضيل … !!
يقول الفارابي :
إن العلم ينقسم إلى ( تصور مطلق ) و (تصور مع تصديق ) .
التصور المطلق : هو مالا يتصور تصور يتقدمه …
كـ (الوجود ، الوجوب ، الإمكان)، فإن هذه لا حاجة إلى تصور شيء قبلها ، بل هي معان ظاهرة ، صحيحة مركوزة في الذهن …
التصور المقيد : هو مالا يتم إلا بتصور يتقدمه ….. كـ ( الجسم )لا يمكن تصوره ما لم يتصور الطول والعرض والعمق . فإذا كنت لا تتصور الأبعاد ، أو ليس لديك أدنى فكرة عن الأبعاد ، فلا يمكنك تصور أي جسم …
والتصور مع التصديق ينقسم إلى قسمين
: 1ـ ( ما يمكن إدراكه بدو ن إدراك لشيء يسبقه)
2ـ ( ما لا يمكن إدراكه ما لم تدرك قبله أشياء أخرى)
فما يمكن إدراكه بدون إدراك لشيء يسبقه هي : الأحكام الأولية الظاهرة في العقل ، مثل أن الكل أعظم من الجزء ، وهي معان مركوزة في الذهن ، يمكن إظهارها ( على سبيل التنبيه ) إذ لا شيء أظهر منها ، ولا يبرهن عليها لأنها بينة بنفسها ، ويقينية إلى أقصى درجات اليقين ، ولا يمكن الاستغناء عنها في إقامة البرهان على أي قضية ، لأنها أسس وأصول بديهية .
أما ما لا يمكن إدراكه ما لم تدرك قبله أشياء أخرى : كما أن تريد أن تعلم إن العالم ( محدث ) فيحتاج أولا أنه يحصل التصديق بأن العالم مؤلف ، وكل مؤلف محدث …
وعلى هذه الأسس ، وضع الفارابي برهانه على وجود الله فقال :
إن الموجودات ضربين :
أحدهما ( ممكن الوجود ) ….
والثاني ( واجب الوجود ) ..
فممكن الوجود : ، إذا فرض غير موجود ، لم يلزم عنه محال ، وليس بغني بوجوده عن علته ، وإذا وجد صار واجب الوجود بغيره ، لا بذاته ،
أما واجب الوجود : ، فمتى فرض غير موجود لزم عنه محال ، ولا علة لوجوده ، ولا يجوز كون وجوده بغيره ،
والأشياء ( الممكنة الوجود ) لا يجوز أن تمر بلا نهاية ، في كونها علة ومعلولا ، ولا يجوز كونها على سبيل الدور، بل لا بد من انتهائها إلى شيء واجب الوجود ، هو الموجود الأول ، الذي هو السبب الأول لوجود الأشياء ، وهو الله تعالى ..
وهذا هو دليل على وجود الله عند الرازي ...
أما الفارابي فيقول :
( ولما كان الباري أكمل الموجودات ، وجب أن تكون معرفتنا به أكمل معرفة ، كما أن معرفتنا بالرياضيات أكمل من معرفتنا بالطبيعيات ، لأن موضوع الأولى أكمل من موضوع الثانية ، ولكننا أمام ( الموجود الأول ) وهو الله سبحانه وتعالى : كأننا أمام أبهر الأنوار فلا نستطيع احتماله ، لضعف أبصارنا ، لأن الضعف الناشئ عن ملابستنا بالمادة يقيد حواسنا )
ويعد ابن سيناء أيضا من أعظم الفلاسفة المؤمنين ، وهو أشبه بأستاذه الفارابي ، سموا واتزانا عند البحث في المعرفة والوجود ، وإسفافا عند الكلام في مراتب الصدور والعقول والأفلاك !!!
ومن قوله بعد أن قدم بحثا جميلا في المعرفة ( أذكر أني قد وضعته في موضوع سابق لي بعنوان من الهمس إلى اللمس ) ـ ثم يعلق على بحثه هو بقوله :
الحس ( الحواس الخمسة ) : لا يدرك صرف المعنى ولا يدرك الصورة إلا في المادة ، وإلا مع علائق المادة ، من كم وكيف وأين ووضع ،
لكن الروح الإنسانية ( العقل ) : هي التي تتمكن من تصور المعنى بحدة وحقيقته ، منفوضا عنه اللواحق الغريبة ، مأخوذا من حيث يشترك فيه الكثير ، وذلك بقوة تسمى ( العقل النظري ) ، وليس من شأن المحسوس ، من حيث هو محسوس أن يعقل ، ولا من شأن المعقول من حيث هو معقول أن يحس ….
والحس تصرفه فيما هو من عالم الخلق ..
والعقل تصرفه فيما هو من عالم الأمر ...
وما هو فوق الخلق والأمر فهو محتجب عن الحس والعقل .
والذات الأحدية ( الإله سبحانه وتعالى ) لا سبيل إلى إدراك كنه ذاتها ، بل تعرف صفاتها . وإن عقولنا لا تصلح أن تكون حكما نحكم بها على أعمال الله تعالى ، وأسراره في خلقه وتدبيره وقضائه وقدره … وفي الموضوع القادم بإذن الله سآتي بدليله العقلي في إثبات وجود الله .. هذا والله أعلم
|