محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
صاحب الإبتسامة المعدية
صاحب الإبتسامة المعدية
ربما كانت المرة الأولى التي أرى بها متهما مكبل اليدين، يسير مهرولا نحو قدر مجهول وفي الوقت ذاته يرسم أجمل ابتسامة على شفتيه، بدون مبالغة، ربما كانت ابتسامته تلك من أكثر الإبتسامات عدوى وعفوية تذكرني وإلى حد كبير بابتسامة رونالدينو البلهاء الفلوصية.
صاحب الإبتسامة ذاك، هو الصومالي عبد الوالي، المتهم باختطاف الباخرة الأمريكية وربانها، أو لنقل المتهم المتبقي بعد عملية تصفية أمريكية نفذتها القوات البحرية باحتراف، تشبه و إلى حد كبيرعمليات تشك نورس الإنقاذية، تلك العملية قتل فيها ثلاثة قراصنة صومالين ورابعهم صاحبنا "أبو ضحكة جنان" الذي وقع أسيرا في الشباك الأمريكية.
الباسم عبد الوالي، لا يتجاوز السادسة عشرة، حسب إدعاء والدته، وكذلك دايته، في الصومال لا يوجد هناك شهادات ميلاد، فالشعب الصومالي يتمتع بذاكرة ثاقبة ومصداقية عالية لا تترك للسجلات والوثائق الرسمية داع أو فائدة تذكر. وحسب ادعاء والدته أيضا، يمتاز عبد الوالي بفكر يتفوق به على أقرانه ومن هم في مثل سنه، يعني بالعربي الفتى موهوب، السبب الذي قاده إلى مرافقة من هم أكبر منه سنا وأكثرهم خبرة، وللنصيب لم يتعثر صاحبنا على أرض الصومال الأبية سوى بالقراصنة إياهم ليقلص معهم الفارق العمري والخواء الذهني الذي يفتقر إليه بصحبة أقرانه.
هو قارئ من الدرجة الأولى حسب إدعاء والدته الأمية، يمتلك كتبا عديدة، هي لاتعرف ماهيتها ولكنها تؤكد على أنه كان يقرأها باستمرار وأنها أي كتبه وليست والدته عزيزة جدا عليه خصوصا أنه لم ينس أن يأخذها معه ساعة رحيله والتحاقه برفاق القرصنة، عبود يعشق الأفلام الهندية المدبلجة بالصومالية.....تمنحه بالإضافة إلى المفعول الزيتي المضاعف بعضا من الأكشن و قليلا من الرومانسية التي يحلم بها أي فتى موهوب في مثل عمره.
القرصان عبود، ذو الستة عشر ربيعا، واحد من بين ثمانية ملايين صومالي، يعيش في دولة تفتقد إلى حكومة فاعلة منذ عام 1991م، ربع أطفالها يموتون قبل أن يتعدوا السنة الخامسة من عمرهم، يودعون الحياة بحقائقها باكرا ويكتشفون على عجل الموت وأسراره، هكذا يرحلون، وقبل أن يكتشفوا أنهم ولدوا على وجه أكثر مناطق العالم عبثا وفوضوية، وأن لا شئ ينتظرهم سوى التعلق بقشة الحياة كما يعلق قرنهم الإفريقي متدليا كالزائدة الدودية في أحشاء هذا العالم الموغل في الجشع.
الأمريكيون يعتقدون أن عبود يتجاوز الثمانية عشر من عمره، كيف اكتشفوا ذلك؟ العلم عند الله والسي أي إيه، وعلى هذا الأساس فإن عبود على الأغلب سيقدم للمحكمة الفيدرالية في مدينة نيويورك، و إلى هناك حيث الثراء وعوالم "الصب وي" كان عبود المكبل يساق، مبتسما، كان رجال الأمن يحيطون به من كل جانب، ومن حولهم كانت وكالات الأنباء العالمية، بكاميراتها الإلكترونية وعدتها الإعلامية، كل شيء كان يلمع، كان يحدث" زغللة" في عينيه، تلك العيون التي طالما زغللتها رمال الصحراء الصفراء وزبد البحر الموحل.
أما سر إبتسامة عبود أمام كل تلك الحشود فلا أحد يعلم سرها سواه، ولكني أعتقد أن الفتى عبود سمح لنفسه أن يعيش سحرتلك اللحظة، ويضرب أي مصير ينتظره عرض الحائط، من يدري، ربما استرجع في مخيلته مشهدا من أحد الأفلام البولوودية المدبلجة، فتخيل نفسه بطلا لأحدها بدلا من الدنجوان "أميتاب شان"، وربما كان سيتضمن المشهد هندية سمراء ستظهر لاحقا لاستكمال التحقيق، من يدري لماذا ابتسم عبود؟ لعل ابتسامته تلك هي وصفة سحرية قرأها ذات يوم في واحد من كتب الخرافة والأساطيرالصومالية، فتذكرها وأطلق ابتسامته، ربما لنفسه أو لأقرانه الجبناء، ربما للكاميرات الهوليوودية، أو للقضاء الأمريكي العادل، ربما للبحرية الأمريكية وقائدها الأعلى إبن عمه الكيني باراك أوباما، من يدري لمن كان يبتسم ولما؟ المهم أنه كان يبتسم، وكان بابتسامته العذبة ينشر عدوى الإبتسام على كل شيء مثير للسخرية.
|