محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
دور الزوايا في تحقيق الصحة النفسية للفرد والمجتمع للأستاذ د. فقيه العيد
التجربة الصّوفيّة كمصدر لبناء مفهوم
حول الصّحّة النّفسيّة
ودور الزوايا في الحفاظ على الصّحّة النّفسيّة
للفرد والمجتمع
د. فقيه لعيد
جامعة أبي بكر بلقايد - تلمسان- الجزائر
http://www.mediafire.com/?2yhndq3w2aj
من بين الوظائف المتعددة التي تقوم بها الزاوية كمؤسسة وفقا لمرجعيّتها الصوفية الإسلامية، نجد الوظيفة التربوية الصحية التي تعتني بمساعدة الفرد وضبط سلوكه وتوجيهه وتقويمه في الحاضر بهدف تحقيق أفضل مستوى ممكن من الاستقامة كفرد صالح في المجتمع، يتحمل مسؤولياته ويعطي بقدر ما يأخذ، مستغلا طاقاته وإمكانياته إلى أقصى حد ممكن. وبذلك يهدف هذا الدور الذي تقوم به الزاوية إلى بناء الشخصية المتكاملة وإعداد الإنسان السليم نفسيا.
ترى الزاوية أن الحديث عن الإنسان المريض نفسيا وما توحي به أعراضه مرده إلى طغيان المبادئ النفعية، وانتشار القيم الحسية بين أفراد المجتمع التي تهمّش كل ما هو إنساني وأخلاقي وروحي، وتتجه فقط إلى الاستمتاع الحسي العاجل المباشر دون أن تراعي مبادئ الحق والخير والجمال. فأصبح الإنسان في ظل ذلك لا يرى من حوله سوى الفوضى والتشتت، وصعوبة إشباع الحاجات و الرغبات الذي يضاعف الشعور بالاستلاب و الاغتراب النفسي والاجتماعي. ولعل الدلالة التي تحملها مختلف الأعراض النفسية و العقلية ما هي في حقيقة الأمر إلا صرخة استغاثة لمن أصبح عاجزا عن تحديد هوية وجوده الفاعل نحو الآخرين. وما التجربة الصوفية التي تتبناها الزاوية إلا وسيلة لتنمية دوافع الهدى و السيطرة على دوافع الهوى، ولذلك أعطى مشايخ الزاوية على اختلاف طرقهم اهتماما كبيرا، لعمليات التعليم والتدريب والتوجيه أثناء عمليات السلوك الصوفي.
تمتاز الزاوية بنوع خاص من المعرفة الصوفية الإسلامية لا نجد لها نظير في الأنواع الأخرى من الفكر الإنساني، فهي تجعل الجسد و الروح يتواكبان في كل متكامل لتجسيد الحقائق الروحية، وبذلك يشكل التصوف الإسلامي منهجا تربويا وأخلاقيا و اجتماعيا بتعاليمه يسمو الفرد ويطمئن، وبمبادئه ترتقي الجماعة وتسود الألفة بين الأفراد .
- فيا ترى هل ما تزخر به الزوايا الجزائرية بمثابة الإطار المرجعي النظري و التطبيقي يمكن من خلاله بناء قواعد متينة لتأسيس مفهوم حول الصحة النفسية ؟
وهل يمكن ترجمتها على أرضية الواقع إلى درجة أن المواطن العادي يستفيد من مظاهرها؟
- ألسنا بحاجة إلى الجمال و المحبة للحد من بشاعة الأشياء ولإيقاف البربرية المعاصرة ؟
هذا ما يحاول البحث الحالي توضيحه من خلال التقرب إلى الزاوية الجزائرية كمؤسسة و استطلاع التراث الصوفي الإسلامي بها. فالدراسة الحالية تستهدف تحديد الإطار المعرفي العام لمفهوم الصحة النفسية ، ثم استخلاص مظاهر عامة مشتركة لها
أولا: مبادئ الصحة النفسية حسب التصور الصوفي الإسلامي
يستند التصوف الإسلامي إلى القرآن الكريم و السنة النبوية كمصدرين أساسيين، باعتبارهما العقيدة والشريعة للدين الإسلامي. وقد كان لكلام الله أثره في دفع الشخصية المسلمة إلى التقرّب من الله بالعبادة والمجاهدة والاستقامة، ابتغاء وجه الله ومرضاته. كما كان للسيرة النبوية أثرها في حياة الصحابة، وشعلة أبدية في حياة المتصوفة، استصغروا الدنيا كما استصغرها صلى الله عليه وسلم، وناجوا ربهم كما ناجى ربه، وتطلعوا إلى حالة من الإشراق الروحي كما كان له صلى الله عليه وسلم. لقد كان لحديثه صلى الله عليه و سلم الوقع الكبير في نفوسهم، درسوها ظاهرا وباطنا، وحاولوا تطبيقها عمليا. يقول السهروردي (عوارف المعارف،1983،ص229) في هذا الشأن الصوفية أحيوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم وقفوا في بداياتهم لرعاية أقواله، وفي وسط حالهم اقتدوا بأعماله فأثمر لهم ذلك إن تحققوا في نهايتهم بأخلاقه، وتحسين الأخلاق لا يأتي إلا بعد تزكية النفس، وطريق التزكية بالإذعان لسياسة الشرع.
من هنا نلاحظ أن الإسلام يعتبر المصدر الرئيس للتصوف، ومع التقاء الإسلام بثقافات الشعوب التي أسلمت، تأثر بتلك الثقافات، فأكسبته عناصر جديدة ساهمت في تطوره وبلورته وتنوعه.
النفس البشرية المذكورة في القرآن الكريم، ترتبط دوما بالإرادة الخيرة المتمثلة في تهذيب دوافع الإنسان الشريرة، على هذا الأساس وضع الله تعالى الضوابط والمعايير للنفس البشرية. إن تحريك الهمة أو الإرادة، يهدف إلى التحكم في الدوافع على أساس الشعور الخُلقي القائم على طهارة القلب، وصفاء العقل، وسلامة السريرة التي تميز بين النافع والضار.
لقد قامت الأخلاق الإسلامية لدى المتصوفة على أساس القرآن الكريم، والسنّة النبوية، اللذان يعكسان فطرة الإنسان في خدمة أخيه الإنسان، و استعداده للخير الفطري. من هنا نلاحظ أن الإسلام يعتبر المصدر الرئيس للتصوف، ومع التقاء الإسلام بثقافات الشعوب التي أسلمت، تأثر بتلك الثقافات، فأكسبته عناصر جديدة ساهمت في تطوره وبلورته وتنوعه. يرمي التصوف الإسلامي إلى تحقيق إنسانية الإنسان من خلال الأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة التي يدعو إليها الدين الإسلامي الحنيف، والتي تنسجم مع واقع الإنسانية بفطرتها و طبيعة خصائصها. إن الأخلاق الإسلامية تعكس مكنون وأسرار الشخصية، سواء ما يتعلق بالناحية الجسمية، أو العقلية، أو النفسية والروحية. بما أن الأخلاق الإسلامية تمثل السمات التي تطبع سلوكات المتصوفة، فإن تهذيب الحاجات الإنسانية الروحية والمادية، وإفراغها في قالب المثالية الواقعية، تمثل الطريقة والمنهج الحياتي التي تقوم عليه.
مما سبق ذكره يتضح جليا أن الصحة النفسية حسب التصوف الإسلامي، تقوم على الأسس الأخلاقية. وبما أن الإسلام أرسى قاعدة الكليات الأخلاقية، الذي تنطلق منه الأفكار و الممارسات السلوكية كالإيمان والتوحيد والتقوى والإحسان وغيرها، فإن أهل التصوف حاولوا أن يعيشوها ويتذوقوها ويتمتعون بفوائدها، من خلال التجربة الصوفية التي تقتضي البلوغ، والحرية، والنيّة. إنها عبارة عن شروط تعبر عن النضج العضوي والاكتمال البيولوجي، والتّمتع بالحرية و الوعي التام بالفكرة، وصدق التوجه. ولذلك يستند التصوف الإسلامي في تحقيق أهدافه على التربية كممارسة فعلية للمجاهدة، و الرياضة النفسية، والتدريب، والتعليم. وهكذا تصبح الشخصية الصوفية تتميز بسمات و خصائص روحية و فكرية و أخلاقية تعبر عن قيم عملية تتجلى في مختلف المقامات كما يؤكد ذلك سفيان بن عيينة (عوارف المعارف،1983،ص29) أجهل الناس من ترك العمل بما يعلم ، و أعلم الناس من عمل بما علم، و أفضل الناس أخشعهم لله تعالى. على هذا الأساس أهتم التصوف بالعوامل النفسية التي تختلج في نفس الإنسان، و يؤكد لنا ذلك السهروردي (عوارف المعارف،1983،ص34) حينما يقول: علم النفس ومعرفتها من أعز علوم القوم، و أقوم الناس بطريق المقربين و الصوفية أقومهم بمعرفة النفس، وعلم معرفة أقسام الدنيا، ووجود دقائق الهوى و خفايا شهوات النفس و شرهها و شرها، وعلم الضرورة و مطالبة النفس بالوقوف على الضرورة قولا وفعلا ولبسا وخلعا وأكلا ونوما. من خلال هذا التعريف لعلم النفس نستنتج أن التصوف الإسلامي لا يركز فقط في تعاليمه على تنظيم السلوك الظاهري للفرد، و إنما ينفذ إلى أعماق الإنسان الروحية ليوازن بين المحتوى الداخلي للنفس البشرية، وما يرسمه من سلوك خارجي ينسجم ويتوافق مع مكونات الإنسان.
لقد تناول التصوف الإسلامي النفس البشرية بنظرة شمولية واضحة، تعترف بالواقع الإنساني كما هو، من حيث القوى التي تتجاذبه، فهو يؤيد و يقرر التلاحم الضروري بين الحياة و الموت.
إن سلامة الشخصية وصلاحها لا يرتبط بإرضاء الرغبات والغرائز، فليست الصحة النفسية مرادفة لتحقيق اللذة والشهوة، لأن ملذات الحياة أمور شخصية، وقد تتعلق بأمور لا نفع فيها ولا جدوى، بل فيها الضرر الكبير، وأنها خاضعة لمجرد الرغبة من غير تقدير عقلي. الرغبات الحسية في أكثر أحولها تدفع إلى اضطراب الشخصية إذا سيطرت على نفسية الإنسان، وأصبحت همه وهاجسه الوحيد. وإذا كان إرضاء الرغبات والغرائز في موقع الرفض من المنظور الصوفي الإسلامي، فإنما ذلك يكون إذا تحكمت في العقول، وسيطرت على النفس. أما إذا وُجهت هذه الغرائز نحو تلبية حاجات النفس، و خاضعة لمنطق العقل وليست هدفا و غاية ينشدها الإنسان في هذه الحياة، ساهمت مساهمة فعالة في توازن الشخصية، وزادت من قوتها.
إن التصوف الإسلامي الأخلاقي لم يمنع إرضاء الرغبات، وتلبية الحاجات، بل قام بتنظيمها وفقا لمبادئ الشرع و العقل معا، وما يوجبه ضبط النفس. ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم، حتى يكون هواه تبعا لما جئت به، أي تكون منظمة وفقا لأحكام العقل أو الضمير الإنساني، أي تتفق مع قوى الإرادة الإنسانية. هذا الحديث يقودنا إلى احترام الشخصية الإنسانية بحكم أن الصحة النفسية لا تكون إلا مع الحرية والضبط الذاتي.
بما أن علم الصحة النفسية يجمع بين العلوم التقريرية والعلوم المعيارية، فإن مجال دراسة سلوكات الإنسان كما يجب أن تكون، لكي تتلاءم مع المصلحة الإنسانية وتحقيق السعادة التي هي غاية الإنسان، تمثل نواة التصوف الإسلامي، وبالتالي إنها تتفق إلى حد بعيد مع الهدف الذي تصبوا الصحة النفسية لتحقيقه.
على ضوء ما سبق ذكره نجد أن الشق الأخلاقي من التصوف الإسلامي، يشترك في كثير من أهدافه مع الصحة النفسية وإن يختلفا في بعض وسائل تحقيق نفس الهدف، الذي يتمثل في بناء الشخصية المتكاملة بطريقة يشعر فيها بالسعادة والصحة والتوافق النفسي. الغاية القصوى التي يسعى إلى تحقيقها التصوف الإسلامي، تكمن في تغيير سلوك الإنسانية من أدرانها الفاسدة، حتى تشعر بالسعادة التي هي غاية الإنسان. إن الكثير من الاضطرابات النفسية التي يعاني منها الفرد، تعد نتيجة حتمية لضغوط العصر، وانعدام الوعي الأخلاقي، فأصبح الفرد عرضة للكثير من الضغوط الثقيلة التي تؤرقه، وتسبب له الكثير من الإزعاج وعدم الارتياح، وفقدان الأمن والاستقرار في ظل الرفاهية المادية، والتطور المدهش للتكنولوجيا الحديثة.
إن اختلاف السلوكات الإنسانية من فرد إلى آخر، و من مجموعة إلى أخرى، و من مجتمع إلى آخر، سببا من أسباب الاختلاف في الرؤى والمنهج والأسلوب. ولا يكون السلوك شاذا إلا إذا هبط هؤلاء الأفراد إلى درجة الحيوانية وأطلقوا العنان لغرائزهم، فيصبح همّ كل واحد منهم تلبية رغباته ونزواته ولو على حساب الآخرين، حينها تصطدم رغباته مع رغبات الآخر الذي استجاب هو الآخر لنزواته، وكل يحب لنفسه الاستيلاء على أكبر قدر من المطالب والوصول إلى أقصى حد من الغايات، فيسيطر منطق الغاب، ويشتد التنافس بين الأفراد والجماعات، وتتضاعف الحاجات والمطالب التي تتجاوز طاقات الفرد و قدراته، مما يؤدي إلى انهيار البعض أمام ضغوطها، وينحرف على إثرها البعض الآخر. بينما لو تفحصنا مبادئ التصوف الإسلامي نجدها قد جعلت كل السلوكات تنتهي عند خدمة الجماعة الإنسانية وبذلك تتحد الغايات والأهداف.
يرى الصوفية أن الرسالة المحمدية عاملت جميع الأجناس وعممت فيهم أحكامها بهدف إصلاح الجميع، وبيّن الله سبحانه وتعالى أن أصل التكوين الإنساني واحد، وأن الطبيعة الإنسانية واحدة، فيجب أن تكون المعاملة الإنسانية واحدة،و التكليف واحدا مصداقا لقوله تعالى من سورة البقرة، الآية رقم 213: كَانَ النَّاسُ أُمَةً وَاحِدَةً فَبَعَتَ الله النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِيْنَ وَمُنْذِرِينَ، وَأَنزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتَابَ بِاَلْحَقِ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ فِيمَا اُخْتَلَفُواْ فِيهِ، وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ، فَهَدَى الله الّذِين ءَامَنُواْ لِمَا اُخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَالله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
تنظر مدرسة التصوف الإسلامي للإنسان نظرة شمولية، تضع بعين الاعتبار التفاعل القائم بين الفرد و محيطه البيئي وعالمه الروحي. فلا يمكن أن نتصور فردا صحيحا نفسيا بدون وجود درجة مناسبة من الاتصال بينه وبين خالقه، وبين البيئة التي يعيش فيها، وإذا تفحصنا هذا الاتصال بين الفرد كذات والخالق، وتفاعله مع البيئة التي تحيط به، سوف نحصل على ثلاثة أنواع من العلاقات تساعدنا على فهم شامل للصحة النفسية:
أ- علاقة الإنسان مع ذاته
ب- علاقة الإنسان مع خالقه
ج- علاقة الإنسان مع بيئته أو (عالم الأغيار)
أ-علاقة الإنسان مع ذاته
لكي يصل الفرد إلى درجة عالية من الصحة النفسية، فهو مطالب بأن يشعر بوحدة شخصيته وتماسكها، أي أن يحقق قدرا مناسبا من تماسك جوانب شخصيته، بشكل مرن ورصين. وتتحقق هذه العلاقة بشكل سليم و صحي بعد قطع مرحلة من البحث عن الذات، بكل ما تتضمنه هذه المرحلة من غربة و قلق على الصعيد النفسي والاجتماعي والعالم ككل من حوله. فيسعى إلى البحث عن حقيقة ذاته وجوهرها من خلال سبب وجوده.
الصحة النفسية تبدأ بمعرفة الإنسان لذاته كوجود أسمى من العالم الخارجي المادي، عندها فقط يستطيع أن يخلّصها قدر الإمكان من ذلك الارتباط المشروط بالمادة، وإدراك أن أصله روحي محض، فيزداد انشداده إليه عبر مقامات مترابطة، أدناها التوبة وأعلاها الاستقامة.
إن فهما عميقا للذّات كشخصية ومعرفة جوانب قوتها وجوانب ضعفها، يفسح المجال للاقتراب أكثر من الواقع لأن الشخصية الصوفية لا تبالغ في تقدير ذاتها ولا تحط من شأنها في الوقت نفسه بل تراعي الاعتدال في كل شيء، يقول السهروردي ( عوارف المعارف، 1983، ص242 ) في مفهوم التواضع: إن التواضع رعاية الاعتدال بين الكبر والضعة، فالكبر رفع الإنسان نفسه فوق قدره، والضعة وضع الإنسان نفسه مكانا يزري به ويقضي إلى تضييع حقه، من هنا تأتي فكرة تقبل الصوفي لذاته، بإيجابياتها وسلبياتها، أي الرضا الإيجابي عن الذات الذي يسمح للشخصية الصوفية من انتقاد ذاتها ومحاسبتها وتقييمها باستمرار.
ب-علاقة الإنسان مع خالقه
تقوم علاقة الإنسان مع ربه حسب مدرسة التصوف الإسلامي على أساس المحبة، عبر ثنائية القبض والبسط، الهيبة والأنس، الجمع والفرق، الفناء والبقاء، الغيبة والحضور، الذوق والشرب، المحو والإثبات، التلوين والتمكين، القرب والبعد.
ينطلق الصوفي من إيمانه الراسخ بإمكانية عبور المسافة بين عالم الملك إلى عالم الملكوت وهو شرط أساسي لحصول المعرفة الذوقية والاتصال الشهودي عبر الأنوار والإشراقات التي هي تجليات للصفات الإلهية. يقوم هذا الاتصال بعد تجاوز الإحساس بالفرق أو التمييز بين الأشياء ومظاهر الكثرة في العالم المحسوس أي تخطي ارتباط الذات بها، مرتكزا على اعتقاد راسخ بالحقيقة الإلهية الكونية المطلقة، قاصدا الاتصال بهذه الحقيقة، وهو ما يشكل هدف المتصوفة عموما، إنه اتصال يصاغ بألفاظ: الفناء، والجمع، والذهاب، والتلاشي والمحو على حد تعبير (إبراهيم بسيوني،1969،ص28).
إن التصوف الإسلامي قد وطّد العلاقة بين الإنسان و خالقه، و أوضح أن السلوك الصحي و السوي يكون بالله و من الله و إلى الله و مع الله. و أن السلوك السوي ينسجم فيه باطن المحبة الإلهية مع ظاهر العمل الخيري. و أيا كان الأمر فإن التصوف الإسلامي قد ربط الإيمان الصادق بالسلوك السوي في جميع الحالات. هناك تلازم و تلاحم بين السلوكات السوية و إيمان الإنسان بربه. وكلما غاب شرط الإيمان الروحي حلّ شرط الإيمان المادي وظهر أثره على شكل سلوكات شاذة تتنافى مع الصحة النفسية أو الطمأنينة و السكينة.
إن السلوكات السوية في صميمها، تنطلق من القلوب المنفتحة بالمحبة الروحية أما السوكات الشاذة تنطلق من القلوب المنغلقة بالمحبة المادية. لذا نجد أن كبار الصوفية اهتموا اهتماما كبيرا بتطهير النفوس من محبوب الدنيا والأخلاق المذمومة التي تتصف بها، فالنفس إذا وصفت بهذه النعوت يكون مصيرها الاضطراب، ويسيطر عليها الحقد والكراهية والغدر وغيرها من السلوكات غير السوية، يؤكد هذا المسعى إبن تيمية (فواز أحمد زمرلي،1999،ص 208) عندما يقول: وإذا كان كل عمل أصله المحبة والإرادة والمقصود[ منه ] التنعم بالمراد المحبوب، فكل حي إنما يعمل لما فيه تنعّمه و لذّته، فالتنعّم هو المقصود الأول من كل قصد، كما أن التعدّب والتألم هو المكروه أولا، [وهو سبب] كلّ بغض وكلّ حركة امتناع. لكن وقع الجهل والظلم في بني آدم، فعمدوا إلى الدين الفاسد والدنيا الفاجرة: طلبوا بهما النعيم، وفي الحقيقة فإنما فيهما ضدّه . من هنا تكون سلوكاتنا خاضعة لنوع محبتنا، تستوي وتشذ تبعا لها. وفي موضع آخر يقول ابن تيمية (فواز أحمد زمرلي، 1999، ص 113): و إذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل، وهو أصل الأعمال الدينية و غيرها، وأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فالتصديق بالمحبة هو أصل الإيمان، وهو قول و عمل ... ومعلوم أن قوة المحبة لكل محبوب يتفاوت الناس فيها تفاوتا عظيما، ويتفاوت حال الشخص الواحد في محبة الشيء الواحد، بحيث يقوى الحب تارة ويضعف تارة، بل يتبدل أقوى الحب بأقوى البغض وبالعكس. من هنا تكون سلوكاتنا خاضعة لنوع محبتنا، تستوي وتشذ تبعا لها، فتصبح المحبة الإلهية شرطا في السلوك الصوفي، بها يصبح الفرد مؤمنا وبها تتوطد الصلة بين الإنسان و خالقه، وبهذا تتحقق السعادة الكاملة التي لا تعرف التجزّء والانشطار بين الإنسان وفطرته، وبين حاجاته المادية ونزعاته الروحية.
ج-علاقة الإنسان مع بيئته أو ( عالم الأغيار)
تتحدد العلاقة بين الإنسان والبيئة من خلال مفهوم العمل الصالح، في سبيل بناء وتدعيم القيم والأهداف والأنشطة الخاصة بالجماعة والمحيط الخارجي. تقوم هذه العلاقة على أساس تقبل الفرد للبيئة التي تحيط به. إن كل ما يحيط بالشخصية الصوفية من أنواع الخلق ما هو إلا تجليات للقدرة الإلهية، وبما أن صوفي ينزع نحو المحبة الإلهية، فكل ما يصدر عن الحبيب فهو محبوب، فتجد الشخصية الصوفية تتواضع للخلق وتتحمل الأذى منهم، وتصبر عند الشدائد وترضى بحالها.
يتعامل الصوفي مع محيطه بدافع الشفقة والرحمة والإيثار وإفشاء السلام وإقامة العدل. يتعامل الصوفي مع الآخر ببساطة تامة وبدون قناع، كالمرونة والنزول مع الناس إلى منازلهم وطباعهم وترك التعسف والتكلف. لقد كان أحمد الرفاعي العراقي صوفيا عاملا، قضى حياته جوالا في خدمة المسلمين وخاصة الأيتام والأرامل والضعفاء. يقول السهروردي ( عوارف المعارف، 1983، ص271) في هذا الصدد الصوفي لا يحجبه الخلق عن الحق كعامة المسلمين، ولا يحجبه الحق عن الخلق كأرباب الإرادة والمبتدئين، فيكون شكره للحق لأنه المنعم والمعطي والمسبب ويشكر الخلق لأنهم واسطة وسبب.
مما سبق ذكره نرى أن الطريق الصوفي له خطان: الخط الأول عمودي، يكون بمعاملة الخالق عز وجل بالطاعة والصدق والإخلاص. أما الخط الثاني أفقي ويكون بحسن المعاملة مع الخلق.
نجد في الغنية لطالبي طريق الحق للإمام عبد القادر الجيلاني (فرج توفيق وليد، 1988 3/1292 وما بعدها) مجموعة من السلوكات ، يطلب من المريد أن يتحلى بها نجملها فيما يلي :
- الفتوة والإيثار والصفح عن العثرات.
- التواضع والموافقة للإخوان وترك مخالفتهم ومنافرتهم ، والبعد عن المجادلة معهم.
- التعامي عن عيوبهم ، وحفظ قلوبهم باجتناب ما يكرهونه.
- المحبة لهم والشفقة عليهم.
- أن لا يرى المريد لنفسه حقا على واحد من إخوانه ولا يٌقصر في أداء حقوقهم.
بهذه الآداب يستطيع الفرد أن يتواءم بنجاح مع كل من مطالبه الشخصية، ومطالب أفراد جماعته، وبالتالي يستطيع أن يحقق الانسجام بين أفكاره ومشاعره وعمله، ويتحرر من صراعاته الداخلية والانفتاح على الخبرات الجديدة وتقبلها، لأن الفرد في هذه الوضعية يشعر بأنه عضو فعال ومرغوب في جماعته، و يستطيع أن يقيم علاقات مشبعة مع الآخرين، فهو بسلوكه يقدم العاطفة للآخرين ويتقبلها منهم في الوقت نفسه، لا لشيء إلا أنه يخضع بصورة مقبولة ومعقولة لمطالب الجماعة، وفي نفس الوقت على استعداد للتحرر والانطلاق في الفكر والعمل.
2- المحك الصوفي للسلوك السوي محك التوازن والاعتدال في السلوك
تمهيد
إن صياغة محك السلوك السوي على هذا النحو، يجنبنا مختلف النّقائص وعيوب المحكات السيكولوجية الحديثة للتمييز بين السلوك السوي والسلوك غير السوي. لقد تم استنباط هذا المحك من الفكر الصوفي الإسلامي باعتباره يمثل أسلوبا حياتيا، وعلما عمليا يجمع بين الشريعة والحقيقة، من حيث أنه يرتبط بالتربية كالتوجيه، والإرشاد والتدريب، و إثراء الحياة الوجدانية. التجربة الصوفية تربي الفرد تربية ذوقية وجدانية تمس القلب والروح قبل الجوارح والأعضاء. لقد منح الفكر الصوفي المفاهيم الفقهية والنشاطات السلوكية روحا جديدة، يمزجها بالعاطفة الدينية أو بأعمال القلوب كالتصديق، والإيمان، والصدق، والإخلاص، والمعرفة، والتوكل، والإرادة، والمحبة، والبصيرة، والطمأنينة، والشوق، والوجد وغيرها من الأحوال والأعمال الصحيحة.
بهذه المسلمات النظرية و الإجرائية، يزودنا هذا المحك بقاعدة صلبة تسمح لنا ببناء مفاهيم أكثر تحديدا للطبيعة الإنسانية، وما يميز الإنسان من سمات وأنماط، وما يشعر به من مطالب وحاجات. وعليه فإن هذا المحك يظم مفاهيم عديدة تعبر عن التوافق والانسجام والتكامل والوعي الذاتي واستغلال القدرات والإمكانيات إلى أقصى حد ممكن. يبدأ هذا المحك بتوافق الفرد مع ذاته، ثم توافق الفرد مع بيئته ومجتمعه، بعد توطيد الصلة مع خالقه.
إذا كان العمل على تحقيق الأمن النفسي لدى الإنسان، من الأهداف الأساسية التي يطمح علم الصحة النفسية إلى تحقيقه بحكم أن الأمن النفسي يحافظ على تماسك الفرد وقوته، واستغلال ما هو جميل في الحياة، فمن دلائل الأمن النفسي التحرر من المشكلات والأزمات، وتحمل ضغوط الحياة، والثقة بالنفس، والرضا، والصبر، والإحسان والإخلاص ...
فما هي الإجراءات العملية التي يمكن استنباطها من التجربة الصوفية، والتي تحقق للفرد الشعور بالأمن النفسي ؟
إذا علمنا أن هناك عدة مؤثرات تساهم في انهيار الكيان النفسي للفرد، من ذلك شعوره بالظلم، والاضطهاد، واللاعدل، وعدم احترام الإنسان لأخيه الإنسان، وحرمانه من التعبير والتنفيس الانفعالي، وشعوره بأنه مهدد في مستقبله و حاضره وفقدان قيمته. إن اهتزاز القيم الخلقية، أو انهيارها يساهم في اختلال التوازن النفسي لدى الفرد ويحل محله الشعور باليأس والغضب والسخط على الآخر، وعلى نفسه في بعض الأحيان، مما يدفع به ذلك إلى الانسحاب والشعور بالعزلة وعدم الثقة في الآخرين ولا يرتاح أثناء معاملتهم، فيعيش في ريبة وتوجس دائمين، فالشخصية المنهارة من الداخل لا تستطيع أن تنعم بمكونات الحياة. إن مظاهر سوء التوافق التي تعيق توازن و اعتدال الفرد أثناء القيام بمختلف السلوكات، تندرج في فئة السلوك غير السوي كالجنوح و الإدمان و العدوانية و مختلف الاضطرابات النفسية الأخرى.
يقوم المحك الصوفي الإسلامي على فكرة التوازن و الانسجام و الاعتدال بين المطالب الروحية والجسمية. يتجسد هذا التوازن من خلال إتباع قواعد يخضع فيها الجسم إلى رياضات وتمارين كوسيلة للتحكم في الحياة النفسية للفرد، محررة بذلك قيود حياته النفسية ومعاناتها، ورفعه إلى مستوى أعلى من الوعي النفسي والوجودي، أي إنها عملية ترمي عبر تدريب الإرادة إلى السيطرة على الجسد بأقصى ما يمكن من الإعلاء و التسامي.
لكي تتضح الصورة أكثر عن الكيفية التي يتحقق بها هذا التوازن و الاعتدال الذي يجعل الجسد والروح يتواكبان في بناء الإنسان الصحيح نفسيا، نورد كلام السهروردي (عوارف المعارف، 1983، ص 453) حينما يقول: فمن عرف أصول النفس وجبلاتها عرف أن لا قدرة له عليها إلا بالاستعانة ببارئها وفاطرها، فلا يتحقق العبد بالإنسانية إلا بعد أن يتدبر دواعي الحيوانية فيه بالعلم و العدل، وهو رعاية طرفي الإفراط والتفريط، ثم بذلك تتقوى إنسانيته ومعناه و يدرك صفات الشيطنة فيه والأخلاق المذمومة، وكمال إنسانيته يتقاضاه أن لا يرضى لنفسه بذلك. ينطلق السهروردي في فهمه للإنسان المتوازن، من النظرة الواقعية والأخلاقية، ويركز على المعرفة لتحديد الأهداف والغايات التي تنسجم مع واقع الإنسان، بطبيعته وخصائصه، مستعينا بالله ومعتمدا عليه وقاصدا إياه، ومرده في أول الأمر وفي نهايته إليه. لقد خلق الله تعالى الإنسان وهو يعلم من خلق، وهو الذي يعرف كيف يصير الإنسان سويا، وهو سبحانه الذي يعرف ماذا يفسد الإنسان، وهو الذي يعرف طرق وقايته وسلامته، وهو الذي يعرف طريق علاجه وصلاحه. فالرجوع إلى الله في كل وقت، مطلوب ومشروع. عندما يتكلم السهروردي عن رعاية طرفي الإفراط والتفريط فهو يرمي إلى تحقيق شخصية معتدلة غير متطرفة سلوكيا، ويدعو إلى التغلغل في أعماق الفرد النفسية ليوازن بين المحتوى الداخلي للنفس البشرية وما يرسمه من تخطيط خارجي ينسجم ويتوافق مع البناء الداخلي.
وأخيرا نستخلص مما سبق أن كمال إنسانية الإنسان تكمن في تحقيق التوافق الشخصي والاجتماعي والبيئي من خلال الجمع بين العلم والعمل. يؤكد السهروردي (عوارف المعارف،1983،ص326) أهمية الانسجام بين الجوانب النفسية الداخلية والخارجية حينما يقول: فالأحوال و الأعمال روح وجسمان، ومادام العبد في دار الدنيا إعراضه عن الأعمال عين الطغيان، فالأعمال تزكو بالأحوال، والأحوال تنمو بالأعمال.
وفيما يلي، عرض وجيز لجوانب من السلوك السوي طبقا للمحك الصوفي من حيث الاتزان والانسجام:
أ- السلوك السوي يجمع بين العلم و العمل
الصحة النفسية بمعناها الواسع تشمل السعادة في الدنيا والدين، ومدرسة التصوف الإسلامي ترى أن النمو بمعناه الشامل يتضمن النمو الديني والأخلاقي، وعلى هذا الأساس فالإنسان السوي مطالب بأن لا يعزل تأثير المفاهيم الدينية والعلمية عن التطبيق العملي الإجرائي والتفاعل الاجتماعي. ذلك لأن الالتزام بقوانين الخالق يستدعي الإيمان به، والإيمان جوهر الإسلام، به تطمئن النفوس وتخشع، خشوعا يكبح جماح غرور الفرد ويذكره على مرور الأوقات بأن الله هو الأعظم جلا وعلا ، وعلى هذا الأساس يقترن العمل الصالح بالإيمان. قيل لمحمد بن الفضل (عوارف المعارف، 1983، ص 542) حاجة العارفين إلى ماذا ؟ قال : حاجتهم إلى الخصلة التي كملت بها المحاسن كلها ألا و هي الاستقامة ، وكل ما كان أتم معرفة كان أتم استقامة.
إن المقصود من كلمة الاستقامة هو السلوك السوي، وانطلاقا مما قاله محمد بن الفضل نستطيع أن نجزم قائلين أن هناك علاقة وطيدة لا تقبل الانشطارية بين العلم والعمل، بهما يتحقق السلوك السوي. وعليه من الضروري أن يوظف الإنسان أفكاره وقدراته ومعرفته الروحية والعقلية لصالح الفرد والجماعة في مواقف شتى، ويتصرف بطريقة تعكس اتجاهاته الروحية وتغيراته الذهنية الإيجابية.
لاشك أن تركيز التصوف الإسلامي على التطور الذاتي لقوى الإنسان الداخلية، يعتبر خطوة هامة في بحث الشخصية، من حيث أنها نتاج لنشاطاتها وتصوراتها الخاصة.
تفسح هذه النظرة المجال لفهم النشاط العملي للذات، التي تستوعب العالم الروحي والطبيعي و الاجتماعي، استيعابا إيجابيا، و تأملا محمودا لوجودها، بل تنسجم معهما في وفاق تام. ذلك لأن المعرفة الصوفية تورث للإنسان نوع خاص من المحبة تجاه الخالق والخلق، يستطيع الإنسان من خلالها الكشف عن العلاقات العميقة بين الفرد والمجتمع والبيئة، وبالتالي تصبح اهتمامات الفرد وميوله الشخصية والاجتماعية والبيئية لا تتحقق إلا على المستوى الدّافعي الروحي، فتنمو النفس البشرية من خلال الترقي في المقامات والأحوال. وبهذا يتضح أن ميول الفرد ونزوعه نحو الكمال، فطري ملازم للطبيعة الإنسانية.
ولعل إجابة الجنيد (الرسالة القشيرية، دت، ص 327) عن سؤال وجه إليه حول المحبة، أصدق توضح عن اقتران المحبة بالمعرفة حين قال بعدما أطرق رأسه، ودمعت عيناه: عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه ، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، أحرق قلبه أنوار هويته، وصفا شربه من كأس وده، وانكشف له الجبار من أستار غيبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطق فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله. وفي قول معروف الكرخي (السلمي،1953،ص89) عن المحبة جاء ما يلي: المحبة ليست من تعليم الخلق، وإنما هي من مواهب الحق وفضله.
|