الرئيس الأمريكي يحيي الحضور، ويتجه نحو المنصّة، وسيعلن في كلمة قصيرة بداية الندوة الصحفية.
صحافي أمريكي: لماذا سفير الفضاء؟ وليس جريمة الفضاء؟
الرئيس الأمريكي: لأنّها ليست جريمة و هو يبتسم.
صحافي فرنسي: سيدي الرئيس، أعلنتم أن المهتمين ورجال الدين سيشاركون في المؤتمر المزمع عقده في شهر أكتوبر... لماذا لم تُعلنوا عن جدول أعمال هذا المؤتمر ؟
الرئيس الأمريكي: رجال الدين منذ زمان أُبعدوا عن القضايا الساخنة، ونحن على يقين أن لهم كلمتهم في كل ما يدور، فالكتب السماوية اهتمّت بالإنسان وبقدراته على الغوص في الأعماق وارتياد الفضاء، ونحن نريد الاستفادة من رجال الدين في هذا الصدد. أمّا فيما يخص جدول الأعمال فهناك لجنة تحضيرية للمؤتمر منكبة الآن على ذلك، وستوافيكم بجدول الأعمال في حينه.
صحافي آسيوي: فخامة الرئيس، ألا ترون معي أن اختطاف نوريو يُمكن أن يكون إشارة من سكان المريخ يعلنون بها عن وجودهم وعن بحثهم عن طريقة للتواصل معنا؟
الرئيس الأمريكي: كم أتمنّى ذلك، فنحن لدينا رغبة كبيرة في التواصل مع حضارات أخرى، فهذا ما سيُخرجنا من عزلتنا في هذا الكون الفسيح؛ فالشعور بأنّنا نحن الوحيدون في هذا الكون شعور مقرف... أ ليس كذلك؟
صحافية إفريقية: فخامة الرئيس، ألا ترون معي أنكم تسرّعتم في قرار سفير الفضاء بإعطائه كل هذه الهالة قبل أن نتأكّد مما يكون قد حصل له بالفعل؟
الرئيس الأمريكي: سيدتي، أضع عليك نفس السؤال، ولكن بشكل آخر... إذا كان بابكر هو الذي فُقد هل كنت ستضعين نفس السؤال؟
صحافي أمريكي: فخامة الرئيس، هناك من البشر من ذعروا وذهبوا إلى حدّ الانتحار، وهناك من لا يهمّهم الأمر في عدّة بقاع من الأرض، لأن محنتهم مع الفقر والمرض تُفقدهم هذا الإحساس. ألا ترون معي أنّه يجب الالتفات إلى هؤلاء لكي يغيّروا من نظرتهم إلينا؟
الرئيس الأمريكي: نحن في عهد حقوق الإنسان، وأعدك أننا سنعمل مع زملائنا على القضاء بشكل جذري على آفة الجوع بصفة نهائية، وكذلك على الأمراض وغيرها مما يعاني منه كثير من البشر... أشكرك على هذا السؤال.
صحافي هندي: سيدي الرئيس، دياناتنا المختلفة ومعتقداتنا المذهبية لا تسمح لنا بتجاوز فضائنا، وإذا ما ثبت أن هناك غرباء في هذا الفضاء يهددون وجودنا، فذلك سيضر بنا نحن الهنود وبثقافاتنا ومذاهبنا والعواقب ستكون وخيمة.
الرئيس الأمريكي: (يضحك ثم يجيب الصحافي الهندي) كيف تعامل الأوروبيون مع الهنود الحمر؟ كم دام الوقت؟ الاستفادة كانت كبيرة ؟
ثم يُعطي الكلمة لصحافي آخر.
الصحافي: إنّنا نخاف من أن نُستعمر يوماً من طرف أشباح لا نعرفهم، فهل أنتم مستعدّون للدّفاع عنّا نوويّاً؟
الرئيس الأمريكي: لم لا، إذا استعصى حوار؟
الرئيس الأمريكي يرفع الجلسة وهو يقهقه.
العالم في عام 2035
لم تتحقق أحلام البشر كما تم التنبؤ بذلك في بداية القرن الواحد والعشرين؛ فمع بداية القرن كانت العولمة أو النظام العالمي الجديد يشق طريقه عبر منظمة التجارة العالمية الحرة (الكات)، وعبر قنوات أخرى كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وأصبحت الدول التي كانت من قبل دولا داعمة دُولا جابية.
وبدأ في بداية القرن التنبؤ بعالم نظيف وقوي وعادل، وتحرّكت ملفّات حقوق الإنسان في كل الدنيا إنذاراً بحلول زمن الإنصاف والعدل والمحبّة، وقد قاومت منظمات غير حكومية نظام العولمة الجديد طويلا، لأنها رأت فيه إهدارا لحقوق سكان العالم الثالث، بيد أنها لم تصمد طويلا. ورغم ذلك بقيت أصوات هنا وهناك تندّدُ بذلك كلّما سنحت لها الفرصة؛ فلا سنة 2011 عرفت مدنا بلا سيارات، ولا السجون تقلّصت، ولا الحفاظ على البيئة احترم. بالعكس من ذلك طالت يد الإنسان غابات بأكملها ومنتزهات طبيعية أخرى، وبقيت قرارات الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها بلا تنفيذ... صحيح أن عددا من القوانين قد صودق عليها، لكن تطبيق هذه القوانين يصطدم دائما بالإرادة السياسية، وبالتالي يتم تجميدها والتغاضي عنها، وتبقى الجريمة الكبرى في حق الإنسان والطبيعة قائمة إلى أجل غير مسمّى. أما الصراعات التي كانت سائدة في أول القرن وقبله كالصراع الفلسطيني الإسرائيلي فلم تزل تدور في فلك اسمه السلام، ومفاوضات لا تجدي نفعاً، وقرارات يتم التراجع عنها، واتهامات من هذا الجانب وذاك، ودول عربية مجاورة لإسرائيل تجد نفسها داخل الصراع، تعاني منه، ولا سبيل للتخلص منه، والكل ينتظر قرارا قويّا تحترمه كل الجهات، بيد أن من بيده أخذ القرار تُمارس عليه ضغوط من اللوبي الأكثر تحكّما في الاقتصاد والإعلام العالميين... وهكذا دواليك سلام ننشده، ونؤكد جميعنا على أنّنا ننشده، ولكننا نصطدم أثناء التطبيق بعقبات لا تنتهي. وحتّى إذا قرّرت إسرائيل، أو أرادت، إرجاع بعض الأراضي إلى أصحابها فهي تلقى معارضة من المستوطنين من جهة، ومن المصالح الإستراتيجية من جهة أخرى، وكلها ترغب في التحكم في الماء، وفي المنطقة. وهذا ما يقلق الجيران، ويصعّد من حدة التوتر في المنطقة.
أمّا في البلقان، فروسيا غارقة حتّى الأذنين في حرب لا تنتهي؛ فالمسلمون جروها إلى حرب طويلة تستنزف منها الكثير؛ فلا المفاوضات ولا الوساطات نجحت... وعرفت المنطقة حرب جهاد يقودها المسلمون الذين يساندهم المسلمون في إيران وباكستان ودول إسلامية أخرى. ورغم المناورات التي تقوم بها روسيا من حين لآخر بإرسال مركبات استكشافية للفضاء، ورحلات مأهولة فهي من باب درّ الرماد على العيون؛ فاقتصادها أصبح تحت رحمة الدائنين، والقضاء على المقاتلين المسلمين ليس بالأمر السهل رغم الأسلحة المتطورة ووسائل التجسس التي لا تتورع روسيا في استخدامها... لقد أخر الهجوم على الشيشان في مطلع القرن معدل النمو في هذا البلد الذي كان في وقت قريب عملاقاً بكل المقاييس.
أمّا في الصين، فمايزال الحزب الوحيد يسير زمام الأمور رغم مواكبته وتوقيعه على الاتفاقيات الدولية بخصوص حقوق الإنسان، وانضمامه إلى منظمة التجارة الدولية الكات؛ فالحزب الوحيد لم يستطع تحقيق الديمقراطية في بلاده التي تمثل سدس سكان الكرة الأرضية، لأنه يرى فيها باعثا على الفوضى، وأنّها ستتسبب في إزهاق عدد كبير من الأرواح البشرية، ويرى أن المرض والجوع والأوبئة ستنتشر بانتشار الديمقراطية في الصين، ورغم هذا فكثير من الصينيين يريدون رؤية بلادهم بلدا ديمقراطيا. أمّا من الناحية الاقتصادية فإن الصين تقف بين الأوائل، وتساير اقتصاد السوق بكل المقاييس، وتنفتح بالقدر الذي تراه ممكنا ومقنعا على العالم الخارجي، أما في ميدان الاختراعات فهي كما عوّدت العالم تطالعنا من وقت إلى آخر بما يذهل من الاختراعات المدنية منها والعسكرية، ويبقى العالم يراقبها عن قرب، فهي إلى حد الآن لم تندمج كلية في النظام العالمي ولم تكسب بعد عطف كثير من المحرومين في مختلف بقاع الأرض بخدماتها التي تسديها إليهم وتبرعاتها الهائلة عليهم.
الحالة في أوروبا
عرفت أوروبا انسجاما اقتصاديا واجتماعيا هاما في سنة 2035. وتجاوزت جميع خلافاتها بواسطة الاتحاد الأوروبي الذي يفصل بطريقة ديمقراطية في كل الخلافات بين الدول الأوروبية. كما أن أوروبا بدأت تتجه إلى التعامل مع دول العالم الثالث، وخصوصا الدول الإفريقية، بطريقة إنسانية... لقد بدأت أوروبا مشروعا منذ عقدين للنهوض بإفريقيا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا في إطار شراكات متعددة الأطراف تهدف، على المدى المتوسط، إلى بناء إفريقيا اقتصاديا، والرقي بسكانها للخروج من الجهل والظلام، والاندماج في عصر التفتح والعلم والتكنولوجيا... أمّا على المدى البعيد فتهدف هذه الشراكات إلى أن تصبح إفريقيا إتحادا إفريقيا على غرار الإتحاد الأوروبي، حتى تستطيع إكمال بناء نفسها بنفسها، والتفاوض كقطب قوي له مكانته في العالم. وتسعى أوروبا إلى فعل الشيء نفسه مع بعض البلدان الآسيوية المتخلفة التي تعاني من نقص في كل شيء، وتعيش على فتات المساعدات الدولية
.
الأخلاق والدين
تدهورت الأخلاق بشكل رهيب في العالم، باستثناء بعض الأعمال الإنسانية التي تقوم بها منظمات حرة غير حكومية؛ فالفردانية تحكمت في الناس بشكل كبير بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة؛ فلا الجار يهتم بجاره، ولا العامل يواسي زميله؛ الكل لا يهتم إلا بنفسه، ولا يهمه الآخرون.
أمّا الحياة الدينية فأهملت؛ فالكنائس لم تعد تمتلئ بالشكل الذي كانت تمتلئ به في السابق، نتيجة ضعف الوازع الديني، وصار الناس يكتفون بمشاهدة المراسيم الدينية على شاشة التلفزيون وهم في بيوتهم. وأصبح الدين ثانويا بالنسبة للدول المتقدمة، لأن حقوق الإنسان والديمقراطية أصبحا بديلا عن الدين.
أما في دول العالم الثالث فرغم انتشار التلفزيون بين الناس، فإن الكنائس تمتلئ، وتقام فيها المراسيم الدينية، ويقصدها الناس للصلاة، وطلب الصحة والعافية والمطر من الله مما يطمئن نفوسهم.
أمّا المسلمون فهم أوفياء لشريعتهم، محافظين على الصلوات الخمس، مقيمين لشعائرهم؛ يحجون، ويعتمرون، ويصومون... ورغم ذلك يحاولون مسايرة العصر، كل حسب إمكانياته. ورغم الغزو الثقافي الذي مورس على سكان العالم الثالث منذ مطلع القرن فإن نسبة التغيير تبقى ضئيلة جدّاً.
اليهود كذلك، مثل المسلمين أوفياء لدينهم ولعقيدتهم، يتفاعلون مع الثقافة والحضارة الجديدة تفاعلا لا يفقدهم احترامهم لشعائرهم وطقوسهم الدينية.
هذه بصفة عامة هي الحالة التي يعيشها سكان العالم سنة 2035 التي هي سنة نزول أول إنسان على سطح المريخ واختفاء إنسان آخر.
أمّا اليابانيون فهم مستعدون لاحتضان مؤتمر الفضاء بمشاركة اللجنة المكلفة بذلك، وقد تقرّر عقد المؤتمر في مجلس الشعب (البرلمان)، ووافقت اللجنة على هذا الاقتراح لما له من دلالات، ووجهت الدعوات إلى الدول الراغبة في المشاركة رسميا، كما وجهت الدعوة إلى كل من الفاتيكان والقدس والأزهر، وإلى ممثلي عدد آخر من الدول
.
وحلَّ يوم 8-10-2035
الجميع داخل قبة البرلمان الياباني؛ ممثلو ثلاثين دولة من مختلف القارات، منهم من حضر بصفة ملاحظ... افتتح المؤتمر رئيس الولايات الأمريكية المتحدة، وطلب الوقوف دقيقة صمت ترحما على روح الفقيد الرائد نوريو، وفعلا وقف الجميع وبعدها قال:
أيها السادة الأفاضل، أودّ أن أشكر أوّلا الدولة المنظمة لهذا المؤتمر - تصفيق - على حسن ضيافتها، ونحن نعرف ذلك عن اليابانيين؛ فهم كرماء ومتخلقون ـ تصفيق- إنّنا نريد من هذا المؤتمر أن يخرج بنتائج إيجابية تخدم مصالحنا جميعاً، فما وقع فوق سطح المرّيخ حسب نتائج اللجنة المدققة في ذلك يفوق قدراتنا، فأجهزتنا لم تشعر بشيء وكأنّها توقفت برهة عن العمل، ممّا يطرح عدّة تساؤلات منها ما تداوله الناس إثر الحادث، وهو أن نوريو اختطف، وأن هذا دليلا على وجود ذكاء يعيش في الكوكب الأحمر. وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكننا الدخول في حوار مع هذا الذكاء المفترض؟ وهل نعتبر نوريو حقّاً ميتا أم نتراجع عن هذا القرار أم ننتظر؟
إنّكم أيها الأفاضل عانيتم معنا آثار الصدمة التي عانى منها أيضا العديد من مواطنينا الذين لم يستطيعوا تصوُّر أنفسهم داخل منظومة يتصارع فيها اثنان أو أكثر، فعمد عدد منهم إلى الانتحار الجماعي أوالفردي.
إن سكان الأرض يجب أن يعرفوا كل شيء، وأن يستعدوا نفسيا لكل الطوارئ المحتملة، وأن نتجند جميعا لمواجهة أي عدوان يتهددنا، فلنا من الإمكانيات ما نقهر به أي كائن يقصدنا بسوء.
وقبل أن أختتم كلمتي هذه، أود أن ينطلق النقاش من مسلّمة يجب أن نؤمن بها، وهي أنّنا لسنا وحدنا في هذا الكون الفسيح الأرجاء، فهذا الكون مأهول بغيرنا، يجب ألا نشكك في هذا.
والآن، أعطي الكلمة لفخامة الرئيس الفرنسي... تفضلوا فخامتكم.
الرئيس الفرنسي: أيتها السيدات أيها السادة... لن أطيل عليكم؛ فكلمتي ألقيها عليكم نيابة عن الإتحاد الأوروبي وعلمائه بصفتي رئيس دورته الحالية.
1. هناك دلائل عدة، منها ما هو قديم ومنها ما هو حديث، تدل على أننا لسنا وحدنا في هذا الكون.
2. البحث عن كائنات أخرى في فضاءات أخرى هاجس سكن البشر منذ زمان، وقد حكيت قصص وحكايات منها ما هو واقعي ومنها ما هو خيالي عن لقاءات، وعن رؤى، وعن أشياء أخرى مشابهة، ومنها ما يعود تاريخه إلى فترة تسبق ظهور المسيح عليه السلام.
فلماذا نصدم اليوم بدل أن نفكر في أنجع الطرق وأقربها للدخول في تواصل وحوار مع المريخيين أو غيرهم. لهذا اقترح إعطاء العلماء فرصة إيجاد حلول ناجحة، وعقد مؤتمر أو أكثر خاص بعلماء الفضاء، يتناولون فيه هذه المشاكل، ويبحثون عن سبل حلها لما فيه مصلحة الإنسانية ؟ والسلام عليكم ـ تصفيقات ـ .
بعد ذلك يأخذ الكلمة رئيس الوزراء الياباني فيرحب بالمجتمعين قائلا:
أولا مرحبا بكم في بلدكم الثاني اليابان.
ثانيا: إن ما قاله الرئيسان الأمريكي والفرنسي هو عين الصواب، يجب علينا تكثيف الجهود ومراقبة الفضاء الخارجي بشكل دقيق ومستمر، ووضع آليات للحوار مع من أراد التحاور من الفضاءات الخارجية.
لقد أصبحنا على يقين من أن مواطننا نوريو اختطف، وأصبحنا على يقين أنّها إشارة إلينا لنحضر أنفسنا لتعارف مرتقب. وأصبحنا على يقين كذلك من أننا لسنا وحدنا في هذا الكون، وهذا شيء جميل جدّاً، لأنه سيغني حضارتنا لا محالة، وسيزيد الإنسانية ازدهارا.
وكما قلت آنفا يجب مراقبة الفضاء الخارجي للأرض، واستعمال كل الأسلحة الفتاكة الكفيلة بالدفاع عن كوكبنا في حالة هجوم غادر علينا. وبما أن نوريو اختطف فلا أظن أن هؤلاء يريدون بنا شرّاً. ومن أعلى هذا المنبر أعلن عن إلغاء صفة سفير الفضاء عن نوريو لأنه لم يمت وتعويض هذه الصفة بصفة أخرى هي: سفير الفضاء... والسلام عليكم.
(تصفيقات حارة).
ويقف كل الحاضرين مصفقين دليلا على موافقتهم على التسمية الجديدة
.
المؤتمر الصحفي
الرئيس الأمريكي بصفته رئيس المؤتمر يقف وهو يصفّق مع باقي الحضور، ويعلن موافقة الجميع على التسمية: سفير الفضاء ويقول:
أرجو أن يكون بخير وأن يدافع ويشرح للمختطفين طريقة عيشنا وأسلوبنا في التفكير وهدفنا من زيارات الاستكشاف للكواكب الأخرى. كما أرجو صادقا أن يكون لهم نصيب من العلم حتّى يتجاوبوا معه. ثم يضيف الرئيس الأمريكي:
إنّ الحماس الذي أحسسنا به يا فخامة الرئيس وأنتم تلقون كلمتكم، وتقترحون التسمية الجديدة، قد ضخّ في عروقنا دماء جديدة وعزيمة قوية نحو غد أفضل تكون حدوده الأخلاق وقوامه العدل.
بعد ذلك أعطى رئيس المؤتمر الكلمة
لممثل الفاتيكان قائلا:
تفضّل سيدي.
أبنائي الأعزّاء، إنّ مشيئة الرّب فوق الجميع، هو الذي أراد بنا هذا، ولا يمكن أن يكون إلاّ في مصلحتنا. إن أمر مخلوقات أو كائنات أخرى تعيش في كواكب أخرى، أو تسبح في الأجواء العليا كان اعتقادنا منذ القديم، ولا يزال هذا الاعتقاد موجودا لحد الآن.
أبنائي، إنّ الملائكة تسبح في السماء، وعددها لا يعلمه إلاّ الرّب، وهم كائنات من نور، ويؤكد الكتاب وجودهم، لكن لا يمكن إدراك وجودهم بالحاسوب أو بالمجهر، وكذلك الأمر بالنسبة للجان، فعودوا إلى كتاب الرّب، وتأملوه فستجدون جوابا بل أجوبة كثيـرة عن تساؤلاتكـم... بارككـم الرّب، وبـارك أعمالكـم.
(تصفيقات).
بعد كلمة ممثل الفاتيكان أعطى رئيس المؤتمر الكلمة
لممثل الأزهر الشريف.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،
إنّ ما قاله ممثل الفاتيكان هو عين الصّواب؛ فالكتب السماوية فيها من الأجوبة ما يشفي الغليل؛ فبالإضافة إلى الملائكة والجان، أريد أن أذكّر بأنّه وردت في كتابنا العزيز آيات تصرّح بأن هناك سبع سموات وسبع أراض، وآية تقول: يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ... صدق الله العظيم.
كما جاء في آية أخرى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ... صدق الله العظيم.
وخلاصة القول إنّ الإسلام يؤمن بالغيب، ولن ينزعج المسلمون إذا رأوا أقواما أخرى أو تعاملوا معها، فسبحان الله وهو على كل شيء قدير، لقد وصف لنا السماء والقمر والشمس والبحار وأمرنا بالخروج إلى الفضاء الخارجي ولكن بالعلم.
فنحن من هذا المنبر ندعو للتعامل والتفكير عبر خليّة ممثلة لكل الكتب السماوية في جو يطبعه الإخاء والود دون عصبية أو عنصرية... وفّقكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
(تصفيقات في القاعة).
ثم أعطى رئيس المؤتمر الكلمة لممثل اليهود الذي توجه بالسلام قبل الكلام إلى شيخ الأزهر، وهنّأه على كلمته واقتراحه
.
كلمة ممثل اليهود:
إنّني جِدُّ سعيد لما سمعته من سماحة شيخ الأزهر وممثل البابا، وأضمُّ يدي إلى يدهما للعمل في لجنة موحّدة تضمُّ علماء فضاء ورجال الدين من المسلمين واليهود والمسيحيين للبحث في بطون كتبنا؛ لأن فيها - كما جاء على لسان من سبقوني - ما يجيب عن أسئلتنا هاته التي ربما تخيف من لا دين ولا عقيدة له، أما من يؤمنون بالله وبكتبه فلن يخشوا شيئا، لأن نفوسهم ستبقى مطمئنة، ولن يفكروا في الانتحار كما حدث في بعض الأماكن، وكل ما هنالك هو أنه يجب فسح المجال للتوعية الدينية التي همشت منذ زمان، وحلّت محلها مصطلحات علمية فقهية مثل: حقوق الإنسان والديمقراطية، وما إلى ذلك من الأمور التي تجعل الإنسان في غنى عن التدين. وأنصح من أعلى هذا المنبر أن يتم الاهتمام بالشعائر الدينية والشعور الديني كيفما كان.هذا ما أريد أن أقوله باختصار شديد، وأترك الكلمة لمتدخل آخر، فخير الكلام ما قل ودل،والمهم عندي هو العمل في العمق؛ وفي إطار لجان نشيطة توكل إليها صلاحيات اتخاذ ما يلزم من قرارات لأجل البشرية جمعاء، وأقترح عليكم عقد المؤتمر العلمي الخاص بالعلماء في القدس التي تحتضن الديانات الثلاث... وشكراً.
(تصفيقات).
ممثل إفريقيا طلب الكلمة فأذن له الرئيس:تفضل سيدي.
باسم إفريقيا أغتنم هذه الفرصة لأشكركم على قبول طلبنا للمشاركة في هذا المؤتمر،وأعتقد أن هذا الفضاء ليس حكرا على أحد، فالكل له الحق في التعبير عن رأيه.
في عام 1969 حينما حط نيل أرمسترونغ قدميه على سطح القمر، قام بزرع العلم الأمريكي آنذاك فوق سطح القمر، فإذا كانت هناك كائنات تعيش في القمر ماذا سيوحي لها علم أمريكا ؟
في نظرنا كان لزاما على مبرمجي رحلة أبولو11 أن يقوموا بوضع علم فيه صورة للأرض تجاه الشمس لمعرفة الكوكب الذي وصل سكانه إلى القمر لا العلم، وكذلك فعلت روسيا أو الإتحاد السوفيتي الذي كان السباق إلى غزو الفضاء.المهم من هذه المداخلة هو أنه في ذلك التاريخ كان أغلب الناس في إفريقيا لا يصدّقون أن الإنسان نزل على القمر، وإنما يقولون إنه تمَّ تصويرمشاهد النزول على القمرفي منطقة ما من الكرة الأرضية، لأن فكر الإنسان الذي أنهكه التعب والعطش والجوع وسوء التغذية لا يمكنه مسايرة هذه الأحداث التي تسير بصورة جنونية...من هذا المنطلق أغتنم الفرصة لأدعوكم جميعاً إلى الاهتمام بالإنسان الذي يعاني من نكبات الدهر حتى يتمكن من مسايرةالتطور الحضاري السريع. وليشارك الإنسان المتقدم في ما هو بصدده، وهذا سيكون لصالحنا جميعا؛ إن الإنسان الجائع لن يهتم إلا بما يزيل جوعه؛ولقد قال أحد الفلاسفة إن ما يفكر فينا هو الفسفور... أرجو أن أكون قد بلّغت الرسالة.
ووجود كائن آخر كيفما كان شكله بالنسبة إلينا شيء عادي أو ثانوي مادام الإفريقي يعتبر أن الإنسان الأبيض أو الأصفر كائن آخر..
ولا أريد أن أختم كلمتي دون أن أطلب مراجعة بنود العولمة التي تضر بساكنة العالم الثالث، فهذه الأرض نتقاسمها جميعا، ولم تكن ملكاً لأحد اشتراها بعضنا منهم... شكراً.
(تصفيق)
يتدخل رئيس المؤتمر ليرفع الجلسة العلنية، ويعلن بدء أشغال الجلسات السرية التي ستتشكل فيها لجان العمل التي ستنبثق عن المؤتمر.
نقلت وسائل الإعلام أعمال هذه الجلسة الافتتاحية، وتعالت إثرها أصوات مؤيدة لهذا الطرف ومناهضة للطرف الآخر. وفي نفس الوقت الذي كانت تعقد فيه الجلسات السرية، بدأت تتكون بعض الخلايا داخل عدة منظمات لبحث الحلول وإيجاد مخرج منطقي وعلمي يمكن تطعيم اللجان به مستقبلا حتى يكون المجتمع المدني هو الآخر قد ساهم في التوصيات والقرارات التي ستفرزها مثل هذه اللقاءات.
نشطت شبكة الإنترنيت كثيرا في هذا المجال، وعمت المناقشات كل سكان العالم النشيطين عبر هذه الشبكة بإعطاء آرائهم وتحليلاتهم وكذا تصوراتهم المستقبلية، وأطلقوا على أنفسهم اسم: لجن الدعم عبر الإنترنيت.
وقد تناول المتدخلون بواسطة الإنترنت ما جاء في مداخلات المؤتمرين وخصوصا ما قاله ممثلو الديانات الثلاث، وكذا ما قاله ممثل إفريقيا، وقرّروا الوقوف إلى جانب المحرومين حتّى يجدوا حلاّ نهائيا للمعضلات الاجتماعية؛ إذ لا يعقل أن ندخل في حوار ذكي مع مجتمعات أخرى وكثير منا يعاني من غياب أبسط الحقوق... وموازاة مع عمل دعم المؤتمر قرّر المتدخلون بواسطة الإنترنترفع بعض الشعارات، والقيام بندوات ومحاضرات، والخروج في مظاهرات، وتنظيم تظاهرات ثقافية تصب كلها فيموضوعالقضاء على الجوع والمرض والفقر على سطح الوجود.
وقدأيقظت هذه المبادراتالحميدة الضمائر، وحفزت الهمم انطلاقا من الشعار لنتحاور مع الغرباء من موقع قوة، ولنتكلم معهم عن أنفسنا ليروا بأعينهم أننا كلمة واحدة، وأن قوتنا في تلاحمنا واهتمامنا بإنسيتنا.
وانطلق العمل في هذا الاتجاه،بيد أنه كان يصطدم دائما بجيوب مقاومة سرية وبمافيات لا يمكنها العيش دون مشاكل، جاعلة من مآسي الآخرين فوائد تجنيها، وتعود عليها بالمال والجاه وكما يقول الشاعر: مصائب قوم عند قوم فوائد.
اصطدم هؤلاء المصلحون بهذه الجيوب، ولم يستطيعوا فعل شيء ضدها،لكنهم كانوا ينددون ويستنكرون باستمرار.
إنّه لخزي يقول أحدهم عبر شبكة الإنترنيت. إذ كيف نعيش نحن هذا التقدم المذهل، والذي يصعب حتى تخيله، وفوق الأرض أناس يجهلون ما يجري، همهم الوحيد كسب قوت يومهم وإطعام عيالهم، وكل آفاقهم محدودة وأحلامهم محدودة... إنه لعار يلحق بالبشرية جمعاء.
ويقول آخر: أقترح أن نُضرب جميعا يوما في الأسبوع ثم يومين، فثلاثة فأكثر إلى أن يوجد حل ضد هؤلاء المفترين.
ويضيف ثالث: لماذا لا نضمهم إلى دولنا المتقدمة ونقوم برعايتهم، فلدينا المال والأراضي الشاسعة.
وتطول لائحة الاقتراحات؛ فلقد تحرّك عدد كبير من أفراد المجتمع، وبدأوا يرسلون المساعدات بكثافة بالرغم من أنهم يعرفون أنجزءا منها يذهب إلى جهات أخرى، وأن ما يقومون به ليس هو الحل الأمثل، ورغم ذلك استمروا في محاولاتهم، لأن المسألة بالنسبة لهم مسألة مصيرية، ولا تقبل أي نقاش.
إن هذه ليست المدينة الفاضلة التي كان يحلم بها آباؤنا... ففي بداية هذا القرن، وبفضل الإعلام والمعلوميات، قيل:إن الأرض أصبحت قرية صغيرة، وأن العالم بعد قليل جدّاَ سيصبح مدينة فاضلة، فلماذا نزداد بُعداً كلّما اقتربنا من بعضنا؟ هذا هو السؤال الذي يقرف! إنّ العالم كله يدخل بيوتنا عبر القنوات الفضائية، ولا أحد يسألنا هل نحن في صحّة جيّدة، هل نأكل حتّى نشبع، هل يصلنا نصيبنا من الثقافة كما يجب؟
لقد تبخّرت كل الأحلام رغم الإنجازات الباهرة في ميدان الطب والجينات،والأطفال المعدّلين وراثيا، والإلكترونيات، وغيرها من الميادين...رغم كل هذا لم تتحقق أحلام الإنسان، لأن كل هذه الإنجازات لم تأخذ بعين الاعتبار أن الإنسان أحاسيس، وشعور، وذوق، وكرامة، وكذلك إرث ثقافي وحضاري كونه امتد عبر ملايين السنين.
يقول بعض المتديّنين إن السلم فوق الأرض غير ممكن، لأن إبليس يحاربه منذ الأزل... فمن أوحى لقابيلبأن يقتل أخاه هابيل؟ ومن أثَّر في حواء حتَّى أكلت التفاحة؟ إنّ إبليس يترصّد للبشر منذ الخلق. وأتذكّر هنا ما قاله أحد المفكرين المشارقة حيث أفاد أن إبليس دخل على أحد رجال الدين معلنا توبته، فخرج المتديّن وقال له إنني سأستشير باقي رجال الدين،ثم نرُدُّ عليك. وقال له كذلك عد في الأسبوع المقبل لتعرف الجواب. وقام الشيخ باستدعاء العلماء، وحكى لهم الأمر،فكانت مفاجأتهم كبيرة، ثم ردوا قائلين: إبليس زارك وطلب منك أن تساعده على أن تُقبل توبته؟ أجابهم رجل الدين:
-نعم، لقد جاء وطلب مني أن أدعو له لتُقبل توبته. فبماذا تشيرون عليّ؟ أأدعو له فعلا أم لكم رأي آخر؟
أجاب أحدهم:
- إنّ باب التوبة من اختصاص خالق الكون، أما أن نساعد إبليس وندعو له بالتوبة فأمر لا يدخل في اختصاصاتنا.
وطال النقاش وحمى وطيسه،وتم استدعاءأبرز علماء الدين من كل جهات الأرض في جلسة عاجلة، وحينما أخبروا بالأمر فوجئوا، ودخلوا في نقاشات طويلة وحماسية،وتوصّلوا، في النهاية،إلى رفض الطلب الذي تقدم به إبليس، وفسروا رفضهم بحجة أن العالم سيفقد توازنه إذا تاب إبليس، وسيصبح شبه جنة، والإنسان قد طرده الله من الجنة، ولا راد لقضاء الله...
ولما رجع إبليس يستطلع الرد، أخبره رجل الدين بأنه يستحيل قبول طلبه لأن توازن العالم سيفقد؛ فالمحاكم ستلغى لأن الجرائم ستنمحي، والسجون كذلك، والجيش والبحث عن أسلحة الدّمار وما إلى ذلك من مؤسسات ستتساقط كالورق الذابل... غادر إبليس غاضبا، وقرر الاستمرار في أعماله وتطويرها لإغواء البشر أكثر فأكثر.
إن صراع القوة والضعف، والخير والشر، ومنطق الغاب هو السائد منذ غابر الأزمان... وقد حلم الإنسان باعتباره كائنا مفكرا مدبرا أن يقلب هذه المعادلة؛ معادلة منطق الغاب، ولكنهلم يستطع، والدليل على عدم استطاعته كثرة الحروب التي عرفها العالم، وذهب ضحيتها أناس كثيرون، يعدون بالملايين. وعند مراجعتنا للتاريخ يتضح لنا أن هذه الملايينإنما ذهبت ضحية قرارات فردية لأشخاص كلما يمكن أن يقال عنهم إنهم ذوو نزعات عدوانية، وأن ما قامت من أجله الحروب هو الرغبة في التملك والسيطرة، وفي استعباد الآخرين.
فقد قامت حروب من أجل الماء في حين كان بالإمكان اقتسامه.
كما قامت حروب من أجل التوسع، في حين كان بالإمكان التفاهم حول كثير من القضايا، وتجنب الحرب... إن حماقات الإنسان كثيرة، ولا حدود لها.
كل هذه الأفكار التي طرحت في هذا العام،عام2035، كانت تسعى إلى تحرير الإنسان من الثالوث الخطير الذي يواجهه ويتهدده: الفقر والمرض والجوع...وقد تكونت لهذا الغرض منظمات مهمتها مواجهة هذا الثالوث، والقضاء على مسبباته، كما ظهرت مبادرات من جهات مختلفة تصب في الاتجاه نفسه. ورغم كل هذه الجهود والمبادرات فقد كانت الحصيلة عبارة عن حلول ترقيعية فقط، لم تتمكن من استئصال جذور هذا الثالوث الخطير.بيد أن العمل متواصل بجد ونشاط وإيمان بضرورة تخليص البشرية التي توجد بين براثين هذا الثالوث الخطير، ومحاربة من يستغلون الوضعية الصعبة التي يعيش فيها الفقراء والمحرومون من البشر
نوريو وعالمه الجديد
في الوقت الذي كان سكان الأرض يتصارعون فيه من أجل حياة أفضل، ويتساءلون عن مصير رائدهم نوريو بعدما تأكّدوا من أنه اختطف، كان نوريو ضيفا على علماء المريخ. يحاورونه بلغته الأصلية، ويرحبون به.
نوريو: بعدما تأكدت من وجودكم باعتباركم تسكنون كوكب المريخ، وبعد أن تأكدت من حسن نواياكم، ومن كونكم كائنات تحب السلم، دعوني أبلغ سكان الأرض وعلماء القاعدة التي انطلقت منها مركبتي بأنني حي أرزق، وبأنني على اتصال بكم.
المريخيون: لا، ليس الآن يا سيد نوريو، نريد أن ندعوك لزيارة كوكبنا والكواكب الأخرى في هذا الكون، وسنمكنك من محاورة من ترغب في محاورتهم، ثم نعود بك إلى الأرض، وهناك ستدخل في حوار مع سكان الأرض، ومع رؤسائك.
نوريو: متى سيتحقق هذا من فضلكم ؟
المريخيون: لا تقلق، فالوقت عندنا أسرع مما تتوقّع، هيا خذ قسطا من الراحة التي تحتاجها، وسنساعدك في تحقيق ذلك...
ذهب رجال مريخيون بنوريو إلى أحد الأماكن المعدّة للنوم، وأعطوه أكلا أعجبه، ثم نام على نغمات موسيقى لم يسمعها من قبل دون تفكير...
هؤلاء المريخيون يشبهون الإنسان في تكوينهم البيولوجي، فهم طوال القامة أزيد من مترين، يملكون القدرة على الاختفاء في الوقت الذي يريدون الاختفاء فيه، وهذه القدرة مكتسبة لديهم وليست فطرية، وهم يتكلمون لغة خاصة بهم.
بعد نوم عميق استيقظ نوريو ليجد نفسه وسط مريخيين جُدُد، لم يرهم من قبل، يؤدون له التحية فيرد على تحيتهم بالطريقة اليابانية.
اليوم ستزور كوكبنا مع دليلك هذا... بهذه الجملة خاطب أحد المريخيين نوريو. ركب نوريو في مركبة تشبه طائرة، وكانت هذه المركبة تطير دون أن يصدر عنها صوت... وكان نوريو خلال هذه الرحلة يستمع إلى الشروح التي يقدمها له مرافقه المريخي؛ فقد أخبره بأنهم سيقطعون مسافات طويلة في وقت قصير جدّاً، ليصلوا إلى حدود المنطقة التي يسكنها الشعب المريخي، وهي منطقة لن يتمكن أحد من الاقتراب منها أو دخولها مهما كانت قدراته؛ فسكان المريخ محصّنون بشكل جيد.
وصلت المركبة إلى مكان رآه نوريو من أعلى، فشبهه بخلية نحل، أناس تجري في جميع الاتجاهات، بنيان عريض جدا، شوارع واسعة، وهندسة فريدة من نوعها... دهش نوريو وطلب المزيد من الاقتراب، وفعلا اقتربت المركبة حتى رأى ما لا يمكن وصفه. قال له مرافقه المريخي: إن المريخيين لا يتوقفون عن العمل، إنهم ليسوا مثلكم، إنهم يعملون بدون توقف، لا يتعبون ولا يمرضون، متعتهم الكبرى يجدونها في العمل الذي يقومون به.
حطت المركبة بصمت وهدوء، ونزل نوريو ومرافقه، وأدّيا التحية لمريخي كان في استقبالهم... قال المريخي المرافق لنوريو:
ميما: هل تعرف من يكون هذا الشخص؟
المريخي: إنه من سكان الأرض.
ميما: وماذا تعرف عن الأرض؟
وبدأ المريخي المستقبل في الحديث عن الوضع الجغرافي للأرض، وعن عمرها التاريخي حتى أوقفه مرافق نوريو شاكرا.
ذهل نوريو لما سمع، وبدأ يحدث نفسه:
نوريو: أ يُعقل هذا؟ مواطن مريخي عادي يعرف تاريخ الأرض بهذه الدقة المتناهية؟ أكاد أجن، هذا غير ممكن؟.
قال المرافق المريخي لنوريو:
ميما: لهذا السبب اخترناك يا سيد نوريو؛ اخترناك لكي تتعرف على حضارتنا وثقافتنا وتاريخنا. نحن نعرف عنكم كل شيء، ولسنا في حاجة لأن تحدّثونا عنكم، بل نحن قادرون أيضا على تصحيح معلوماتكم الخاطئة المتعلقة بتاريخكم، وذلك بالحجة والبرهان...
لدينا، يا سيد نوريو، تسجيلات للأرض قبل ظهوركم، وفي عهد الديناصورات، وقبل ذلك بكثير... ولنا أجوبة على كل أسئلتكم التي بقيت بدون أجوبة... ولكن لا نريد أن نصدمكم بها دفعة واحدة... أنتم في بداية الطريق، وعلينا أن نتعامل معكم برفق
والمهم الآن هو أن نتم جولتنا في المصانع والمعامل، وسآخذك إلى ما نسميه نحن بالمدار الفلكي لترى كواكب وأقواما أخرى، فنحن على اتصال بهم، وهم يستفيدون منا ونحن نستفيد منهم.
اطلع نوريو على ما ينجز في المصانع والمعامل المنتشرة في كل مكان، والتي تبدو شديدة التعقيد، وكان خلال جولته مع مرافقه المريخي ملازما للصمت، ولكنه كان مندهشا وهو يرى التطور التكنولوجي الكبير الذي وصل إليه سكان المريخ... وبعد انتهاء الجولة، صعد نوريو ومرافقه إلى المركبة التي اتجهت بهما نحو المدار الفلكي، وهو عبارة عن مكان فسيح جدا، يمكن من خلاله ربط الاتصال بمختلف الكواكب المأهولة التي لها علاقة بالمرّيخيين... فوجئ نوريو حين قال له محدّثه:
ميما: يمكنني أن أجعلك تطلع على ما يجري في الأرض إذا رغبت في ذلك...
سأصلك بقاعدة كاب كنافرال لترى وتسمع ما يدور هناك... ضغط المريخي على زر فظهر الكاب كنافرال أمام عيني نوريو الذي زادت مفاجأته، ثم ضغط على زر آخر فظهرت لنوريو مجموعة من المنشآت، وبدأ مرافقه يشرح له: هذه منشآت نووية تخصكم، نحن نراقبها بحرص وخوف من أن يرتكب أحدكم حماقة ضد أخيه، أو ضد نفسه. وباستطاعتنا توقيف عملها في أي وقت نشاء. لا تقلق سيد نوريو فنحن مثاليون جدا، ومسالمون جدا، وعادلون... والآن، سأجعلك تزور كواكب أخرى...
ضغط المريخي على زر ثالث فإذا بأقوام أخرى وعوالم أخرى وبنايات مختلفة الأحجام تظهر على الشاشة الضخمة أمام نوريو، وبدأ المريخي ينتقل من مشاهد كوكب إلى مشاهد كوكب آخر، ثم يقدّم نوريو إلى كل المرخيين الذين يظهرون في الشاشة.
المريخي: هذا كوكب يسمى إبريز... هذا صديقنا نوريو، إنه قادم من كوكب الأرض، وهو يحييكم، وسينضم إلى جماعتنا المسالمة، وسيعمل معنا على نشر السلم في الأرض... أليس كذلك سيد نوريو؟
نوريو: أجل، أجل... بكل تأكيد.
المريخي: والآن سيد نوريو، سنقوم بزيارات لهذه الكواكب التي رأيتها في الشاشة... وسنبدأ بكوكب إبريز، ثم ننتقل إلى الكوكب أفام، ثم إلى الكوكب يتما، ثم إلى الكوكب أطْلْ، وأخيرا سنزور الكوكب مالْ... كل هذه الكواكب توجد في المنطقة ش، ويسكنها أقوام أذكياء جدا ومسالمون جدا.
سأرافقك بعد ذلك إلى منطقة تسمى داس، وهي منطقة سكان الكواكب المنشغلين بحروب دائمة منذ ملايين السنين.
أنتم في الأرض يحارب بعضكم بعضا على نفس الكوكب، أما هؤلاء فالحرب التي يخوضونها تتم بين عدة كواكب... إنها حرب الكواكب... ماذا تفضل يا سيد نوريو: أن نبدأ بمنطقة ش حيث السلم أم بمنطقة داس حيث الحروب ؟
نوريو: أفضل زيارة الكواكب المسالمة... ولكن، لماذا لم توقفوا هذه الحروب المدمرة والطويلة بين سكان الكواكب في المنطقة ش، أليست لديكم وسائل لإيقاف هذه الحروب؟
المريخي: لن نستطيع الآن إيقاف هذه الحروب، ولكننا نعمل باستمرار - بتعاون مع أصدقائنا - من أجل تطوير قدراتنا قصد التوصل يوما ما إلى ما هو أقوى مما يملكون، فنستطيع إجبارهم على اللجوء إلى السلم، ونفرض عليهم إرادتنا السلمية... وإننا نرغب في أن يتعاون معنا سكان الأرض لوضع حد لهذه الحروب.
نوريو: أرجو ذلك... لكن قبل أن نرحل في اتجاه هذه الكواكب أرجو، إذا سمحت لي سيدي، أن أتعرف على طريقة تسييركم للسلطة؛ وخاصة الأمور السياسية والاقتصادية؟
المريخي: لا تقلق سيد نوريو، سنطلعكم على ذلك في الوقت المناسب، واعلم أننا جرّبنا كثيرا من نماذج السلطة التي اكتشفناها... وقبل أن أستمر في الحديث عن هذا الموضوع أريدك أن تعرف أننا مثلكم؛ لنا دم وخلايا ولحم مثلنا مثل كل الكائنات الحية، لكننا نتميز عن هذه الكائنات باختلاف أحجامنا؛ ففينا القصير والطويل والمتوسط الطول والطويل جدّاً. وكواكبنا كلها تتشابه من حيث الشكل، لكنها تختلف من حيث مكوناتها... وللمريخيين قدرة هائلة على التكيف مع هذه المكونات... أما فيما يخص نموذج الحكم عندنا فهو يقوم على إشراك كل جهة في الحكم وفي اتخاذ القرارات بالتوافق... أما فيما يخص العمل فالكل يعمل والكل يدرس ويتثقف، وليست لدينا أجور، فنحن نوفر لكل عشيرة ما هي في حاجة إليه.
ليست لدينا مشاكل في الحكم والعلم ووسائل العيش، لقد تغلبنا على كل مشاكلنا، وخاصة المشاكل المتعلقة بالصحة، فلم يعد المرض يخيفنا، وأصبحنا بفضل تطور الطب نعمر طويلا.
أنتم لا تعرفون عنا شيئا، وربما جاء يوم نطلعكم فيه على كثير من جوانب حضارتنا وحياتنا... أما نحن فنعرف عنكم أشياء كثيرة، وربما نعرف عنكم كل شيء، بل أكثر مما تعرفون أنتم عن أنفسكم... ولا أخفي عنك أننا نوجد في الأرض منذ أمد بعيد؛ إننا نسيطر على المثلث الذي تطلقون عليه اسم بيرمودا، ولا أحد منكم يستطيع أن يصل إلينا هناك، وإذا ما تجرّأ أحدكم ودخل فإننا نقوم باختطافه... ونحن نملك في هذا المثلث قاعدة قوية مدججة بالأسلحة القادرة على فرض السلام، ولدينا فيه مدن وصناعات ومعامل وضيعات ومراكز للبحث... وهذه القاعدة هي التي سنذهب إليها بعد انتهاء برنامج الرحلات التي سنقوم بها إلى الكواكب المسالمة، وإلى الكواكب المتحاربة.
وقبل الرحيل إلى الكواكب التي سلف ذكرها، طلب نوريو من المريخي اسمه فقال له إنه يسمى ميما، وطلب منه اسم المريخ والشمس والأرض بلغة المريخ فقال له ميما على التوالي: إن اسم المريخ هو 'رالْ'، واسم الشمس هو 'شاشْ'، واسم الأرض هو 'ماسْ'.
انطلقت الرحلة على متن مركبة فضائية غريبة الشكل، وقد أعجب نوريو أيما إعجاب بهذه المركبة النفاثة، والتي أخبره ميما بأنها تتحرك بغاز الهليوم ممزوجا بمواد أخرى.
كانت وجهة المركبة هي كوكب 'أبريز'، وحسب المعلومات التي استقاها نوريو من ميما فإن سكان هذا الكوكب فلكيون جدّاً، ويعمرون طويلا، ولهم ذاكرة قوية، وهم أقصر من الإنسان، بحيث لا يتعدّى طول الواحد منهم90 سم، ويعيشون في أمن وسلام، ولا يعرفون الحقد ولا الحزن؛ فهم دائما يرقصون، ويغنون، ويرحبون بزوارهم، ولم يسمعوا أبدا دوي رصاصة، ولم تنفجر قنبلة في كوكبهم. بطبيعة الحال هم يتفرجون على الحروب والمآسي التي تقع في كواكب أخرى، ويتولى كوكب 'رالْ'، أو المريخ، ضمان سلامة هؤلاء القوم؛ فهم تحت حمايته.
وصلت المركبة بعد حين إلى إبريز، وكان في استقبال نوريو سكان هذا الكوكب وأعيانهم، وقدموا له تمرا لم يرَ مثله من قبل. ودعاه مرافقه لأكله وكان طعمه لذيذا جداً. تعرف سكان إبريز على نوريو بسهولة، فهم يعرفون سكان الأرض من خلال الأفلام، وأمضى نوريو وقتا خارج الزمن في هذا الكوكب، فالحركة فيه بطيئة، والنظام فيه يثير الانتباه، والتحيات في كل لحظة. وأهم ما أثار انتباه نوريو هو أن هؤلاء المخلوقات الشبيهة بالبشر على علم بأدق التفاصيل التي تجري هنا وهناك في الفضاء؛ إنهم يسافرون عبر مركبات خاصّة لكواكب أخرى تشبه كواكبهم، كما نسافر نحن من دولة إلى دولة... تجهيزاتهم ضخمة ولكنها دقيقة جدا، وكلامهم هادف وهادئ، ومأكولاتهم كلها حلوة لا يعرفون للملح طعماً... بُهر نوريو بما رأى وسمع، وقرر الانتقال مع رفيقه إلى كوكب أفام، وفي طريقهم كالعادة أعطى ميما لنوريو نبذة عن سكان هذا الكوكب المجاور لكوكب إبريز، وقال عنهم إنهم كذلك طيبون، ولكنهم يكثرون الكلام والفحص، فلا تقلق إن أثقلوا عليك. وهم قوم في نفس قامة سكان إبريز، يشبهونهم كثيرا وكل تكنولوجياتهم من صنعنا، وهم كذلك تحت حمايتنا، لقد دافعنا عنهم، وطردنا الغزاة الذين هاجموهم من زمن بعيد، ومنذ ذلك التاريخ طورنا لديهم ثقافة العمل والإبداع لدرجة أننا أصبحنا نعتمد عليهم في كثير من الميادين، وهم كثيرو الإنجاب، ويعمرون طويلا.
عند وصول نوريو وميما إلى 'أفام'، وكان هذا الكوكب يظهر لنوريو من بعيد وكأنه قمر لأن منظره جميل جدا. وعند الهبوط ظهر المسؤولون الذين كان ميما على اتصال بهم، ثم أدخلوا نوريو إلى مكان استبدل فيه الزي الذي كان يرتديه بزي يتلاءم والطقس في هذا الكوكب، ثم قادوه إلى مكان آخر جميل جدا حيث الطبيعة تكاد تتكلم، وبسبب الدهشة التي اعترت نوريو كاد ينسى من يرافقه رغم احتكاكهم به والتصاقهم به، فهم لم يروا إنسانا إلا في الأشرطة.
تعرف نوريو على حياة سكان أفام التي تتسم بالبساطة التامة، كما تعرف على إنتاجاتهم وصناعاتهم الكثيرة التي تصدر إلى كواكب أخرى، في إطار تبادل السلع الذي يتم بدون استعمال المال، فالمال شيء غير مفكر فيه لأن سكان هذا الكوكب يعيشون متساوين.
وقد تجاذب نوريو الحديث مع بعض علماء هذا الكوكب الذين ناقشوا معه ما يجري في الأرض، وقالوا له إن الإنسان يستعبد أخاه الإنسان، وأن هذا وضع خطأ يجب تقويمه، كما قالوا له إن السادة عندكم واعون بهذا الاستعباد، لكن لا يستطيعون فعل شيء سوى إطلاق بعض البالونات مثل حقوق الإنسان والعولمة وما إلى ذلك من كلمات تفرح متلقيها، ولكن يصعب تنفيذها. إنكم مع كامل الاحترام يا سيدي تحتاجون إلى قوة أقوى منكم ترغمكم على تطبيق النوايا والعمل من أجل الآخر، ومحو كل الكوارث التي تسببت فيها سائر الأنظمة التي جربتمونها؛ فلغة القوة هي السائدة عندكم، أنتم هكذا بالفطرة. أعجب نوريو بهذه الصراحة، وبالمعلومات الدقيقة التي يتوفر عليها هؤلاء العلماء، وأجابهم بأن ما رأى وسمع يجعله يمد يده إليهم ليساعدوا بني البشر على إحلال السلم والطمأنينة مكان الحروب والدمار.
وهنا تدخل 'ميما' قائلا:
ميما: إننا سنقوم بما طلبته منا، وستكون أنت يا سيد نوريو رسُولَنا إلى قومك... إننا لا نهدف إلى استعماركم، بل نريد فتح آفاق التعاون بين الأقوام المسالمة حتى تستطيع الدفاع عن نفسها ضد أقوام أشرار نحن نعرفهم جيداً.
واتفق الجميع على أن يعمل نوريو على تطبيق خطة ليجدها في انتظاره عند انتهاء الرحلة.
وبعد ذلك اتجه نوريو و ميما إلى كوكب 'سيما'، وكوكب 'أطل'، وكوكب 'مال' وهي كواكب توجد في خط واحد. وسكانها أبناء عمومة حسب 'ميما'، لكنهم من كثرة الإنجاب ضاقوا درعا ببعضهم، ولم يعودوا يجدون مكانا للعمل أو النوم، وكان المريخيون يراقبونهم جيدا، وهم قوم طوال القامات، قامة الواحد منهم تصل إلى أكثر من 250 سم، وكوكبهم يوجد في نفس خط كوكب أطَلْ و مالْ. وقد تدخل المريخيون في حياتهم، وعرضوا عليهم الانتقال والهجرة إلى هذين الكوكبين المتشابهين من حيث الطبيعة. وبعد أخذ ورد واستشارات دامت طويلا قرروا قبول العرض الذي قدمه لهم المريخيون، وبدأت الرحلات بمساعدة كوكب رالْ؛ أي المريخ، لأن هؤلاء الأقوام لا علاقة لهم بالتطور التكنولوجي لكنهم
وبموافقتهم على الرحلة استفادوا من الخدمات التي قدمها لهم المريخيون في شتى المجالات التربوية والعلمية وغيرها على امتداد زمن طويل، وهم الآن يشكرون لهم حسن صنيعهم.
وصل نوريو إلى كوكب سيما، وتعرف على سكانه ذوي القامات الطويلة، وجلس معهم، وحدّثهم وحدّثوه على الأنظمة السائدة عندهم، وعلى الفخر الذين يحسون به كلما زار أحد كوكبهم، لأنهم يعتقدون أنهم وصلوا القمة في البناء المعماري؛ ذلك أن طول قامتهم دفعهم إلى إنجاز بنايات رائعة ومزخرفة بشكل جذاب، والشيء نفسه بالنسبة لسكان أطل وسكان مالْ... وبعد هذه الزيارة الخاطفة التي تؤكد لنوريو، بما لا يدع مجالا للشك، أن رياح التغيير ستهب على الأرض. بدأت السيناريوهات تتفاعل في ذهنه: الإنسان غير هؤلاء، فكيف سيقبل بالأمر الواقع، لاشك أنه لن يتردد في إعلان حرب هو الخاسر فيها لا محالة. البشر قوم قادرون على كل شيء، وأذكياء بما فيه الكفاية، إذا ما شعروا بالخطر، فإنهم يقبلون بالأمر الواقع، وكل ما هناك أنهم مطالبون بإحلال السلام فيما بينهم، والعيش في وئام. فهل سيقبل سكان الأرض ذلك؟ هل بنو البشر فعلا مسالمون؟ هناك من سيقبل وهناك من سيرفض، يجب أن أدرس مع ميما ورفقائه هذا الأمر حتى تكون خطة ناجحة وغير قاسية.
كل هذا دار في خلد نوريو، فهو يعرف جيدا مكامن ضعف البشر ومكامن قوتهم. وهو الآن أمام أمر واقع لا رجعة فيه حسب مضيفيه. وبينما هو يتحدّث مع نفسه تدخل ميما قائلا:
ميما: يا سيد نوريو نحن الآن سنرحل إلى الكواكب الأخرى لترى من بعيد رحى الحرب التي تدور هناك منذ زمان بعيد.
نوريو: أنا أصدقك، لكن لم أعد أرغب في رؤية أو سماع حروب، لنرحل من فضلك.
ميما: إذن سآخذك في زيارة استطلاعية إلى مكان سيعجبك جدا، هيا بنا إذن.
ورحلا عبر نجوم وكواكب كالبرق ليجد نوريو نفسه أمام كوكب الأرض إنها الأرض فعلا...
نوريو: شكرا لك سيدي على أنك أعدتني إلى الأرض كما وعدتني.
ميما: مهلا يا سيد نوريو، إنها أرض تشبه أرضكم تماما ونفس النظام الشمسي تماما وفيها بشر يشبهونكم تماما، وأغلب سكان هذا الكوكب جاؤوا من كوكب الأرض.
نوريو: وكيف تمكنوا من المجيء إلى هذا الكوكب؟ أخبرني من فضلك، إنني في غاية الشوق لمعرفة الحقيقة.
ميما: منذ زمان بعيد أعجب آبائي وأجدادي بالحضارة الفرعونية، وكانوا يعرفون أنها حضارة لن تدوم إلى ما لا نهاية؛ فكم من حضارة سبقتها واختفت بمرور الزمن، ولإنقاذ هذه الحضارة الفرعونية من الموت، وبما أن هناك أراض فارغة في كواكب تشبه كوكب الأرض قرر آبائي وأجدادي حينها بناء مكوناتها على سطح أرض جديدة نسميها نحن باو، واستطاعوا بناء الصروح التي تشبه صروح الفراعنة ونقوشهم وآلاتهم وكل ما يشبه حياتهم، وكذلك فعلوا في المناطق المجاورة التي تسمونها بلاد فارس، فقد أسكنوا بجانب الفراعنة أناسا تم تخديرهم ونقلهم بسرعة كبيرة إلى الكوكب الذي يشبه كوكب الأرض، إلى أن جاءت حادثة غرق فرعون في البحر وأتباعه فاغتنموا هذه الفرصة وخدروا الجميع، وأخذوهم إلى هذه الأرض، ولما أفاقوا وجدوا أنفسهم أحياء فاستأنفوا العمل والحياة إلى يومنا... وهكذا فحضارتهم هي السائدة في كل بقاع الأرض، والفراعنة نشطاء جدا، ولقد توصّلوا إلى اختراعات هائلة ومذهلة مثلكم تماما، لكنهم وصلوا إلى ذلك بطرق تختلف عن طرقكم... إن قوة فرعون وأتباعه هي التي جعلت العباد يعيشون في سلام؛ فلا حروب ولا تطاحنات، ربما هناك نزاعات إجرامية من حين لآخر يعاقب من ارتكبها، أما الحروب فغير موجودة أبدا.
نوريو: إذن فلقد شاركتم في تطوير هذه الحضارة ؟
ميما: لا يا سيدي نحن فقط أنقذناها، ولم نتدخل فيها لأننا لم نر ذلك ضروريا، إنهم يحترمون أنفسهم، وقد بلغوا في العلم درجات رفيعة، ونحن نستحيي التدخل لإصلاح أوضاعهم... سأجعلك تزور هذه الأرض بدون أن يحس بنا أحد، وسننزل في مكان لنا فيه قاعدة مثل برمودا، ومنه سننطلق في زيارة هذه المعالم الفرعونية قبل العودة من حيث أتينا. إذن لندخل فضاء الفراعنة.
ودخلت السفينة كوكب الفراعنة، وحطّت في مكان خاص استقبلهما فيه المسؤولون عن القاعدة، وبدأ على الفور الاستعداد لزيارة بُرمجت في آخر لحظة. بعدها انطلقا عبر طرقات ملتوية ليجد نوريو نفسه داخل متحف يحتوي على الأهرامات التي توجد على امتداد الطرقات، كما يحتوي على مبانٍ ذات ثلاثة أضلع بأحجام وتموقعات متنوعة، ويحتوي المتحف أيضا على أشياء تطير وأخرى تسير، وعربات زاهية الألوان تجرها خيول رائعة المنظر، وأشياء لم يعرف نوريو ما هي، ولأي شيء تستعمل... تعجب نوريو من هذا الشعب الذي مازال محافظا على الزي الفرعوني القديم وقال في نفسه: في كوكب الأرض توقفت حضارة الفراعنة، وهنا ما زالت مستمرة، إن هذا يذكرني بما وقع لعبد الرحمان الداخل الذي فرَّ من الشرق ليفتح شرقا آخر بالأندلس...
تداخلت الأفكار واختلطت في ذهن نوريو، وأحس بدوار شديد، وطلب من مرافقه التوقف والعودة، لأنه لم يعد قادرا على الاستمرار في هذه الجولة التي تربك العقول. لكن، ورغم الدوار الذي أحس به فإن كثيرا من الأمور الغامضة تكشفت وأصبحت واضحة لديه.
قال ميما لنوريو دون أن يلاحظ ما هو فيه من ذهول واضطراب:
ميما: يا سيد نوريو، لم تسألني عن الأراضي الأخرى التي حدّثتك عنها، وهي التي قلت لك عنها إنها تشبه كوكب الأرض؟
نوريو: أجل سيدي... أريد أن أعرف الكثير عن هذه الكواكب، وأنا في أشد الشوق لذلك.
ميما: إنها كواكب مسكونة ببشر مثلكم، وما زالت تعيش فوقها حضارات ظهرت في كوكب الأرض... وعدد هذه الكواكب كثير.
نوريو: أ مازالت الحضارة الرومانية قائمة ؟
ميما: أجل، وكذلك الحضارة الفارسية...
نوريو: والحضارة الهندية...
ميما: والحضارة العربية...
نوريو: والحضارة العثمانية أيضا.
ميما: والأنكاش، والفايكينغ، وكثير من الحضارات الأخرى. لقد خاف أجدادي أن تندثر هذه الحضارات التي ولدت فوق كوكب الأرض، فقاموا بنقلها إلى هذه الكواكب حيث حرصوا على الحفاظ عليها... ألا ترى أن ما قام به أجدادي شيء رائع؟ وعندما سيتم إحلال السلام والطمأنينة في كوكبكم ستجدون في أبناء عمومتكم هؤلاء خير مؤنس لكم، وخير معين يساعدكم على فهم تاريخكم، وعلى الاستفادة مما فاتتكم الاستفادة منه.
نوريو: يا إلهي... كيف يمكنني إقناع سكان الأرض بما رأيت؟
ميما: لا تخف يا سيدي، لدينا تسجيلات بالصوت والصورة لكثير من جوانب الحياة في هذه الكواكب، ولنا من الإمكانيات ما سيجعلهم يقتنعون... المسألة مسألة وقت فقط.
نوريو: لكنني أخاف يا سيدي أن يفقد سكان الأرض صوابهم، وتختلط عليهم الأمور، ويفقدوا الإيمان بكثير من المعتقدات والمسلمات إذا أطلعتهم على ما رأيت.
ميما: لا تخف يا سيد نوريو... سنساعدهم على معرفة الحقيقة وتقبلها... ألم أقل لك إن لدينا تسجيلات عن كل لحظة مرت بها الأرض، سنريهم من الحقائق ما سيعجبون منه، وربما تزيدهم هذه الحقائق إيمانا فوق إيمانهم... .
نوريو: قل لي يا سيدي أ لديكم ديانة؟ أ لديكم طقوس دينية تقومون بها؟
ميما: نعم، نحن نعبد الله خالق هذا الكون العظيم وما فيه، ولن أقول لك أكثر حتى ترى الحقيقة بنفسك، وقد يراها قومك أيضا.
نوريو: أفهم من هذا الكلام أنك لا تريدني أن أدخل معك في حوار عقائدي فلسفي؟
ميما: أرجو ذلك، فأنا خلال زيارتنا للكواكب التي زرناها كنت أتحاشى الكلام في العقائد.
نوريو: لك ما تريد يا سيد ميما... والآن ماذا سنفعل؟
ميما: سنذهب إلى رال أي إلى المريخ، ثم نستعد للعودة إلى كوكبكم للشروع في الخطّة التي يهيئها لنا المسؤولون في 'رال'.
نوريو: حسنا... لنعد.
وفي طريق العودة بدأ نوريو في الاستعداد نفسيا للقيام بهذا العمل، لقد اقتنع بسلامة نية هؤلاء المريخيين، فهم مخلوقات مسالمة وأهدافهم، على ما يبدو، خالية من أي ابتزاز، أو استغلال... بل إنهم يريدون التدخل من أجل الصالح العام.
كان ميما يُدرك جيدا ما يدور في ذهن نوريو، فهو يقدر الأثر البالغ الذي خلفته كل هذه المفاجآت في نفس نوريو، ولكنه كان يدرك في الوقت نفسه أن نوريو ليس إنسانا عاديا، إنّه واحد من علماء الفضاء، ومثله يكون مستعدا لكل المفاجئات ولكل الطوارئ.
عند وصولهما إلى رال، وبعد استراحة لم تدم طويلا لأن السفر غير متعب، جلسوا لتدارس الخطة التي كانت بنودها كالتالي:
البند الأول: يرجع نوريو إلى الأرض، وبالضبط إلى قاعة المريخيين بمثلث برمودا، حيث تجري هناك بعض الاستعدادات، ويتعرف على وقائع معينة.
البند الثاني: يهيئ نوريو بعد ذلك قائمة للأشخاص الذين يثق بهم، ثم يقوم في وقت لاحق بالاتصال بهم، وإطلاعهم على ما حصل له، وحثهم على الصمت، ثم يُطلب منهم الالتحاق بالقاعدة لمساعدة المريخيين على القيام بالمهام التي ينوون القيام بها.
البند الثالث: يتم إقناع هؤلاء الأشخاص بالأفكار والنوايا الطيبة للمرخيين.
البند الرابع: إرسال الإشارة الأولى من القاعدة إلى كاب كانافيرال مفادها أن نوريو لم يمت.
وصل نوريو إلى القاعدة بمثلث برمودا بعد رحلة لم تدم طويلا، وعاش هناك فترة من الزمن مكنته من التعرف على الحياة في هذه المحطة العجيبة التي توجد في أعماق المحيط، حيث الحياة هادئة بلا صخب، والكل منصرف لحاله، منشغل بعمله، ولا أحد يضيع الوقت في الكلام الفارغ، أو اللهو الذي لا طائل من ورائه؛ فهؤلاء الناس لا يفكرون إلا في ما يعود عليهم بالنفع والفائدة. والغريب أن سكان هذه القاعدة يقومون بما يقومون به دون أن يراقبهم أحد، فهم رقباء أنفسهم.
تعرف نوريو على أساليب عيش المريخيين في قاعدة بيرمودا، وتعرف على ثقافتهم وعلومهم، وبعد مدة من الزمن قضاها داخل القاعدة لا يغادرها، خرج برفقة مرافقه من مثلث بيرمودا، ومنه إلى فلوريدا حيث أعطوه بطاقة هوية باسم مستعار، ورصيد في البنك، وبطاقات بنكية. وبما أن الآسيويين تتشابه ملامحهم فلن ينتبه أحد إلى أنه نوريو رائد الفضاء الذي اختفى في الفضاء. وكان لنوريو أصدقاء في الولايات المتحدة في وكالة الفضاء، وفي منظمات دولية أخرى، فأعدَّ قائمة بأسماء هؤلاء، وحاول الاتصال بهم... ففي فلوريدا كانت له صديقة يابانية تدعى 'ماي تسوم' انتظرها في مدخل بيتها حتى أتت في المساء، ثم فاجأها بالنداء عليها، ولما رأته قالت: غير ممكن؟ مستحيل؟ أنا لا أصدق هذا... ثم إنها حاولت الهروب لكنه لحق بها وهو يكلمها باللغة اليابانية قائلا: إنني أنا نوريو، لا تخافي مني، لندخل البيت وسأخبرك عن كل شيء، هيا لا تخافي، أرجوك...
فتحت المسكينة الباب وهي ترتعد من شدة الخوف... ولما دخلا جلست فوق الكنبة، وبدأت تنظر إلى نوريو دون أن تنطق. قال لها يحاول تهدئتها:
نوريو: هل عندك بعض الشراب يا عزيزتي؟ فأشارت بسبابتها إلى المكان الذي يوجد فيه الشراب.