المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
ولادة

 

 

 

ولادة

كان صوت المروحية الكبيرة المتدلية من السقف، وهي تحاول جاهدة  أن تبدد بعض حرارة صيف بدأ قائظا  نغمة  نشاز في سيمفونية الصمت الذي يعم مستشفى الولادة، تخترقه بين الفينة والأخرى صرخة مولود جديد يعلن عن وجوده بصرخة قوية.. بينما يعبق المكان بتلك الرائحة المميزة للمستشفيات : خليط من رائحة الدواء والمرض .. الموت والحياة..

كانتا تقتسمان  الغرفة الأولى على اليمين، ذات الأسرة الأربعة ، بينما بقي سريران فارغان ينتظران حبلى جديدة، ومخاضا جديدا، ومولودا جديدا يحمل  معه صرخته وأنامله الرقيقة إلى عالم لا يعرف عنه شيئا..

وكما في لحظة يجمع القدر بين المتناقضات جمع  بينهما في نفس الزمان والمكان:

الأولى:  كان قلبها عصفورا يفرد جناحية عاليا في سماء الفرح، فرغم صعوبة المخاض، وآلام الولادة، لم تكن السعادة لتسع قلبها، تنقل عينيها المجهدتين بين سلال الزهور والفواكه،وباقات الحب والتهاني، وزوج تتراقص الفرحة بين عينيه وقلبه، وهو يتطلع إلى قامته الممتدة في كومة اللحم الصغيرة  الراقدة في هدوء وسكينة جنب سرير الأم.

أما الأخرى، فكانت تتكوم في زاويتها مثل قطة منبوذة قرب المدفأة في ليالي الشتاء، تحاول عبثا إخفاء لافتة موشومة على جبينها: مكتوب عليها: أم عزباء، تلقم ثديها الضامر الأعجف  لصبي بدون اسم، بدون هوية، مكتوب عليه منذ الولادة، أو ربما قبل الولادة، أن يسير حافي القدمين في درب الأشواك،  لن يذوق  لسانه أبدا حلاوة تلك الكلمة السحرية التي تقتح أبواب كنوز علي بابا ومغارات الأحلام  في وجه كل أطفال العالم: كلمة (بابا .. بابا ..)

ومن بين فجوات الصمت والهمس، والغمز واللمز، والنظرات المشفقة أو الشامتة.. تمددت قامة سؤال رهيب: من المسؤول ؟؟؟

أهي فتاة غراء استبدت بها نزوة عابرة، فتمددت على سرير الكلام المعسول والوعود البراقة الخادعة، وأسلمت نفسها طائعة لمصير مجهول، متناسية أن قطرة العسل العابرة على طرف لسانها إنما هي سم وعلقم مقيم إلى الأبد؟؟

أم شاب يعاني من الكبت والحرمان كان يبحث عن متعة رخيصة... عن أبواب  سعادة عابرة يفتحها بكلمات مكرورة قطفها من قامس رخيص ابتاعه من الرصيف، يهمسها في أذن كل أنثى/فريسة تقع بين يديه أو يصادفها في زاوية من زوايا المدينة المترامية الأطراف، يبحث عن بحيرة عذراء يطفئ فيها نيران شهوة جامحة، ويلقي فيها بذرة شريرة قبل أن يتبدد مثل الطيف ويختفي عن الأنظار؟؟

أم نقيد الجريمة ضد مجهول، ونعلقها على شماعة  رحى تطحن ملايين البشر بقسوة وعنف، في عالم تسلع فيه إنسان قامر برصيد إنسانيته في سوق المضاربات، وفقد أثمن يملك : صفة الإنسان؟

من المسؤول؟؟؟




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."