محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الإرهاب في حياة الأعراب..
قصَّة (الجامع المانع) و (الباب المفتوح) و (مشاريع القتل ) من على المنابر!!
عبدالله السالمي
# من منّا مرَّ عليه يوم لم تجر فيه لفظة (الإرهاب )على لسانه, أو تصل إلى سمعه, أو تنعكس في ناظريه؟! سأقول مطمئناً: أن لا أحد.. فالإرهاب اليوم - وفي الأرض كلها - أصبح حديث الناس وشغلهم الشاغل..
# ستقولون: هذه مسلّمة لاشك فيها, فما هو الجديد ؟ وسأقول لكم ليس هذا ما اقصد فللموضوع قصة.. لقد كانت تلك الكلمات مقدمة لمقال استطالت صفحاته كثيراً عصريّة ذات يوم, وكان إلى جانبي زميل جلس القرفصاء فقال لي - وكأنه استكثر كومة الأوراق، أو لمح في الأولى منها كلمة (الناس): (مالك وللناس يا صاحبي, كن هنا, ولا تنس من أين أنت.. ) وسواء قصد الحقيقة أو بنت خالتها، أو لم يقصد شيئا فقد وصلت الرسالة ..
# تمنيت لحظتها لو أكون من الجن, غير أني سرعان ما تنازلت عن هذه الأمنية خوفاً من أن يكون أحد الإرهابيين من الإنس - المسلمين طبعاً - قد تلبّس بجني وصدّر إليهم من خلاله هذه العدوى القاتلة, مشكّلا جماعة إرهابية, إن لم تكن جماعات، من عتاة الجن والمردة والعفاريت..
# قلت في نفسي - بعد أن تعوذت من شياطين الإنس وحدهم - صحيح.. فمالي والحديث عن جميع أهل الأرض.. بل وحتى المليار عربي ومسلم أو أكثر بقليل.. فمن يقوَ على تحمّل أعباء الكتابة عن مآسيهم ووضعهم البائس الدنيء؟! مجرّد الكتابة!! من يستطيع أن يتخيل العيش تحت وطأة ما تبعثه في النفس من هموم وغموم وأحزان وأتراح؟!
# ركنت كومة الأوراق جانباً, ولم أعد أرغب في نشر المقال الطويل إياه.. غير أن بعض ما ورد فيه خطر على ذهني فجأة, وأضحكني على غير عادة.. ومن يدري, فقد قالوا قديماً: (شر البلية ما يضحك) وما أحسبهم - في هذه بالذات - إلا صادقين..
# يا سلام.. كثيرٌ من السياسيين والمثقفين في عالمنا العربي والإسلامي ما فتئوا حتى اللحظة يطالبون بتعريف واضح ومحدد للإرهاب!! وضعوا خطين تحت (واضح ومحدد) أو على قول الأقدمين: (جامع مانع).. هذا هو شرطهم الوحيد, أما مصدر التعريف فلا يهم, سواء جاء من الأمم المتحدة, أو الولايات المتحدة, أو المملكة المتحدة.. أو حتى من الفلبين!!
# الجماعة على أصولهم (طالعين لآبائهم ) يحبّون الجدال العقيم والنقاش الفارغ.. أو ربما توهّموا أن تعريف الإرهاب سؤال سيأتي في امتحانات الصف الأخير من مرحلة الغباء والبلادة, وقد كثرت عليهم التعاريف إلى الحد الذي لم يتمكنوا معه من حفظها كاملة.. ولأنهم - كأسلافهم بالتأكيد - مولعون بالحفظ مقلّلون من شأن الفهم والامتحانات على الأبواب فلن ينثنوا قبل أن يحصلوا على التعريف الواحد المحدد الذي يسهل حفظه..
# ويا ما في العرب والمسلمين من عجب!!.. فلست أدري ما الذي أبقته الجماعات الإرهابية - التي لم تدع بلداً إلا وأجرمت فيه - في معنى الإرهاب من غموض, أو في الايديولوجيا التي تصنعه من لبس, أو في نوايا الإرهابيين وأهدافهم من مستور؟! فهل الإرهاب إلا ما نشاهده من الجرائم البشعة الموغلة في استرخاص دم الإنسان ومصادرة حقه في العيش الآمن المستقر؟! وهل الإرهاب قبل ذلك إلا الفكر المتطرف المنحرف الذي يشرّع للعدوانية والقتل, ويبارك الخراب والدمار وسفك الدماء..؟!
# فإذا أمعن البعض في غبائهم ولم يتأكد لهم بعد معنى الإرهاب الواضح الصريح في أبشع صوره, رغم تكرر مشاهده القاتمة وفي أكثر من مكان, فلن يعني لهم شيئا الـ (الواضح المحدد) أو الـ (جامع المانع) حتى لو نزل به الوحي من السماء.. فمن تعامى عن استخلاص الحقيقة من الواقع الذي يشهد وقائعها كل يوم, فهو عن استخلاصها من سواه أجهل وأعمى..
# ما هذا الذي حدث ويحدث في العراق وفلسطين وفي أفغانستان.. والذي حدث في الجزائر ولبنان والسعودية.. وباقي البلاد.. بل وفي اليمن.. فلماذا نذهب بعيداً ووطننا لم يكن من ذلك ببعيد؟! أسأل عن ممارسات أبناء جلدتنا في بعضهم البعض، أما الغير فذاك شأن آخر.. فما الذي تفعله جماعات تحسب على العالم العربي والإسلامي ولم تأت من كوكب آخر ابتداء من تنظيم القاعدة, فجماعات العنف الطائفي, وصراع حركات الإسلام السياسي والأصولية الدينية, وانتهاء باللانهاية التي تفتح الباب على مصراعيه أمام كل نزوة - فردية أو جماعية - يؤججها الانحراف الفكري والتعصب الديني..؟!
# هذا هو الإرهاب.. بل قل عينه, نفسه, ذاته.. وزد فوق ذلك كل لفظ يؤكد وجود معناه فيه.. ثم ما هو المهم في كلمة (الإرهاب ) أو التعريف المشتمل على عدد من الكلمات الموضّحة لفظيّا لمدلوله ؟! فهل أبقت وقائعه التي تنزّ عنها روائح ومناظر الدم والنار والهدم والخراب من تعريف نظري له يدانيها في القوة والجلاء والوضوح؟!
# وشيء آخر - وقد عدت أحمل, مكرها, ثقل أعباء الكتابة عن العرب والمسلمين - فلماذا لم يزل الغباء يحجب عنهم رؤية منبع البلوى ومصر الداء وبؤرة الخلل؟! ثم ما معنى أن يتعود أحدهم على سماع المثل القائل: (الباب اللي يأتيك منه الريح سدّه واستريح ) ولكنه يتركه مفتوحاً على مصراعيه، ويغلق بدلاً عنة نافذة في المكان الخطأ, ثم يركن لغبائه تاركاً الرياح تعصف بمكانه من جديد؟! وهل يفيده، وقد ضاق بها، أن يضج بالشكوى إليها حائراً.. أيتها الريح.. لماذا لا تكفي عني؟!..
# المؤكد أن الإرهاب هو الإرهاب, فمهما تعددت صوره فإن عداءه مع الحياة, ورغبته في اجتثاث ما يدل عليها هو الرابط بين مختلف أشكاله.. والمؤكد -أيضا - أنه يقصد ملازمة الوجود حتى يأتي على آخر نفس فيه.. إن الإرهاب يريد لو يزهق كل روح, ويقضي على كل نفس, ويفني كل ذرة بقاء.. فشهوة القتل هي ذاتها الحاكمة على كل حادثة وواقعة وجريمة, وكما لم يحدث أن ألانت دموع الحمل الوديع قسوة الوحش فحلّ عنه مخالبه بعد ما أوشك على افتراسه فلن يحدث أن يشفق الإرهاب حتى على الأطفال والمستضعفين من النساء والرجال..
# غير أن الشيء المهم هو أن علينا أن نعترف، وبسرعة من قطع الشك باليقين, أن جماعات الإرهاب في العالم العربي والإسلامي جاءت من داخله, وليس لها - كمكوّن جوهري - علاقة بما يدّعيه البعض عن الغرب أو الشرق.. فأفراد جماعات الإرهاب هؤلاء هم من هذه الأمة, تربطهم بأبنائها أكثر الصلات في الجوار والنسب والقربى, وربما غيرها, عدا عن اللغة والدين, ولو في التسمية الظاهرة, أو المعطى المتداول.. ومرة أخرى: فالإرهابيون في عالمنا العربي والإسلامي - أفرادا أو جماعات - هم (منّا) ولكنهم بغوا علينا.. أي استعدوا بالمجتمع وقد كانوا منه وفيه, ويصح كذلك شطب (قد كانوا) وإحلال (هم)..
# وفي ثلاث كلمات (منا.. بغوا عينا ) نكون قد وضعنا النقاط على الحروف, واستبان لنا المتهم من البريء.. إذ لم يعد ثمة من مبرر للتخبط يمينا وشمالاً, فبلاء هذه الأمة هو من داخلها قبل أي شيء آخر.. هذا عن..لماذا (منا )؟ , أما كيف (بغوا علينا ) فهذا هو السؤال؟!
# وباختصار شديد: فإن الإرهاب وبقد ر ما هو ظاهرة لها استطالتها في الجغرافيا فإنه كذلك ثقافة لها امتدادها في التاريخ, أو الارتباط به.. وهذه الثقافة هي التي كوّنت (أيديولوجيا) جعلت من الإرهاب نشاطاً منظماً بهذا القدر المهول.. وصحيح: فقد يكون ثمة دوافع أخرى للإرهاب ولكنها عرضية, فالمكوّن العقائدي هو الأساس والجوهري, وبقدر ما يكون ثابتاً راسخاً في معتنقيه تكون الفاعلية في القول والفعل الذين يؤكدان صلابة الاعتقاد والإصرار عليه..
# ومن ذلك كله فالإرهاب الذي يعصف بالعالم العربي والإسلامي اليوم ينبئ عن ثقافة وأيديولوجيا راسخة ما كان لها أن تحدث كل هذا الدوي, وتتسبب في كل هذا العبث, وتسفر عن كل هذا القبح لولا رسوخها في عقول وقلوب من جندتهم لها من أناسٍ ما كان لهم أن يكونوا على هذا الرسوخ إلا تحت سلطة فكرية عقدية لم تترك شاردة وواردة وصغيرة وكبيرة في الواقع والتراث إلا وكرستها لحسابها، وبما يدعم توجهها في القتل والإرهاب..
# وإن أولى خطوات المواجهة الحقيقية والفاعلة هي الشروع بالبحث الجاد والدراسات الفاحصة في التاريخ والتراث الإسلاميين للوقوف على مكونات هذه الايدولوجيا وفضحها.. ومن ثم اتخاذ ما يضمن عدم إنتاجها.. إذ لا فرق - في النهاية - بين الإرهابي الذي يمارس القتل والآخر الذي يعتلي المنبر خطيباً بمرجعية متطرفة فيصدر فتاوى التكفير والتفسيق والتبديع والتظليل تحت وطأة تراث مشحون بالتعصب والغلو والشقاق والخصام..
# نعم - ومرة أخرى - لا فرف بين الاثنين, فالأول قاتل والثاني مشرّع للقتل.. وقد يكون القتلة قلّة غير أن مشاريع القتل من الكثرة بمكان.. ويكفي الواحد منا أن يتذكر كم مرة سمع فيها خطيباً يصدر أحكاما بالكفر على المخالفين له, ليس في شأن من شئون المذاهب الدينية التاريخية فحسب, وإنما وفي أمر من الأمور الحديثة, إما لأنهم يأخذون بالديمقراطية, وهي عنده كفر.. أو ينتمون إلى أحزاب سياسية، والتحزّب عنده كفر.. أو يلبسون بدلات إفرنجية، ولبسها عنده كفر.. أو يحتكمون إلى عقولهم في قضايا تأويلية, والاحتكام إليها في منهجه كفر.. وكم يا عجايب ... ويا الله مخرجك!!
|