المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الفيلسوف والعالم 5

 

الفيلسوف والعالم 5
إن يكن للسفسطة من حسنة فهي أنها أوجدت ردة فعل قوية لدى ( سقراط ) الذي يعتبر مؤسس وباني فلسفة المعرفة ، التي لا تزال مسيطرة على العقول منذ أكثر من ألفي سنة إلى اليوم الذي نحن فيه …
 فوضع قواعد المعرفة على أساس العقل ، ووطد دعائم الفضيلة في صدور الناس ، فالسفسطائية بدجلهم أنكروا المعرفة والحق والعدل وفضائل الأخلاق ، وقد ردوا أصول المعرفة كلها إلى الإحساس ، وأن ما يحسه الإنسان هو صحيح بالنسبة إليه لا لغيره ، أي ليس هناك من سبيل ليكون الناس كلهم متفقين على أن شيء ما هو صحيح بمقياس يجمع على صحته أكثر البشر ، أو بمعنى آخر ليس هناك من حقيقة يمكن معرفتها بغير الحواس  ، فهذه التفاحة عندي أنها مرة المذاق ، وعندك حلوة المذاق ، فإذن ليس هناك من حد نتفق عليه وليس هناك من قاطع أو مشترك بيني وبينك نحتكم إليه ….
لكن سقراط يقول :
 المعرفة التي نريدها هي أن لا تكون مبنية على الحواس ، لأن الحواس تختلف باختلاف الأفراد والظروف والأحوال ، ونحن إذا تلمسنا كيف نتبنى معرفة ما ، فنجد أن جزءا منها يأتي عن طريق الحواس ، وجزء آخر لا يأتي عن طريق الحواس ، ومثل لذلك مثلا معنى ( النوع ) ، فهو إدراك عقلي ، حيث يقوم العمل العقلي بجمع الصفات التي يشترك بها كل أفراد النوع ، وطرح الصفات العارضة التي تظهر في بعض أفراده ، فقال إن هذا إدراك لشيء لا يحس ، ولا وجود له في الخارج ،(أي أن العمليات التي تجريها عقولنا من حذف وترتيب وجمع الصفات ومقابلة المعلومات ، أي العمليات التي يتم بها التفكير ، ولا يرتاب عاقل في كونه من عمل العقل وحده ) وهذا الإدراك العقلي ، هو الذي يجب أن تؤسس عليه المعرفة ، فإذا كانت المعرفة الحسية تختلف باختلاف الأفراد والظروف والأحوال والأوضاع ، فإن العقل ، الذي هو عام ومشترك بين الناس لا يختلف ما دام سليما ، لأنه يقوم بالعملية ذاتها وبنفس الطريقة .. ونحن بهذه الإدراكات العقلية الكلية نستطيع أن نضع لكل شيء حدا وتعريفا ، ونستطيع أن نضع مقاييس صحيحة ثابتة للحقائق ، ونعرف الفضيلة من الرذيلة ..  
 ( والحقيقة أن معارفنا كلها مبنية عن طريق الحواس التي  هي بمثابة جامع للمعلومات ، أما  دور العقل فهو المقابلة وغربلة المعلومات وتنقيحها … ثم الحكم بما يترجح عنده… فالحواس لا تحكم ولا تعرف بذاتها وإنما مهمتها تتوقف عند إدخال المعلومات  ) وهذا ما عناه سقراط .. هي أن إدراكنا للحقيقة يجب أن يبنى على النتائج التي يصل إليها العقل بعملياته  ، وأن النتائج العقلية أو الأحكام العقلية إذا ما كانت خاطئة فهذا الخطأ لا يرجع للعمليات العقلية ذاتها ، وإنما للإحساسات الخارجية التي قد تزودت العقل بمعلومات خاطئة فتضلله … 
وجاء بعد سقراط ، تلميذه ( أفلاطون ) الشهير ، فأيد نظرية المعرفة ، فهو يقول : المعاني الكلية ليست مما يمكن إدراكه بالحواس ، وإنما يمكن إدراكها بالعقل وحده ، فالجمال والقبح مثلا ، هما معنيان ندركهما في أشياء كثيرة مختلفة في مظاهرها وأشكالها ، فمن الذي عرفنا أن هذه الأشياء تشترك في الجمال ، وهذه تشترك في القبح ، لا ليست حواسنا المدركة لهذا الاشتراك ، بل هي عقولنا ، التي من عملها المقابلة والمقارنة بين الأشياء المشتركة   فتدرك أن فيها جمالاـ
لكن يقع أفلاطون ـ في سؤال صعب … فهو يقول : لكي تقدر عقولنا على المقابلة والمقارنة في أمور مثل الجمال والقبح ، لا بد أن تكون لديها فكرة أصيلة سابقة عن الجمال والقبح ، فنحن مثلا لا نستطيع أن نقول أن هذا جميل دون أن يكون لدينا مثال نقيس على ضوئه الجمال، وإلا أصبحت المسألة نسبية ، وعودة إلى السفسطة ذاتها التي تدعي أن لدى كل إنسان مقياس خاص للجمال ،  ولهذا قام باختراع نظرية ( المثل )  وهي  : أن النفوس كانت تعيش في قمة كمالها ومعرفتها للأشياء ، أي أنها كانت تعيش واقع مثالي ، جمال ، خير ، عدل ، حب … الخ ، وهذا كله كان قبل أن تتلبس النفوس بالجسم البشري المادي الذي انتقص من مثاليتها وانحدر بها الى الأسفل لما عادت إليه  ، ونسيت العالم المثالي التي كانت تعيش فيه ، لكن لا تزال لديها فكرة بعض الشيء عن المثاليات ، ومن هذه الفكرة التي لديها تستطيع أن تحكم على الأشياء ،  و أن هذا الجمال الذي تراه أدى إلى تذكرها للجمال الذي كانت تعيشه في عالم المثل فحكمت عليه بأنه جميل  ، وبهذا رأي أفلاطون أنه يسد الثغرة التي يمكن أن تتسلل منها السفسطة …
 لكن الحقيقة أن نظرية المثل هذه هي افتراضية فحسب ، وخروج عن المنهج العلمي ، وأن المقياس الصحيح للجمال يصل إليه العقل بالمقابلة والمقارنة بين الأشياء والخبرات التي يكتنزها ، دون الحاجة لاكتسابها من عالم مثالي ، فعالم الإنسان المثالي هو بناء عقلي لكل إنسان  مما لديه من خبرات ومعلومات وآمال  يقابل ويقارن ويوفق بينها
 والناس متفقون على أشياء معينة أنها جميلة وأشياء أخرى أنها قبيحة ، لأن لديهم أهواء وميول ورغبات وطبائع متقاربة ، ولذلك تتشابه أحكامهم على كثير من الأشياء ، كما تتفق آراؤهم عليها … والقبح والجمال من هذه الأشياء التي يشتركون في أحكامهم عليها في الغالب الأعم ….
ومع ذلك فإن العقول السليمة الباحثة عن الحق ، تصل بإذن الله ، كيف لا والعقل حجة على صاحبه ، ويعتبر أفلاطون مثال لأولئك الباحثين عن الحق الذين اهتدوا إليه بعقولهم ، فهو من أول الفلاسفة القائلين بوجود الله ، الخالق للعالم والمدبر لأمره ، ويقيم على ذلك براهين أهمها ( برهان النظام ) فيقول :
إن العالم آية في الجمال والنظام ، ولا يمكن أبدا أن يكون هذا نتيجة علل اتفاقية ، بل هو صنع عاقل ، كامل ، توخى الخير ، ورتب كل شيء عن قصد وحكمة …….
وهذا بالطبع يصل إليه انسان استغرق في التفكير عمرا طويلا … ولكن افلاطون كغيره تعترض عقله العقدة التي تعترض عقولنا كلنا فلا نستطيع تصور الخلق من العدم … فيذهب في ذلك مذاهب شتى … ليرجع ويقول أن الذي يوجد الأشياء بعد أن كانت عدما … هو الله !
وفي المقال القادم بإذن الله سأحاول مناقشة العقدة التي تعترض عقولنا فلا نستطيع تصور الخلق من العدم …. هذا والله أعلم   

 

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."