المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
المحاكمة

المحاكمة

 

جلست هائم الفكر أحاور أطياف بذرة غرسها المازني في عقل طفل صغيركان يحلم بفجر بلون البنفسج، ويهوى الأدب، ويعتبر الأدباء والشعراء أنبياء بدون رسالات سماوية، ومضى المازني ومضى الكتاب والشعراء نحو مملكة المغيب ، لكن البذور أزهرت أشجارا وبساتين.. ورودا وأشواكا..

باطل الأباطيل الكل باطل وقبض الريح..

وكان صفير الريح في المحطة المهجورة، واصطكاك الشبابيك عواء ذئاب جائعة في البراري ..

وفجاة داهمني مع صفير الريح  صوت خشن غريب:

"أنت أيها الجالس على حقيبة السفر في محطة العمر الأخيرة، في انتظار الذي يأتي ولا يأتي، في انتظار قطار الوهم، قطارك زاغ عن السكة، وتاه بين الدروب، أما تعبت من الانتظار؟"

  وتردد الصوت يحمله الصدى ويبعثره على فضاءات المحطة الفارغة إلا من الصمت، وفي كهوف روحي ومغاورها السحيقة:

" أما تعبت من الانتظار؟

أما تعبت من الانتظار؟"

أنت اليوم المتهم، والقاضي، والشاهد، والمدان، فهيء نفسك لعرس المشنقة...

 اشتدت الريح، فتطايرت النوافذ والشبابيك والأبواب، تداورت في قلب الزوبعة ثم تساقطت بين أرجاء المحطة لتشكل قاعة وسطها أعمدة تحيط بي على شكل قفص ، أمامي مكاتب خشبية عليها ملفات وأضابير غطاها الغبار تعلوها يافطة  من نحاس أصفر صدئ كتب عليها بالخط العريض: محكمة، وخلفي مقاعد يجلس عليها أناس غريبو السحنة والملامح  يهمهمون  بكلام غير مفهوم، بدأ وشوشة وانتهى لغطا، قطعته صيحة ارتجت لها القاعة:

محكمة

وقف الجميع إلا أنا، ليس من تكبر لا سمح الله، ولكن لورم في ركبتي، من مخلفات بوادر الشيخوخة وغارات الزمن على جسدي المهدود.

قف، أنت..

صيحة ثانية ، التفت إلى مصدر الصوت، فأفزعني منظره: فم كهف، تناثرت فيه أسنان سوداء  متباعدة، وشعر تيس يتدلى من منخريه:

"قف، أنت" كرر الصوت الخشن ، وهو يشير إلي بسبابته، تحاملت على جسدي ووقفت،..

بينما ولج القاعة في هذه اللحظة شخص يلبس عباءة سوداء، سار بوقار إلى أن بلغ مكانه فجلس.. رفع بصره نحو الحضور، فجلس الجميع إلا أنا بقيت واقفا، في قفص الاتهام.. فيما كان الرجل ذو العباءة السوداء ينقل بصره بيني وبين أوراق استلها من ملف كان أمامه :

ـ اسمك؟ سنك؟ مهنتك؟ مقر إقامتك؟

 سأل الرجل ذو العباءة السوداء، وهو ينظر إلي..

ـ أنا يا سيدي مواطن بسيط  من مملكة النمل السعيدة، عفا عنه الزمن وتكالبت عليه النكبات ، انتابتني النكسة والهزائم فاحترفت الحزن والتشظي والرحيل.. والإقامة بين نقط الحبر ومحطات القطارات الباردة..

ـ أنت متهم وتهمتك الرئيسية أنك لم تكن أبدا هناك في المكان المناسب وفي الوقت المناسب، كنت تصل دائما قبل الموعد، أو بعد فوات الأوان..

أنت متهم بالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، قتلت كل فرص السعادة والفرح، اغتلت كل فرص الحب بدم بارد،

وقلب من حجر، وها أنت تتباكى بدموع التماسيح على زمن ضيعته بيديك..

ـ ولكن، ولكن سيدي تلك لعبة القدر..

قاطعتني ضحكته المدوية، مبددة وقاره المزعوم..

القدر؟؟ القدر شماعة الجبناء، يعلقون عليها تقصيرهم وخيبتهم..

ـ لكن سيدي، ما ذنبي إذا كانت ساعات المحطات غير مضبوطة؟ والقطارات سريعة الأعطاب،

ما ذنبي إذا كنت قد ولدت في زمن الحروب والفقر والأوبئة والدمار، وفي يدي وردة وقلبي قصيدة شعر؟

ماذنبي إن كنت قد آمنت بأن غدا أفضل ممكن فداهمي الطوفان ؟

ما ذنبي إذا كان القدر أقوى. .

قاطعني بلهجة صارمة : لا فائدة من الكلام الآن، فقد مضى قطار العمر وفات الأوان..

أنت مدان وعليك أن تختار..

وعصفت الريح  من جديد فتطايرت الأوراق والقضاة والحضور، ولم تبق إلا ساحة محطة العمر الأخيرة فارغة إلا من خشبة عالية يتدلى منها حبل المشنقة، و تحيط بها أسوار عالية بدون أبواب أو شبابيك...

وكان علي أن أختار..

  




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."