أنين شاطئ
سعيد معتبي
بالرغم من أهمية الوقت بالنسبة إلي ، وبرامجي اليومية التي لا تنتهي بحكم عطالتي عن العمل وعيشي تحت كنف والدي عالة عليهم ، إلا أنني أستطيع بين الفينة والأخرى أن أجد لنفسي متنفسا خارج مشاكل البيت وبعيدا عن دوامة الأصدقاء اللذين هم بدورهم يشاركونني نفس الظروف القاسية ، فيكون ملجئي شاطئ سلا المختبئ خلف أسوار المدينة العتيقة حيث كان قراصنتها يرابطون للعدو البرتغالي و الإسباني ، وحسنا فعل حينما اختبأ بعيدا عن الأنظار ، فلا منظره ولا مياهه الملوثة بمياه الواد الحار تسمح له بأن ينكشف للعيان ، هذا لا يعني أنه مستثنى من الحملات التنظيفية والتطهيرية من طرف السلطات المختصة بالمدينة ، بل على العكس فهو مدرج ضمن مخططات التنظيف بالمدينة لكن ذلك لا يكو ن إلا لمدة شهرين في فترة الاصطياف وهو مكتظ بالمصطافين حين ذاك يمكن لزائره اكتشاف مدى العناية التي يحظى بها هذا الشاطئ ، أما باقي أيام السنة فيضل وحيدا مستأنسا في وحدته بأمواجه ورماله والرياح ، بالإضافة إلى بعض الضيوف ممن فقدوا بوصلتهم وأوصلتهم شقاوة السنين إلى هذا المكان للثبات فيه بعدما ضاقت بهم السبل ، أما أهم ضيوفه فهم تلاميذ المؤسسات المجاورة الذي يجدون فيه فرصة رائعة لاكتشاف بعض معالم حياة الشارع هناك ، وأنا أتجول بعض الأحيان هناك يتخيل لي أنني في نقطة خالية نائية عن العالم ، رغم وجود العشاق يختلون بأنفسهم خلف بعض الكثبان الرملية التي أحدثتها الرياح القادمة من الغرب ، يسترقون بعض اللحظات الحميمية بعيدا عن أعين الناس ، ورغم تواجد مجموعة من القاصرين والقاصرات الذين ألقت بهم ضعف برامجنا التعليمية خارج أسوار المدارس ليحلوا ضيوفا على الشاطئ ويستأنفون أولى تجاربهم مع مجموعة من أشكال " البلية" الحشيش ، المعجون ، وما إلى ذلك من ما يذهب العقل .
أشياء عديدة وغريبة تقع في شاطئ مدينتا، أتذكر أنني آخر مرة زرته لتفقد حاله وحال المشاريع المنشأة على ضفافه - والتي كما يروج أصحابها و المشرفون عليها ستأتي بالجديد لشباب المدينة من حيث فرص العمل- ورغم أنني أفضل في جل الأحيان زيارة الشاطئ لوحدي من أجل أن أشكي له همومي ، غير أن هذه المرة قررت الذهاب مع صديق لي ، يشترك معي نفس الهموم والمعاناة ، كان الشاطئ كعادته هادئا منسيا يختلف حاله عما يكون عليه في الصيف ، وبعد وقت طويل من الاستمداد على رماله المليئة بكافة أنواع النباتات التي وجدت لها مستقرا في الشاطئ بعدما طرٍدت من باقي أرجاء المدينة بفعل زحف الاسمنت ، لكن لم نكد نودعه حتى شاهدنا فتاتان في مقتبل عمرهما يصرخان تحت وطأة تهديد أحد اللصوص الذي كان مدجج بسكين من الحجم الكبير ، فلم ينصرف عنهما حتى أخد ما بجعبتهما من نقود وهاتفيهما النقالين ، وتركهما مغشيا عليهما ، فانصرفنا وتركنا كومة من الناس تحوم بهما للاستفسار عن ما حدث .