لم يعرف حلاوة النوم منذ أن هجرته تلك الليالي، منذ أن تحررت من عباءة سيبويه وقررت ألا تبقى مجرد ظرف زمان يحتوي عاشقين، وتحولت إلى مفعول مطلق يمتطي زورق الهجرة نحو قارة الذكريات البعيدة..
لم يذق سكينة الروح منذ أن هجرته تلك الليالي..
كانا عاشقين يترقبان هدوء الليل ليفترشا بساط الحلم تحت شجرة اللبلاب المزهوة بليالي الصيف الجميلة، يسرقان همس أوراقها وهي تغازل النسائم الندية ، وينظمانه قصائد شعر يهمسان به في آذان بعضهما.. وحين يتعبان يستلقيان على بساط الحلم، يطير بهما بعيدا نحو غابة الثريا، ويقطفان من شجرة السماء مشمشا وعنبا ورمانا.. ويمدان لنجمة المساء كأس حب كل رشفة منها تزيد الشارب ظمأ وشوقا للمزيد..
لم يعرف حلاوة السهر منذ أن هجرته تلك الليالي، وحملت معها هدأة الحلم وعناق أشجار اللبلاب، وأصص الحبق وأزهار الياسمين... ولم تبق على أسطح المنازل غير ظلام كثيف، وسيقان الهوائيات النحيلة العجفاء، وأفواه الصحون المقعرة الفاغرة، وعيونها المتلصصة الداعرة..
لم يذوقا حلاوة الحب منذ أن تسربت من بين أناملهما تلك الليالي البعيدة كحبات الرمل، وذرتها رياح الزمان وحولتها إلى باقة من الذكريات في مزهرية مركونة على حافة العمر...