يأكلون الهُبَر ويركبون الهَمَر! حزب الفقراء في بلادنا هو الأكثر عددا، ولكن بلا عدة، فهو مؤمن بالله إيمانا عميقا يُسلم معه بأن هذا هو نصيبه من الدنيا، وأن ثمة آخرة لا بد أن يُنصف فيها، ويسترد حقه المهدور! "فحل" بصل مع قلاية بندورة، أو صحن فول، أو بيضتان عيون ومنقوشة زعتر، ثم التحلاية كرباج حلب أو بشلن هريسة، وجبة "دسمة" كفيلة بإسكات بطون جائعة، وبعدها تشجؤ أو "تكريعة" مدوية، ثم الحمد لله على هذه النعمة، والله يحفظها من الزوال، والانصراف إلى تدبير ثمن الوجبة التالية، لا مقالات مسمومة ولا حراكات سياسية ولا نميمة ولا قيل ولا قال، ولا (حد داري) بما ينشغل به حملة الأقلام ورواد الصالونات والعزائم الممتلئة باللحم والأرز الفائض عن الحاجة! حزب الفقراء في بلادي، هو الغائب الحاضر، هو الأغلبية الصامتة فعلا، وهي لا تقرأ ولا تكتب ولا تقول، فهي قانعة بالابتلاء الذي كتب عليها، صابرة صبورة محتسبة أجرها عند الله، تنتشر على بقعة لا تعرف الحدود ولا الهمز واللمز: في البادية كما هي في المخيم، وعلى أطراف المدن، في سوق الخضرة، كما في سوق الخردة، في البسطات وفي المزارع والورش الصغيرة والأحياء الشعبية، لا تدري ولا تريد أن تدري فيم تنشغل به النخب التي تتجشأ "هُبَر" اللحم والسمك والدجاج، وتركب "الهَمر" وتروغ هاربة من الولائم لكثرتها، لفرط تعاظم الكروش وتراكم الكولسترول والدهون في الشرايين! حزب الفقراء يلهث وراء رزقه، يشقى نهارا في مطاردة الرغيف، وينام ليله بعد صلاة العشاء، لا يعرف المهدئات، ولا الحبوب المنومة، ولا يسأل السؤال الأزلي: شو الأخبار؟ ولا: ماذا قال النائب الفلاني، ولا السياسي العلاني، ولا يتحدث عن الوحدة الوطنية لأنها تحصيل حاصل، فهو لا يفتقدها، ولهذا لا يتحدث فيها، فكلهم في الهم شرق أو غرب، لا فرق! أعضاء حزب الفقراء في بلادي، هم أحباب عرار ومناور عويس، وأبناء وصفي وهزاع وعبد الله الريماوي، وهؤلاء هم الذين مشوا في الصفوف الخلفية لجنازة حسن التل دون أن يعرفهم أحد، وهم ملح الأرض، وأهلها، وأبناؤها الطيبون، الذين لا يتنكرون لوطنهم، يحبونه بلا تكلف ولا ادعاء، يبنون القصور ويسكنون الغرف الفارغة إلا من حشيات أو فرشات إسفنجية رقيقة، وأثاث يسهل حمله على ظهر حمار، يأكلون من عرق جبينهم، ولا ينتظرون التعيينات الجديدة، ولا الترفيعات التلقائية، ولا يتنافسون على وظائف النمر الحمراء، لأن (الشهر اللي ما إلك فيه لا تعد ايامه) هؤلاء هم نشامى ونشميات البلاد، لأنهم يحبون هذا الوطن حبا خالصا، فأرضه فرشتهم وسماؤه لحافهم، وهم الأقرب له، فلطالما تعفروا بترابه، ولطالما اختلط هذا العفار بعرقهم ف (طيَّن) جباههم السمراء! حزب الفقراء في بلادي، يستحق منا كل تحية، ونحن مدينون لأبنائه جميعا بالاعتذار عن ضلالاتنا وعبثنا، وهم يستحقون منا أن نكب على أياديهم المتشققة كي نقبلها، وعلى جباههم المغبرة كي نلثمها، لأنهم يعلموننا المعنى الحقيقي للانتماء ممارسة وفعلا، لا ادعاء ونفاقا وتكسبا!
/* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-fareast-theme-font:minor-fareast; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin;}
hilmias@gmail.com