محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الطريق إلى المجتمع المسلم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
ذكر الشيخ عبد الله عزام رحمه الله في كتابه (الإسلام ومستقبل البشرية ) أنه لابد للوصول للمجتمع المسلم من طلائع تتحمل تكاليف الطريق وعلى هذه الطلائع أن تدرك أن الذين يتصدرون لانقاذ البشرية ليسوا أناسا عاديين بل من النماذج التي تسترخص كل شيء في سبيل دعوتها وعقيدتها ، ولابد أن تتوفر عندهم صفات على رأسها :
أ) أن يكونوا ربانيين : قال الله تعالى : ( وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ) آل عمران 79.
والرباني هو العالم العامل قال الله تعالى : ( وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) آل عمران 136.
والربّي كما قال الحسن البصري : هم العلماء الصُـبّر ،وسمي رباني لأنه عرف ربوبية الله وعبده وصبر من أجله.
يجب أن يكون ربانياً من حيث حركته ودعوته وسمته وصبره وعلمه وعمله أي لا يغيب عنه لحظة أن الله على كل شيء قدير ، وأنه مصدر العزة وانه كافيه وحاميه ويكلؤه ويرعاه .
قال الله تعالى : (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ . وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ . وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) الزمر 36-38.
وقال : (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ )الأنعام 17.
يجب أن يضع الداعية نصب عينيه أن الله على كل شيء قدير ثم بعد ذلك يعلن للناس ما يريد أن يعلنه ، لابد أن يستمد الإنسان عونه وعزته وإلهامه من الله ،
لابد لمن يتصدى لإنقاذ الناس أن يكون أقوى منهم بالله ،ولابد لمن يتصدر لتطهير الناس أن يكون أطهر منهم ، ولابد لمن يتقدم لرفع الناس أن يكون أعلى منهم .
ب ) التجرد للدعوة : عن المنافع الدنيوية وثمارها العاجلة القريبة ، كمثل الأنبياء في قوله تعالى : (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ )الشعراء 145
لذا عندما عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني عامر بن صعصعة قال : ( بحيرة بن فراس ) أحد رجالها : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك ؟؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الأمر لله يضعه حيث يشاء ...فأبوا عليه .
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقد أن هذا الدين سينتصر وكان لا يعد ولا يبايع أحدا من المسلمين إلا على الجنة ، فقد قال هذا للمضطهدين المعذبين : ( صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بيعة العقبة الثانية للأنصار ( أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نسائكم وأبنائكم قالوا : فما لنا يا رسول الله إن نحن وفينا ؟ قال الجنة ) . فالبيعة والصفقة مع الله على الجنة ، والبيعة في الدنيا على العمل للجنة :
قال الله تعالى : (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ) التوبة111.
ج ) بناء القاعدة الصلبة : يجب الاهتمام بتربية النماذج لا بإكثار الأعداد لأن الناس إنما يتغيرون بفعل النماذج والأفذاذ ، علينا أن نعتني بالكيف لا بالكم والفئة الصابرة الصادقة وإن كانت قليلة فإنها تنتصر بإذن الله .
قال الله تعالى : (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) البقرة 249.
هذه القاعدة الصلبة هي التي أعادت الجزيرة العربية كلها أيام الردة إلى الإسلام لأن من نماذجها أبا بكر ، ففي هذه اللحظة الحاسمة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ساق الله رجلاً حازما كأبي بكر لينقذ بموقفه أمة بكاملها من الاندثار والبوار .
لابد من تربية النماذج والأفذاذ الذين لا يقبلون الذوبان في حوامض المجتمعات الجاهلية ، ولا يتميعون في ظروفه المختلفة ، لقد كان اجتياز الجيش الإسلامي لنهر دجلة عند فتح العراق وفارس إبان فيضانه من القضايا التي أذهلت المؤرخين وحيرهم تفسيرها ، اجتياز الجيش لدجلة دون أن يفقد فرداً واحداً من عدده ، لكن القضية الأروع أن هذا الجيش خاض بحور أكبر مدينتين ( الروم والفرس ) دون أن يفقد من خلقه ولا من دينه شيئاً .
د) بناء الدعاة لأنفسهم بالعلم الحقيقي والعبادة الخالصة : لابد أن يرتبط المسلم عموماً والداعية خصوصاً بالقرآن الكريم تلاوة وتجويدأ وتفسيراً ومعرفة وأحكاماً ، وأن يبني المسلم نفسه بين أروقة المسجد حيث السكينة والرحمة والملائكة والاعتكاف ، وأن يحسن اختيار الصحبة الطيبة التي تدله على الله ، ولاينسى قيام الليل فله أثر عميق في بناء النفسية المسلمة وصفاء الروح وهو دأب الصالحين ،
وكذلك صيام النافلة وخاصة يومي الاثنين والخميس ، ولابد من الذكر باستمرار لإحياء القلب وحفظه من الشيطان ووساوسه ولتحصين النفس من الهوى والشهوة الجارفة والميل ، ولابد من توطين النفس على الشكر في الرخاء والصبر في البلاء والاستغفار من الذنوب والخطايا ،
وتربية النفس على الصبر على متاعب الطريق وتضحيات العقيدة ، ولابد من استغلال الوقت في المطالعة المفيدة أو العبادة والعمل ، مع تعويد النفس على تبليغ الدعوة ومواجهة الناس في المساجد والجرأة في تبليغهم مع الحفاظ على حضور دروس العلم وتلقيه بأدب وفهم ، مع مطالعة الكتب الحديثة لسيد ومحمد قطب وسعيد حوى والمودودي ، كل هذا مع صدق النية وإخلاص الطوية .
قال الله تعالى : (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ . الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ) الحج 40-41 .اهـ.
اللهم أصلح مجتمعاتنا ومن فيها من المسلمين والمسلمات وأبنائهم ، واجعلنا من السابقين إلى جنات الفردوس يارب العالمين .
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .
|