في عشق نيسان
في نيسان، حين يطل الربيع مغاليا في زينته، يشتعل في قلبي عشق من نوع آخر، عشق للدفء وعشق للزهر وعشق للون، وفي لحظات اشتعال ذاك العشق وتأججه، ثمة عادات تبدأ بالإنحسار، عادات احتلتني ذات اصفرار خريفي شاحب وصباحات شتاء باردة . في الربيع تكثر زياراتي إلى المشاتل الزراعية، بسبب أو بدون سبب، مع أول إطلالة دفء أجدني أستبدل زياراتي المكوكية إلى (السيف وي) - الملاذ الوحيد لطلعة مبررة تصلح لكل الفصول- وأيمم نحو أقرب مشتل، للعلم ثقافتي الزراعية تكاد تكون واحد من عشرة، وأستغرب أنني وللأن أجد صعوبة في حفظ أسماء النباتات غير التقليدية، وأجهل طرق العناية بها، وفي كل ربيع أطرح الأسئلة ذاتها عن نفس النباتات، هل هذا النبات حولي أم دائم؟ هل سيصمد أمام صقيع الشتاء أم سيتهاوى عند أول شتوة قوية؟ ما كمية الماء المناسبة لريها؟ والكثير من الأسئلة التي ستتضاعف مرات عند امتلاكي لأحداها ومئات المرات لحظة نزاعها الأخير أمام عيني . أعترف انني نشأت بين جدران إسمنتية شيدت وسط أحياء جرداء مدنية، كان اللون الأخضر يتخللها على استحياء وكأنه ذاك اللون المحرم، كانت نبتة عبد الوهاب الموشحة بالبياض تباغتك بالمفاجأة إذ رايتها باسقة نضرة عند أحدهم، وإن استقبلتك نبتة كف الهوا أو عرق الندى في فناء آخر، فاعلم أن هناك حنينا ما يضمره صاحب الفناء المتمدن لإخضرار ما تركه خلفه في قريته البعيدة. في بعض الأحيان، أشعر أن نبتة الخبيزة الفرنجية بلونها العرائسي ما زالت تناديني ولهذا اليوم من بين نباتات المشتل العديدة، أعجب كيف لتلك النبتة أن تمتلك قدرة عجيبة على إحياء حنين لأيام بعيدة، ما زلت أذكر بوضوح تلك السيدة التي كانت تقطن أحد بيوت الطين، كانت تصف علب السمن المزروعة خبيزة إفرنجية بعناية فائقة، بعضها كان يتربع على رفوف خشبية، وأخرى دعتها تفترش أرضية ( الحوش) الإسمنتية اللامعة، كان يخيل إلي وكأن الخبيزة نجحت في عقد صفقة ثنائية مع علب السمن، فهذه تأويها وتلك تهبها جمالا، حقيقة لا أدري كيف استطاعت تلك السيدة أن تنفرد في خصوصية كتلك وكيف نجحت في تربية نباتاتها الغضة وسط ذاك الزحام المغبر، أما بيتها الطيني المتواضع فامتلك حينها من السحر والهيبة ما عجزت عنه ظلال بيوت الإسمنت العاتية، تلك السيدة الطيبة رحلت يوما ما من بيتها المستأجر تحت رغبة صاحب البيت، أما جوقتها النباتية فتوقفت عن عزف شذاها بين ليلة وضحاها وبدت علب السمن مجرد توابيت معدنية، حينها، الطيبون قالوا أن النباتات حزنت لفراق سيدتها فماتت وبعض الخبثاء لم يترددوا في إتهام السيدة بتسميم نباتاتها، على العموم كانت تلك المساحة الخضراء، التي أنعمت علينا بها تلك السيدة، هي الأكبر على الإطلاق ولغاية الآن التي شهدها الحي الذي كنت أسكنه. أعترف ان ثقافة الزراعة بالنسبة لي تكاد تكون ثقافة طارئة إجتاحتني على مشارف الأربعين، ذاك العمر الذي يكون فيه المزارع الحقيقي استنفذ عرق مساماته وجلد كفيه وربما مفاصل ركبتيه حرثا وزراعة وحصادا، وأنا ما زلت أداري نبتة زينة في إصيص بلاستيكي. نيسان الدفء إسمح لي أن أغرق حتى الثمالة في عشقك، إسمح لي أن استبيح حرمة لونك الأخضر واكتشف معك متعة لذيذة غابت عني سنوات طويلة، في حديقتي البسيطة كنت على موعد معك فاكتشفت حينها كيف تزهر شجرة الكرز لأول مرة وكأنها صبية جميلة باغتها بلوغ على عجل، وكيف تتشابك عروق الدوالي مع خيوط معدنية تقودها ببلاهة نحو مصير مجهول لا يعرف نهاية، اكتشفت كيف يغامر زهر الدراق على جذع أجرد ويخرج دون ورق يداريه من رياحك وهباتك العاتية، اكتشفت كيف تنمو الأعشاب هنا وهناك بحرية وسطوة لتنافس الشجيرات في الماء وحبات التراب وخيوط الشمس الدافئة، اكتشفت كم هو ممتع أن تقطف أوراق نعنع غضة تغمسها بعفوية في كوب من الشاي ساعة العصر، اكتشفت كيف يكبر بك ومعك عشق التراب وعشق الهواء وعشق السماء، اكتشفت معك نوعا آخر من العشق المباح، لاينافسني فيه إنس ولا جان.