محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
ظل رجل
قدمان على الرصيف..
تطل أصابعهما من خلف ثقوب الحذاء، على حقيبة جلدية مهترئة بها بعض من لوازم الشغل، تقول لكل رائح وغاد: إن الواقف جنبي مستعد لأي عمل.. كيفما كان وبأي أجر زهيد، أما هو فكان صامتا، واقفا؛ نحيلا، شاحبا، كشجرة صفصاف يابسة .. في حقل الخريف..يعرض عضلاته الضامرة التي لا يملك غيرها في سوق النخاسة بثمن بخس دراهم معدودات...
فقط عيناه كانتا تتحركان، واحدة تمسح في توسل ذليل وجوه العابرين بحثا عن مُشَغِّل محتمل..
والثانية تراقب بقلق قرص الشمس وهي تغادر عرينها زاحفة نحو كبد السماء، فقد علمته التجربة أن كل خطوة تخطوها الشمس دون أن يجد عملا تقتطع شبرا من كرامته.. وتخصم ما تبقى من رصيد رجولته المهدورة..
بأي وجه سيقابل طفليه.. وبأية أكاذيب جديدة سيملأ جيوب احتياجاتهما عند المغيب؟؟
وهل سيطيق أن يرفع عينيه في عيني زوجته إذا عاد خالي الوفاض؟؟
... في المتجر المجاور، كان الزبناء يقتنون ما لذ وطاب لإعداد فطور شهي، بينما تملأ الفضاء أصوات موسيقى هادئة منبعثة من المذياع، يتخللها بين حين وآخر صوت المذيع وهو يعدد منجزات الحكومة الرشيدة بمناسبة عيد العمال الأممي، ويصف استعداد النقابات العمالية المناضلة لكرنفالات الاحتفال وولائم الخطب ...
أما على الرصيف المجاور فظلت حقيبة لوازم الشغل واقفة كشاهد قبر غريب، لم تتزحزح عن مكانها بينما اضمحل صاحب الحذاء المثقوب ولم يبق منه غير ظل طويل منبطح على إسفلت الطريق، تدهسه في وحشية عجلات السيارات الفارهة، وتدوس عليه أقدام العابرين وصبايا المدارس بلا مبالاة...
|