إقتربت و هي تتدحرج مثل الكرة : كبّ كبّ - قالت- عمرها ناهز السنة و النصف ,شعرها أشعث ,فرّقته أمها إلى جديلتين يابستين, مُسِّدتا بزيت الزيتون,حرصت أختي على أن تكونا على طرفي رأسها,ولفتهما بشريطين أبيضين..عيناها ممتلئتان شقاوةً و سحراً,قمحية اللون, عسلية العينين.
كنّا متحلّقين حول المائدة على حصيرة وسط الصالة الواسعة,فيما كانت الطفلة تحاول أكل أحد زوجي حذائي !أمام باب الصالة ,وتنظر إليّ و الشرر يتطاير من عينيها الشقيّتين و تتمتم : كبّ كبّ .. كبّ- تبسّمتُ لها .. ثم ما لبثتُ أن زجرتها لتترك حذائي !,و ما إن وضعتْ أختي صحن الشوربة أمامي حتى إنطلقت الطفلة تحبو نحوي و هي تزمجر بشقاوة : كبّ خخخالي كبّ - أختي إنقطع نفسها من الضحك , و العائلة بين قابض على ضحكته كأنه قابض على جمر! و بين من تناثر الطعام من فمه من الضحك .. و أنا كنت أضحك أيضاً,فلطالما أحببتُ هذه الطفلة الممتلئة بالحياة و الشقاوة.
إقتربتْ و هي تحاول وضع يدها في صحن الشوربة : كبّ .. كبّ - وكلما أمسكت يدها وضعتْ الأخرى في تحديٍ منقطع النظير,كنتُ أداعبها و أدفعها برفق,فتعود بكلّ العناد نحوي:كبّ كبّ ! أمسكتها من يديها,و لكنها بحركة رشيقة,قلبتْ الصحن بقدمها على ملابسي .. توقف الجميع عن الضحك حينها,لكنني كنتُ سعيداً للغاية,توجهتُ للحمام كي أغسل قميصي,و الفرح يغمرني و أنا أردد : كبّ كبّ ! لكنني سرعان ما ابتلعت إبتسامتي حين أكتشفت حرف اللام الساقط !!! .. : كبّ !؟ دخلتُ الحمام, أخذتُ قطعة صابون من على المرآة التي فوق حوض غسيل اليد.. إنحنيتُ قرب الصنبور أرش الماء على وجهي كي تتطاير علامات الإستفهام من أمام ناظري , إستقمت واقفاً …لكنني فزعتُ وتراجعت خطوات حتى إرتطم ظهري بالباب .كلب أسود من نوع بلاك جاك في المرآة يدْغر فيّ .. فركتُ عينيّ جيداً .. لازالت أذنيه منتصبتين ,ولعابه يسيل من بين أنيابه الداغرة !