الفنن عندما يهوي الحطاب بفأسه, أو يستل منشاره لتهوي أفنانين كانت تتوق للسمو والارتقاء.. سقط ناصر لتسقط معه أحلام الطفولة وأماني الشباب سقطت فسلبت منه حركته.. لا شيء يوحي بالحياة لولا تنهدات مثقلة, لربما تتلاشى في لحظات قادمة.. صراخ أمه.. عويل اسرته.. يقتحم الرهبة.. يقض مضاجع الصمت الرهيب.. يلاطم التلال.. يضخم صدى الآهات..
سيارة الاسعاف تبدد الجموع الحائر المدهوش من هول الصدمة.. دخلت السيارة رحاب المشفى.. القوا بناصر على السرير.. ليدخل شعبة الجراحة العصبية كان ناصر كالسرير تحركه أياد تحمله سواعد.. تدغده أنامل.. كان الطاقم الطبي في ذلك المشفى كخلية نحل جاد في نتاجها.. كان أطباء القسم قلقين.. لكنهم لم يتركوا لليأس مكاناً.. تهامس الأطباء تشاوروا.. كان الطبيب ميسم يشير لزملائه فعل شيء ما, تقدم الطبيب رامي.. لينضم إلى الطاقم أطباء في اختصاصات عدة, كان الطبيب سليمان, بكر, إيمان.. من ذلك الطاقم الوافد بعزيمة العمل وبارقة الأمل. أطلت هدى المحمود رئيسة قسم الممرضات.. رنت إلى ناصر وإلى شقيقه إبراهيم واخته التي تحنو على أكتافه, ترى فيهم صورة أبنائها الثلاثة, الطبيب- المهندس- المعلمة.. أرادت أن تفعل أي شيء يبدد خطوط اليأس ويزرع بارقة الأمل.. انطلقت نادت لزميلاتها «غادة... إيمان... نسرين» حاولوا نثر الطمأنينة لهم... وشد عزائم الإيمان بقضاء الله وقدره.. استسلم ناصر لغيبوبة طويلة.. دامت أسابيع.. لكن إرادة السماء هللت بالبشرى لتزفها سناء, ونتاجاً لما قام به ذلك الطاقم الطبي الرائع..
استعاد ناصر وعيه تدريجياً ليرى نفسه وقد أحاطت به ملائكة, بأثواب خضراء وبيضاء وأيقن أنه أمام ملائكة الرحمة التي حلت في الأرض.. غابت أشياء وبقيت أسماء الطاقم الطبي لتضاف إلى اسرته الجديدة.