المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الأخلاق في الدين والفلسفة

 

 

بدون أدنى شك :
 المبادئ والقوانين الأخلاقية ليست ترفا عقليا ، وإنما هي قواعد للعمل عند من يتمثلها ، فهي روح الفكر ونتاجه والترجمة العملية للعقيدة التي يتمسك بها الإنسان أيا كانت…
فالأخلاق تستند إلى أصول أولى عند المسلمين لأنها موضوع اعتقاد أو إيمان ، ولا يتسنى قيام أخلاق بدون إيمان ، فالإيمان يجب أن يسبق العمل ، واليقين أساس طمأنينة النفس قبل أن تحدد لنفسها السلوك …
وإذا كانت  الأخلاق سلوك يمارسه الإنسان  فإن هذا  السلوك لا يصدر  إلا عن اعتقاد ، فالإيمان القلبي هو الذي يحرك الإرادة ، والإرادة تحرك السلوك ، وأصول الاعتقاد عند مفكري الإسلام ، على اختلاف مذاهبهم ـ تسبق العمل سبقا زمنيا وعقليا ، إذ كيف تمارس العبادات دون أن يسبقها إيمان ،
وفي العلوم الإنسانية للأخلاق ،  خارج الإطار الديني أو الوحي الإلهي فإننا نأخذ ( عمانويل كانط ) كمثال محدث : فهو يستبعد أن تقوم الأخلاق على الخبرة الإنسانية المحدودة الضيقة ، فاستناد القوانين الأخلاقية إلى الواقع يفقدها أصالتها ونقاوتها ، وذلك أن مبادئ الأخلاق لا تستقى من الطبيعة البشرية المكونة من المشاعر والدوافع والميول ، لأن هذه تفسد الأخلاق في نظره ،  كما أنه ( عمانؤيل كانط ): أثبت ضرورة التسليم بوجود الله وحرية الإرادة وخلود النفس لإمكان قيام الأخلاق ، وهو في الحقيقة ، يرى أن هذه المسلمات هي المعول عليها ليس لأنها حقائق بذاتها  ، بل ضرورية فقط لكي تستقيم الأخلاق !!
  ويفسر ذلك بقوله  : يمكننا أن نسلك كما لو كان يوجد إله ، وكما لو كنا خالدين طالما أن هذا الاعتقاد يهيئ للمعتقدين حياة خلقية فاضلة ودينية ناجحة ، فالاعتقاد صادق بقدر ما يدفع على ذلك ..إنها روشتة دواء وأجندة عمل يتوجه بها إلى الناس كطبيب مشخص ! هذا البئيس !
 
 
 
 
 …. وقد كان هناك فلاسفة قد عاشوا مبادئهم ( كسقراط والكلبيين والرواقيين )  ، فكانت حياتهم متسقة تماما مع فلسفتهم النظرية ، وهو تمثل يعبر عن إيمانهم العميق بما وصلوا إليه من مبادئ ، وأنها ليست مجرد شعارات فارغة أو نصائح مجانية كما فعل كانط  وكما يفعل الكثير من السذج في عصرنا ، حيث الانفصال التام عن المباديء في الحياة الخاصة ، أو استخدامه لهذه المباديء كمعابر للتسلق والتملق وميكافيلية ممقوته ..
ويتساءل ( أرسطو) عما إذا كان النسق الضروري للفلسفة الأخلاقية في الصدور عن المبادئ أو في الصعود إليها ؟ بمعنى هل نستخلص مبادئنا وننتشلها من الواقع ، أم نصعد إليها لتنتشلنا هي من واقعنا ؟!
 ويجيب على ذلك أنه يجب الابتداء بالوقائع المشاهدة الواضحة ، لأن المبدأ الحق في كل الموضوعات ـ في نظره ـ إنما هو الواقع ، فهو يستبعد صدور الأخلاق عن مبادئ أو عقائد أو على الأصح عن ميتافيزيقيا ( أمر غيبي )  ،
  ومنذ أن استبعد (أرسطو)  كل أساس ميتافيزيفي ( غيبي )  للفلسفة الأخلاقية ، أصبح ذلك النسق مسلما به لدى معظم فلاسفة الأخلاق من بعده حتى عصر كانط …
 لكن ( أفلاطون ) يعارضه تماما في هذا  : بنظرية ( المثل ) ، حيث كان الإنسان ( المثال ) في أبهى حلله وفي كمال أخلاقه ، ثم لما نزل إلى الواقع تدنس برزاياه وآثامه وعراكه للحياة الفانية ، ثم يقول : إن إنكار هذا الوجود للمثل  أو إنكار عنايته بالعالم يؤدي في نظره إلى فساد السيرة والإخلال بالنظام الاجتماعي ،
وعلى العموم ، فإن الفلسفة الوضعية في دراستها للأخلاق والتي تسيطر على العالم والمتمثلة في الدول الغربية على وجه الخصوص ـ تتجه اتجاها واقعيا ، والاتجاه الواقعي في الفلسفة ، يراد به :رؤية الأشياء كما هي عليه في محيطها الأصل لا كما يجب أن تكون عليه  ، والتعامل بما يناسبها ، ومن معاني الواقعية أيضا : الإحساس بالواقع والتقيد به ، والنظر إليه على أنه المثل الأعلى والغاية الأسمى ، ومن هذا المعنى تنطلق الفلسفة الوضعية في نظرتها للأخلاق ، حيث تعتبر الأخلاق  ظاهرة من الظواهر الاجتماعية التي يولدها الاجتماع البشري ، ومن شأنها أن تفرض نفسها على الأفراد ، فتؤثر فيهم وتوجه سلوكهم دون أن تتأثر بهم ..
أما في الإسلام : فمضمون الواقعية هو مراعاة الفطرة  الإنسانية وقدراتها ومواهبها وملاحظة ما يحيط بالإنسان من ظروف وأوضاع وملابسات ..
 
                 
 
يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ  عن الفكر الخلقي عند الفلاسفة : ( فيه إصلاح الخلق والمنزل والمدينة ، وفيه منفعة صلاح الدنيا وعمارتها ، وفيه قول الحق وإتباع الأمر بالعدل والنهي عن الفساد ، ما هو داخل في ضمن ما جاء به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم )، ويقول ابن القيم عن الفكر الخلقي الوضعي أيضا  : ولكن لا يكفي لقصوره عن بيان مجالات الفضيلة وحدودها وضوابطها ، ففي تعريف أرسطو عن خلق الغضب ( أنه ليس من السهل أن نعين بالضبط سلفا وضد من ولأي سبب ولأي مدة من الزمن ينبغي للإنسان أن يغضب ..) ،
وكذلك ابن مسكويه حذا حذو الفلاسفة حين عرف الشجاعة في المعنى العام المطلق حين قال : ( الشجاعة هي الإقدام كما يجب ، وبحيث يجب وبالمقدار الذي يجب ، وعلى من يجب )
والسخاء : ( إنفاق الأموال فيما ينبغي ، على مقدار ماينبغي ) هكذا ، والعفة : ( الوقوف في شهوات النفس ، ما ينبغي ، وبالقدر الذي ينبغي )، وهكذا يأتي تعريفهم في كافة الفضائل دون أن تبيان  لحدود ذلك وضوابطه .
وابن القيم ـ رحمه الله ـ كان موقفه بشكل خاص رافضا للفلسفة اليونانية ، وما جاءت به وذلك لقصورها عن بيان تفاصيل الفضيلة الخلقية وحدودها ، وبالمقابل كمال عناية الشريعة بهذا الجانب وتمام بنيانها له .  ولكن في منهجه العام كان لا يرى بأسا من  الاستفادة من كل من لديه فكر صائب وعلم نافع  مالم يتعارض مع الشرع الحنيف .. 
 
 



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."