المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
رسالة الزوايا ومساهمتها في العمل الإسلامي المنشود للشيخ المأمون القاسمي الحسني

بسم الله الرحمن الرحيم                             الحمد لله

والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه

ومن اهتدى بهداه

 
الرابطة الرحمانية للزوايا العلمية     

     مؤسسة الزاوية القاسمية   الهامل         

الرئيس

خادم العلم الشريف في المقام القاسميّ

محمد المأمون مصطفى القاسمي الحسني

جمادى الأولى 1429هـ مايــو    2008م   ّ

رسالة الزوايا

 ومساهمتها في العمل الإسلامي المنشود



 بين يدي البحث:    

  الزوايا التي نعنيها بحديثنا؛ وهي موطن رسالتنا وموضوع اهتمامنا، هي الزوايا الأصيلة، التي أسّست على التقوى، من أوّل يوم، لإقامة دين الله، وتعليم كتابه، ونشر دعوته، وإصلاح النفوس بهدايته.

 الزوايا التي نعنيها: سندها الرّوحي متصّل بالطريقة الصوفية، وإجازتها العلمية من الشيوخ المشهود لهم بالمرجعية؛ ولايتصدّر لعمارتها إلاّ من تطهّر وتدثّر بالتقوى والعلم، وطهارة القلب والضمير، ونظافة اليد واللّسان، وكانت هجرته لله، رجاء ثواب الله.

فالزّوايا بيوت القرآن، رسالتها ربانية، عمادها العلم والمعرفة؛ ونهجها سلوك الطريق، باستقامة واعتدال، بعيدا عن سبيل الانحراف والضلال. يعمرها الصالحون من رجالها، المؤهلون لرسالتها، يبتغون فضلا من الله ورضوانا.

 أما التي سمّت نفسها زاوية، منتحلة صفتها؛ ولاهمّ لها إلاّ الحياة الدنيا ومتاعها؛ أو التي انحرفت عن سبيلها، ولا أثر للصلاح في أعمالها، فلا نعدّها منها، ونتبرّأ من حالها، ومن ممارسات المبطلين فيها.

الزوايا، في تقديرنا، هي هذه المؤسسة الحضارية التي تعدّ قلاعا حصينة للإسلام، ومعاهد تليدة لعلوم شريعته؛ حفظت لأمتنا قيمها الروحية والوطنية؛ وحمت شعبنا من مخاطر التنصير والتّغريب ، وحصّنت الأجيال من عوامل المسخ والذوبان، ووقفت سدّا منيعا في وجه مخطّطات الاحتلال.

 إنّ هذه المعاقل الحضارية هي التي تخرّج منها العلماء والفقهاء والدعاة؛ فمثّلوا في المجتمع قيم الإسلام ومبادئه، في شموله وتوازنه، وفي وسطيته وسماحة دعوته؛ وذادوا عن عقيدة الأمّة؛ ونافحوا عن قيمها وأخلاقها الإسلامية؛ وانطلق منها قادة الجهاد وطلائع المجاهدين؛ فقادوا المقاومة، وخاضوا معارك الجهاد، من عهد الأمير، إلى ثورة التحرير. جعلوا غايتهم تطهير الأرض من دنس المحتلّين؛ وبذلوا مايملكون في سبيل الله، إعلاء لكلمة الله.

رسالة الزوايا حضارية، ودعوتها شاملة شمولية دعوة الاسلام؛

 إنّ رسالة الزوايا، كما يتّضح لكل دارس نزيه، رسالة شاملة شمولية هذا الدين. إنها رسالة حضارية، ارتبط  بها تاريخ الجزائر العلمي والثقافي، وتاريخها الوطنيّ الجهاديّ، ارتباطا وثيقا. فلم يقتصر دورها على التربية والتعليم؛ بل كانت وظائفها أشمل، وأعمالها أعمّ وأوسع. فهي معقل تربية وجهاد، ومعهد علم وعمل، وموطن تلاوة وذكر، ومجلس إصلاح وقضاء، ومكان رأي ومشورة، وملتقى تعاون وتكافل. ومن أهمّ مجالات رسالتها لقاءات المؤمنين في رحابها، وقد تآلفت أرواحهم، والتفّت حولها قلوبهم، في تراحم وتآزر، وتعاطف وتضامن، إخوانا في الله متحابّين، متماسكين تماسكهم في الصلاة، في بيوت الله؛ يجدون في ساحتها السكينة والطمأنينة؛ ويسمعون من منبرها الموعظة الحسنة، والكلمة الهادية. وكم دخلها أناس متخاصمين متنازعين، فخرجوا منها متصالحين متسامحين.!

لقد ارتبطت قلوب الجزائريين بالزوايا، وتآلفت بدعوتها أرواحهم، وصارت جزءا من وجدانهم. فعلى الرغم من الضغوط الممارسة عليها، والعوامل المناوئة لرسالتها، مازالت تحتلّ مكانة متميّزة في نفوس الجماهير المؤمنة، وتحظى بثقتهم. يحتكمون إليها؛ ويطمئنون لرأبها، ويستجيبون لدعوتها؛ لأنهم لايجدون في رحابها إلاّ صلاحا وفلاحا، ومثابة وأمنا. تصلح فساد القلوب، وتزيل الضّغائن من النفوس؛ وتطفئ نار الفتن والخصومات؛ وتحكم روابط الألفة والأخوّة بين الناس.  وتساهم في إصلاح أحوال الأمّة، وجمع كلمتها، وتعزيز وحدتها وتلاحمها.

 ومع أهمية هذه الرسالة في حياة الأمّة؛ مازال البعض يقلّل من شأنها، ويحاول النيل من مصداقيتها، ولا يقيم وزنا لأبعادها، ولا لدورها في حفظ كيان الأمة وضمان تماسكها، وتعزيز وحدتها الجامعة.

   ولاشكّ أنّ هذه المنارات القرآنية، مثلما يؤجر من شيّدها، وساهم في عمارتها؛ كذالك يأثم من لايرعى حرمتها، أو يسعى لإطفاء نورها، أو تحريف مقاصدها.

حضرات السادة والسيدات؛

لقد عمل البعض لإنهاء دور الزوايا، بتعطيل التعليم الشرعي فيها؛ وحاولوا عزلها عن محيطها الاجتماعي، وعمقها الشعبي؛ وسعوا للقضاء على عناصر وجودها ومواردها، بمصادرة أوقافها. والنتيجة عشناها؛ ومازلنا نعيش آثارها السيئة: الفراغ الروحيّ، والاغتراب الثقافيّ، والغلوّ في الدين، وسوء الفهم للإسلام ومقاصد شريعته السمحة، وطغيان الحياة الماديّة، وانحسار القيم والأخلاق الإسلاميّة. فعرفت طائفة من شباب الأمّة ظاهرة الغلوّ والتشدّد وتجاوز الاعتدال؛ وأصيبت أخرى بآفة الانغلاق الفكريّ المفضي إلى الجمود؛ وزعم البعض أنّهم يصدرون عن العقيدة السلفية، وهم في الواقع يتّبعون منهجا لم يصدّر فكره للأمة سوى جفاف الأرواح، واختلاف القلوب، فضلا عن تزهيد طائفة من المسلمين في قدوتهم، وحجبهم عن مصادر النور كيلا ينفذ إلى قلوبهم.

وفي المقابل، راح البعض يعمل، بدون وعي وسوء تقدير،لإشاعة وسائل اللهو واللعب؛ بعنوان ترفيه الشباب وملء فراغه، وكانت في الواقع وسائل إلى حياة السّلبية والانحلال، وطريقا إلى عالم المجون والمخدّرات؛ فكان حال هؤلاء  كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ وشر البليّة عمى بعد البصيرة، وضلال بعد الهدى!

 وهكذا؛ في ظل الفراغ الروحي، والانحطاط الثقافي؛ وفي غياب مؤسّسات تربوية وروحية تهدي الأفكار الضالة، وترشّد العقول التائهة؛ تسللت إلى مجتمعنا آيادي الهدم، وتيارات التفرقة، فانحرف مجتمعنا عن طريق الرشاد، وحرم كثير من أبنائه الرؤية الصحيحة؛ و مرضت القلوب، وجفّت ينابيع الخير في النفوس؛ وأصبح البعض إلههم هواهم، وشريعتهم شهواتهم؛ وانتشرت روح اللامبالاة والسلبية، وسادت الأنانية والنزعة الفردية؛ وزادت العناية بمظاهر الترف والعادات الاستهلاكية؛ وزهد كثير من الشباب في حياة الجد والعمل والإنتاج؛ وراحوا يجرون وراء الربح السهل والكسب السريع، بالوسائل المشروعة وغير المشروعة؛ وتلوثت الأيدي والضمائر، وفسدت الذمم؛ وكان ماكان من أمرنا، في هذا الواقع السيّء الذي عشناه في وطننا.وكذالك يكون الحال، عندما يعمّ الفراغ،فينتشر الجهل ويسود؛ والجهل ساحته ظلام، وعالمه انحراف وضلال!

 من أجل تفعيل دور الزوايا ومساهمتها في بناء الحياة الإسلامية المتوازنة، والشخصية الاسلامية السوية المتكاملة.

إذا كانت الزوايا قد أدّت رسالتها في الماضي ، بالوسائل المتاحة، وحسب الظروف والأوضاع والإمكانات،فإنّ المطلوب منها اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن تنهض برسالتها، على أحسن وجه مستطاع. ولهذه الغاية كانت جهودنا متواصلة، منذ سنوات، من أجل تفعيل دور الزوايا، لتستمرّ في الدعوة إلى سبيل الله، على منهج الله، وتواصل أداء رسالتها في هداية الناس وإصلاح نفوسهم ، وتوجيههم إلى مافيه صلاحهم  في الدنيا والآخرة.

إنّ التربية الروحية من أهمّ شعب رسالة الزوايا، لأنّ هذه التربية الايمانية هي التي تغذّي مشاعر الأخوة والمحبّة والرحمة، وترسخ قيم التعاون والتضامن والتكافل. التربية الروحية هي التي تجعل المؤمن يحرص على كمال عبادته، ليزداد قربا من الله، ويحظى بمحبّته، ويفوز برضوانه. وكمال العبادة وصدقها تتجلّى ثمارها في حسن الأخلاق، وفي السلوك الفرديّ والجماعي واتّزان القيم والموازين. فالميزان الذي لايخطىء في معرفة صحّة العبادات وصدقها، هو ماتثمره في الحياة الخاصّة والعامة، من صفاء ورحمة وإحسان، وأخوّة وإيثار؛ ووضع مصلحة الأمة فوق كل اعتبار.

إنّ مجتمعنا أحوج مايكون إلى البعد الروحي، ليحقّق توازنه، ولتستقيم أحواله. وإنما تكفل هذه الحياة المتوازنة، تربية إيمانية متكاملة، من شانها تزكية النفوس، وعصمتها من الزلل؛ وتطهيرها من عصبيتها ورعونتها، وإبعادها عن أهوائها، حتىّ تفيض القلوب حبا لله عز وجلّ، وخشية منه، فيثمر هذا الحبّ لله حبا لعباد الله، وإشفاقا عليهم، وإحسانا إليهم؛ ويرقى العبد بمشاعره الإيمانية الى مقام الإحسان؛ فيعبد الله كأنه يراه؛ وتكون محبّته ملء كيانه، حتى لايحبّ مع الله سواه؛ ويجعل خشيته ملء شعوره، حتى يذوب من قلبه الخوف من كل ماسواه.

هكذا، تؤتي التربية الروحية ثمارها: محبه الله وخشيته، ومراقبته في السّرّ والعلن، مراقبة من يعلم أنّ على كل جارحة منه رقيبا وحسيبا، فيستعمل نفسه في طاعة مولاه؛ ويشغلها بتفقد عيوبه وإصلاحها، ويسعى في أسباب تزكيتها وفلاحها، مراقبة من يتذكّر أنّ مع الدنيا آخرة، وأنّ بعد الحياة موتا، وبعد الموت بعثا وحسابا.

ولهذا، تولي الزوايا التربية الروحية عناية خاصّة، باعتبارها الوسيلة المثلى للحياة الروحية الحقّة، تغرس في النفوس حبّ الخير وجبّ العمل؛ وتكفل للفرد والمجتمع معرفة الحقوق والواجبات، والالتزام بأداء الحقوق والواجبات. ومن ثمارها أنها تغسل قلوب الناس من جبّ الدنيا ومن أنانيتهم وحبّ أنفسهم؛ وتأخذ بأيديهم إلى الله،وتحررهم من العبودية للدنيا، ليعتصموا بالعبودية لله.

إنها الحياة الربانية التي توازن بين متطلبات الجسم ومتطلبات الروح؛ بل تتجاوز المادة إلى الروح والدنيا إلى الآخرة؛ وترتفع بالإنسان المخلوق إلى معرفة خالقه، وعبادته ومحبّته، وإيثاره على كل ماسواه، عن طريق تزكية النفس، ومجاهدتها في الله، حتى يهديها سبيله، وتنتصر على أهوائها وشهواتها الظاهرة والباطنة. فلا فلاح للنفوس بغير التزكية، كما قالى تعالى:﴿ونفس وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها قد افلح من زكاها، وقد خاب من دسّاهاالشمس 07-10

إنّ قمة الحياة الروحية تتجلّى في سيرة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المثل الكامل للسموّ الروحي، والعظمة الأخلاقية، والترقي في مدارج الكمال الإنساني؛ ومن بعده خلفاؤه وأصحابه الذين تخرجوا من مدرسته، وعزّروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه؛ وبعدهم تلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم الذين اتبّعوهم بإحسان. المثال الصالح للحياة الروحية هو ماعرف في العهود الأولى للإسلام، لأنّ الحياة الروحية، في هذه الحقبة، قد انطبعت بطابع السنة النبوية الشريفة، فكانت غاية الزهد فيها أن يعبد الله ابتغاء مرضاته، طمعا في جنته وخوفا من ناره، كما كان الفقه في الدين سبيلا إلى العمل الصالح وإتقانه..كانوا يعبدون الله ويتقونه حقّ تقاته، وكانوا، على تقواهم واستقامتهم، يخشون الله ويرهبونه، وكأنّ النار لم تخلق إلاّ لهم، يبتغون فيما آتاهم الله الدار الآخرة، ويحثّون إليها مطاياهم؛ ويجعلون من رضوان الله غايتهم ومناهم.

فكيف ننظر إلى مساهمة الزوايا في  العمل الإسلامي المنشود   

إننا نتطلّع إلى عمل منسجم متكامل، تجسّده خطة علمية متناسقة، تتّسم بالشمول والعمق والتنوع، وفق منظور يرتكز على المبادئ والأصول؛ ويراعي متطلبات الواقع ومستجدّات الحياة.

 يختار لإعداد هذا البرنامج نخبة من أهل الاختصاص، الذين يجمعون بين الإيمان الصادق، والفكر الراشد، والعلم الموثق.

ينفّذ البرنامج المقترح في مقررات دراسية، وحلقات تربوية، ودورات تكوينية، ضمن البرامج المدرسية والجامعية، والأنشطة الثقافية، فضلا عن المحاضرات والدروس المسجدية؛ وتتعاون الزوايا على تحقيق هذا المشروع مع المؤسسة المسجدية،و الهيئات العلمية الإسلامية.

 إنّ ترشيد العمل الإسلامي فريضة دينية، ومصلحة وطنية.وفي تقديرنا؛ فان مشروع العمل المنشود، ينبغي أن يركّز في أولوياته على محاور كبرى؛ منها على وجه الخصوص، الأهداف الآتية:

أولا. العناية بالتربية الروحية والثقافة الإسلامية، والعمل لبعث الطاقات الروحية في النفوس، وقاية وعلاجا؛ وتكوين الأجيال على منهج الإسلام، الذي يربط العلم بالعمل، ويقيم علاقة وثيقة بين العبادات والمعاملات، وبين الحياة الروحية والحياة الاجتماعية.

ثانيا. المحافظة على وحدتنا الدينية والمذهبية، وحماية المجتمع من المخاطر التي تتهدد انسجامه وتماسكه.

ثالثا. أخلقة الحياة الاجتماعية، بالمحافظة على الأخلاق الإسلامية، وحماية المجتمع من الانحرافات والآفات، ومن التّصوّرات المضللة والكلمة المضللة

رابعا. العمل لإشاعة روح الأخوة ولمحبّة، ونشر قيم التسامح والتضامن، ونبذ الغلوّ والتعصب والعنف، وعوامل الفرقة والخلاف.

ولمزيد من التوضيح والبيان؛ نلخص في هذه الورقة مضامين المحاور المقترحة، بأهدافها، وأسباب الدعوة إلى إعطائها الأولوية، في البرنامج المنشود.    

 أولا: العناية بالتربية الروحية والثقافة الإسلامية؛ وتكوين الأجيال على منهج الإسلام.

يرمي هذا الجزء من البرنامج إلى تكوين الإنسان المسلم، وتربيته تربية متكاملة، روحيا، وعقليا، وخلقيا، واجتماعيا؛ وتثقيفه بالثقافة الحقيقية التي تتطلّب يقظة الوعي، وصفاء الروح؛ حتى يصير العلم والعمل لدى الفرد المسلم أمرين متلازمين لايفترقان، وتصبح حياته مصداقا لأفكاره، ويعيش داخل مجتمعه، يحمل عقلا راشدا، وفكرا نيرّا، وضميرا حيا، وقلبا سليما.

ومن شأن هذه التربية أن تغرس القيم الروحية والوطنية في نفوس الأجيال، وتعزّز لديهم الشعور بانتمائهم الحضاريّ، حتى لاينقلب شباب الأمة خصما لدينه ووطنه، أو يتنكّر لهويته ومقوّمات أمّته.

إنّ شعبنا روحه الإسلام، وقوام حياته الإسلام؛ ولايضمن وحدته وتلاحمه إلا الإسلام. والنشء في أمتنا هم غرس الإسلام، وثمرة دعوة الإسلام. فلا ينبغي إذن أن تكون التربية إلاّ منبثقة عن عقيدة الإسلام، منسجمة مع مبادئه وأهدافه، لتبقى الأجيال محصّنة بركنه، معتصمة بحبله، متماسكة بقيمه، بعيدة عن الضلالات والانحرافات العقدية والفكرية، والنزعات العرقية، والعصبيات الجاهلية.

إنّ المنهج الذي ندعو إليه هو المنهج الذي يبعث الطاقات الروحية في النفوس، لتكون معتصمة بحبل الله، وأسبابها موصولة بالله، ولتظلّ أجيالنا موصولة الأسباب بالأمل، دائمة الجهود في ميدان العمل. إنه النهج الذي يؤكد الكرامة للفرد، والترابط في الاسرة، والتكافل في المجتمع.

إنّ ما نطمح إليه هو برنامج تربوي متكامل، يستلهم من ذخائر تراثنا العلميّ الزاخر، في المجالات: الروحية   والتربوية والثقافية؛ ويربط، برباط محكم، بين العلم والعمل؛ ويجمع، في انسجام وتوازن، بين الجانب التشريعي والجانب الروحيّ من تعاليم الإسلام؛ لترتبط الحياة الروحية بالحياة الاجتماعية؛ فذالك في تقديرنا هو المنهج الصحيح لبناء الحياة الإسلامية المتوازنة، والشخصية الإسلامية السويّة المتكاملة.

           ثانيا: المحافظة على وحدتنا الدينية والمذهبية؛ ، وحماية المجتمع من المخاطر التي تتهدد انسجامه وتماسكه.

   يتمثل الهدف هنا في المحافظة على وحدتنا الدينية والمذهبية التي أنعم الله بها علينا؛ وحماية مجتمعنا من أضرار التشرذم المذهبيّ، والتفرّق الطائفيّ، ومن مخطّطات التنصير والتغريب؛ وكل المخاطر التي تهدّد وحدة المجتمع و انسجامه وتماسكه.

علينا أن نعمل لإيقاف التمزيق الفكري، والتردّي اللغوي، والاستلاب الثقافي؛ ونقاوم الانهزام والاغتراب، في مجالات الثقافة والإعلام، وفي مناهج التربية والتعليم؛ وفي مجال المؤسّسة الأسرية المستهدفة من المخططات الرامية إلى تفكيك المجتمع المسلم، وطمس خصائصه المميزّة.

 

ولاينبغي أن نأخذ من المشاريع المطروحة هنا وهناك إلا ما يكون فيها من إيجابيات، لاتتعارض مع قيمنا وثوابتنا، ولاتضر بمصالحنا.

ففي مواجهة مشاريع العولمة، يجب على الأمة أن لاتفرّط في أيّ من ثوابتها؛ وأن لا تتنازل عن شيء من خصائصها، التي هي عنوان شخصيتها وسرّ تماسكها وقوّتها.

وإذا لم نكن، نحن المسلمين، مؤهّلين لمواجهة ظاهرة العولمة،فإننا سنتحول إلى سوق لمنتجاتها، وفضاء لثقافتها. والتأهّل المطلوب، إنما يكون بإعادة بناء الذّات، انطلاقا من الأسرة والمدرسة لبناء المجتمع.

إنّ القوى المعادية للإسلام، من يهودية صهيونية، وإنجيلية صهيونية، وصليبية، ورأسمالية دولية، وشيوعية؛ على ما بينها من تناقض أصيل، وصراع قديم، وحرب في سبيل البقاء، إلاّ أنها، مع هذا كله، تتفّق على كلمة واحدة، ورأي واحد، عندما يتعلق الأمر بالإسلام؛ وعندما تقف أمام أمّة الإسلام. إنها تعمل جميعا، متعاونة، لتحقيق أهداف كثيرة، منها على سبيل المثال:

تحطيم الفرد المسلم، في عقيدته وخلقه وسلوكه؛ وتفكيك الأسرة المسلمة، وإضعاف كيانها وروابطها؛ وتحطيم كيان الأمة الإسلامية، وطمس هوّيتها، وتمزيق وحدتها، وعرقلة تقدّمها، وإخضاعها لهيمنتها وإرادتها.

ومن وسائل هذه القوى، لتحقيق أهدافها، مخططات التنصير و التغريب؛ حيث تعمل هذه الحركات لهدم المقوّمات الأساسية للأمة الإسلامية، عن طريق محاربة اللغة العربية، وتشويه التاريخ الإسلاميّ، وإثارة الشبهات حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، وحول السنة والقرآن؛ كما تعمل لقلب نظام المجتمع وعاداته وتقاليده، وإشاعة الانحلال فيه، عن طريق الإعلام والفنون، وتشجيع الحركات الانفصالية، وترويج الفلسفات والتيارات المناوئة والمفرّقة، مثل: الفلسفات المادّية والإباحية، وما يسمّى بالعلمانية، وتشجيع الحركات الهدّامة، والنّحل المنشقّة عن الإسلام، كالبهائية والقاديانية. كما تعمل لبعث القوميات، وإثارة النعرات العرقية، وتدعو إليها لتمزيق المسلمين، وتفتيت مجتمعاتهم.

 

 ثالثا: أخلقة الحياة الاجتماعية، بالمحافظة على الأخلاق الإسلامية، وحماية المجتمع من الانحرافات والآفات، ومن التصورات المضللة والكلمة المضللة.

إن المطلوب، في هذا المجال، هو تطهير البيئة الإعلامية والثقافية والاجتماعية، من كل ما يتنافى مع القيم والأخلاق الإسلامية؛ والسّعي لترشيد البرامج الترفيهية، والامتناع عن بثّ أو نشر مالا يتفّق مع مبادئنا وقيمنا، أو يتعارض مع أخلاقنا وقيمنا.

المطلوب محاربة الفساد وكل ّ الآفات الاجتماعية، ومكافحة الدجل والشعوذة بشتى أنواعها؛ وحماية المجتمع من الفجور الذي يلاحقه، بشتى الألوان، باسم الحداثة،  وشعار الحريات الشخصية، وسوء استعمال هذه الحريات المغشوشة،  التي تردينا في المهالك، وتسلك بنا أسوأ المسالك.  

إنّ دعاة الإباحية والتغريب يريدون لنا أن نكون نسخة من المجتمعات المنحلّة؛ حيث يترك للناس الحبل على القارب؛ يعيشون كما يشتهون،بلا ضابط ولا زاجر، ومن غير وازع ولا رادع.

لقد أصبح لزاما علينا حماية المجتمع من التصورات المضللة، ومن الكلمة المضللّة، التي يكسوها أصحابها ثيابا جميلة، باسم الإبداع الفني وحرية التعبير، وهي في الواقع تزيّن الرذيلة وتباعد من الفضيلة؛ وتقلب سلّم القيم، فيسمو بتأثيرها ماكان وضيعا، ويسقط بها ما كان رفيعا.

إنّ دور الكلمة في سلامة تصوّرات الناس، أو إ فسادها، دور لايمكن تحديد مداه. وقد رأينا كيف أصبح سلطان الكلمة أنفذ ما يكون في الناس، وكيف يضغط زخمه على المجتمعات ضغطا قويا، ليجعلها على صورة القالب الذي صيغت عليه الكلمة المسوّقة لهذه المجتمعات!

إنّ طريق الهدم سهل يسير؛ والتحريض على الرذيلة والانحراف أمر غير عسير. والناس من عاداتهم أن يستجيبوا بسرعة لما يرضي أهواءهم وشهواتهم؛ ولكنهم يتباطأون ويتلكّأون في الاستجابة لنداء الخير، لما يستلزمه من واجبات وتبعات؛ لأن الالتزام بالمسؤولية أمر شاق؛ أما الانحلال والانحطاط إلى مهاوي الفساد والضلال، فأمر قريب غير بعيد.وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلمحفّت الجنة بالمكاره، وحفّت النار بالشهوات ».

إنّ دعائم مجتمعنا مهدّدة بالضياع والانهيار، إذا لم نأخذ على أيدي العابثين بقيم الأمة، المفسدين لأخلاقها.فحين تنحسر القيم، ويتلاشى الدين من مظاهر الحياة، تضلّ الأقدام طريقها؛ وتنحرف النفوس عن غاياتها؛

وتفقد الأمة عزّتها وكرامتها. والأمة لاتبني مجدها، ولا تنال عزتها وكرامتها، بالانقياد وراء الملذّات، والإغراق في الشّهوات. العزّة لاتكون أبدا في البعد عن الله، ومحادّة الله ورسوله، والجرأة على انتهاك حرماته!

إنّ الباعث على مانقوله، في هذا السّياق، هو القلق المتزايد ممّا نراه في مجتمعنا من مظاهر منكرة، فيها من الفواحش مالا سبيل إلى تصوّره أو إحصائه، بسبب انتشار الأسباب التي تغري بالفساد، وتيسّر سبيل الفواحش والآثام.

فلم يكفنا ماتعجّ به الشوارع والمؤسّسات، والحدائق والساحات، من مظاهر التهتّك، والوقاحة في العري والتكشّف؛ فضلا عن انتشار الاختلاط غير الشرعيّ، واختلاء الرجال بالنساء في الأماكن العامة، وفي مختلف المؤسسات، وكلّها أسباب تغري بالرذيلة والسقوط في أوحال الفساد.

لم يكفنا ماتموج به القنوات الفضائية، والشبكات المعلوماتية، من برامج إباحية، تدمّر الأخلاق، وتنشر ثقافة الاستلاب، وتروّج لكل ألوان الفساد.

لم يكفنا انتشار الخمور والمسكرات، وتفاقم خطر المخدرات، وتزايد عدد الملاهي والحانات، إلى غير ذالك من مظاهر الفساد التي تعود أكثر أسبابها إلى تقليد المجتمعات الغربية المنحلة، والانخداع بتصوّراتها المضللّة، والاقتداء بقيمها الهابطة.

لم يكفنا ذالك وغيره، وأصبحنا نشاهد ونسمع من منابر إعلامية وثقافية« جزائرية»؛ وتقرأ في صحف ومجلات« جزائرية»، ألوانا من الكلمة الخبيثة التي تزيّن الفاحشة وتغري بالخلاعة والإباحية.

إننا نهيب بأولياء الأمور أن يمنعوا البلاء، ويحفظوا قيم الأمة ويصونوا الحياء. فالحياء خلق الإسلام، وإذا انحلّ هذا القيد الأخلاقي، انحلّت معه القيود الاجتماعية كلّها. وإذا انهار صرح القيم، وحطّم سياج الفضيلة، لاقدّر الله، فعلى أخلاق الأمة السلام، وعلى الأمة كلها السلام!

إنّ هذه الآفات يجب أن يفزع لها المصلحون، ويعجّل بدرء خطرها أولياء الأمور؛ فهم القادرون على إيقاف هذا الزحف الهائل الذي يعرّض الأمة كلّها لسخط الله العاجل قبل الآجل. وإنّ الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن!

رابعا: العمل لإشاعة روح الأخوة والمحبة، ونشر قيم التسامح والتضامن؛ والدعوة إلى نبذ الغلو والتعصب والعنف.

  المراد هنا هو العمل لإشاعة روح الأخوة والمحبة، ونشر قيم التسامح والتضامن، والدعوة إلى نبذ الغلو والتعصب والعنف؛وذالك بانتهاج السبل المتاحة، واستثمار الوسائل الممكنة. والجعل من إصلاح ذات البين، ونبذ الفرقة والخلاف دعوة مستمرة، ورسالة يومية، تؤديها الزوايا والمساجد، لتكون الأخوّة بين المسلمين هي الرابطة الوثقى، تجمعهم بعد تفرّق، وتؤلّف بينهم بعد خصام.

إننا، إذ نثمن النتائج المحققة من مسعى المصالحة الوطنية؛ نتطلع إلى تعزيز الخطوات التي قطعت في سبيل إطفاء جمر المحنة، وإخماد نار الفتنة، وإخراج شعبنا من ظلمات الخوف والإجرام، إلى أنوار الأمن والاطمئنان، فيعود إلى وضعه الصحيح، أسرة واحدة، تجمعه المحبّة، ويسوده الإخاء، ويظلّه التضامن والتعاون على البر والتقوى. وما كان إلاّ الإسلام وحده ليجمع النفوس المتنافرة؛ وما كان إلاّ حبل الله يعتصم به الجميع، فيصبحون بنعمته إخوانا؛ وما يمكن أن يجمع القلوب إلاّ أخوّة الإيمان، تصغر إلى جانبها وتمّحي الأحقاد التاريخية، والثارات القبلية، والنعرات العرقية، والرايات العنصرية، والنزعات الفردية، والأطماع الشخصية. فيتجمع الصف، تحت لواء الله الواحد الأحد. تحت راية لاإله إلاّ الله محمد رسول الله!

إنّ الأمة تستطيع أن تستعيد عافيتها وقوّتها، إذا هي تفرّغت من شأن نفسها، وتخلّصت من السخائم فيما بينها، وتطهّرت من أدران الحقد والبغضاء، ومن أغلال التنافر والشحناء. وفي حوادث الماضي والحاضر مايغنينا عن ضرب الأمثال، وترديد الأقوال. لهذا كلّه، جعل الشارع الحكيم الإصلاح محببّا إلى الله، يوجب الثناء والثواب، في العاجل والآجل. يقول سبحانه وتعالى: ﴿ لاخير في كثير من نجواهم إلاّ من امر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس. ومن يفعل ذالك ابتغاء مرضاة الله فسوف نوتيه أجرا عظيما.﴾ النساء 114 .

إنّ من يستضيء بنور الله، ويهتدي بهداية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لايخطئ الصواب. والإسلام، بمبادئه السمحة، وقيمه السامية، قوة أخلاقية عظمى لمن يحسن استخدامها في إصلاح الإنسان، وتقويم الاعوجاج، وتنقية المجتمع من أشواك الجاهلين، وتطهيره من فساد المنحرفين.

   

                                   الخلاصـــــــــة:

وخلاصة القول: إنّ لدينا أعظم ذخيرة من القيم الروحية والخلقية والعلمية والتربوية والاجتماعية.

 فإذا نحن أفدنا منها، كما أفاد منها أسلافنا، أمكننا أن نساهم بالحظ الأوفر في الإصلاح المأمول، والنهوض المنشود.

إنّ هذا مانريد للزوايا أن تساهم في إنجازه، في انسجام وتعاون وتكامل، مع القطاعات المعنية؛ وفي طليعتها المؤسّسة  المسجدية، والهيئات العلمية الإسلامية؛ كما أشرنا آنفا.

وهكذا؛ تظلّ الزوايا مصابيح للمؤمنين، هادية للسعادة في الدّارين. تغذي القلوب بغذاء القرآن؛ وتزكّي النفوس بهداية الإيمان. تصلح بين الناس إذا تفا سدوا ؛ وتقرّب بينهم إذا تباعدوا. ترأب الصدع؛ وتجمع الشمل؛ وتوطّد أواصر المحبّة والإخاء. يلتقي في رحابها طلبتها وأتباعها وأحبابها، تربطهم عروة وثقى، على تباعد ديارهم، واختلاف توجّهاتهم، وتعدّد انتماءاتهم. ومن ثمّ تبقى الزّوايا مثالا صالحا للدعوة إلى حياة روحية صافية، أساسها تقوى الله، وحبّ الخير، والتعاون عليه، في ظلال الإخاء والوئام، والمحبّة والسلام.

وبعد؛ فهذه مساهمة متواضعة، قصدت بها خدمة أمتّي، رائدي فيها الإخلاص لديني ووطني؛ وأرجو أن يحسن في الناس أثرها، ويطيب في الأمة ثمرها. ويبقى تحقيق هذه الأفكار مرهونا بإعطاء البرهان العملي على إخلاص النيات، وصدق الإرادات، في التغيير الصحيح، والإصلاح الشامل؛ على أن يكون المسعى خالصا من الشوائب التي قد تنأى به عن مقاصده، فتحول دون بلوغ غاياته.

هذا؛ والله من وراء القصد، نسأله تعالى أن يجعل يومنا خيرا من أمسنا، وغدنا خيرا من يومنا؛

وأن يجمع كلمتنا على الهدى، وقلوبنا على التقى، وعزائمنا على الرشد، ونفوسنا على حبّ الخير وخير العمل.

                                     إنّه ولي الإعانة والتوفيق.





"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."