المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
هل نقرأ على الدنيا السلام؟

 

 
                             هل نقرأ على الدنيا السلام؟
 
             
 
في كل مرة أسمع فيها عن إختفاء طفل ما، أجدني أتوجه نحو السماء داعية الله أن يحفظ ذاك الطفل ويعيده سالما لأهله.
قبل ثلاثة أسابيع كانت ساندرا كانتو ذات الأعوام الثمانية واحدة من أولئك الأطفال، قرأت نبأ اختفائها، ودعوت الله أن ينجيها.  
عندما غابت ساندرا عن عيون عائلتها، كانت تلك اللحظة كغيرها من اللحظات التي تمر بنا سريعا، تمر دون أن نشعر بمضيها أو نحاول الإمساك بها رغم استصراخها الخفي لأن نفعل ذلك، لم يكن هناك لحظة وداع بين ساندرا وعائلتها، ولم يكن هناك لحظة تمعن أخيرة تمنحهم مخزونا عاطفيا، يستندون إليه حينما يهجم وجع الفراق وألم الحنين، لحظة الغياب تلك كانت مجرد ومضة سريعة، ستنهار عاجزة لا محالة أمام أول امتحان لاسترجاع ملامح ساندرا و صليل ضحكتها و ردود فعلها العفوية، الحقيقة ان لا أحدا منهم يذكر أي لحظة مميزة ساعة اختفائها، فجل ما استذكره أفراد عائلتها سوى انها كانت ساندرا بمرحها وعفويتها، منطلقة، ترتدي ( تي شيرت) زهري اللون كعادة البنات في مثل سنها.
ليلة اختفاء ساندرا، سارع الجميع في البحث عنها، شرطة مدينة تريسي الكاليفورنية استنفرت جميع كوادرها، أفراد العائلة الممتدة والجيران لم يتوان أحدهم في تقديم يد المساعدة فاشتركوا جميعا في عمليات بحث مطولة امتدت لساعات تلتها أيام، لكنها وللاسف بائت جميعها بالفشل ولم تسفر عن شئ.
في الأيام التي تلت اختفائها،  اكتست  مدينة تريسي ملصقات ملونة تحمل صور ساندرا بشعرها البني وعينيها العسليتين، كانت صورتها تحتل الواجهات الأمامية للمحال التجارية، أعمدة البنايات، نوافذ السيارات أو أي سطح منبسط مكنهم من تعليق صورتها عليه، كانوا يلمحون وجه ساندرا الباسم أينما نظروا، تودعهم بابتسامة طفولية في ذهابهم، وفي إيابهم كانت تستقبلهم بالإبتسامة ذاتها.
المحزن في الأمر انه لم يدر في ذهن أي منهم حينها أن ساندرا الجميلة واجهت الموت حتى قبل أن يكتشف أحدهم لحظة غيابها.
في التاسع من إبريل تم العثور على حقيبة سفر مدفونة في بركة ماء زراعية، وبداخلها، كانت تقبع ساندرا الجميلة، مقتولة، مغتصبة  بآلة حادة على ما يبدو وبشكل وحشي، نعم هكذا وجدوا ساندرا وتلك كانت نهايتها، من يسمع الخبر إلى هنا يعتقد أنها نهاية الفاجعة الأليمة ليكتشف لاحقا أن الخبر يصبح أكثر فجاعة  حين  يعلم أن تهمة الإختطاف والإغتصاب والقتل وجهت  لإمرأة تدع (ميليسا هاكبي).
ميليسا هاكبي سيدة صغيرة السن، لم تتجاوز الثلاثين من عمرها، شابة عادية مثل غيرها من النساء أو على الأقل هكذا بدت، تسكن الحي ذاته على بعد خمسة تفرعات من منزل ساندرا، ميليسا هاكبي تمتهن التعليم، تعطي دروسا كمتطوعة في مدرسة يوم الأحد وساندرا الجميلة كانت إحدى تلميذاتها يوما ما، تلك الشابة بدت للجميع طيبة القلب حسنة المعشر، لم يدر أحدهم أي وحش يسكن روحها ويختفي خلف قناع طيبتها، الشابة ميليسا حفيدة للباستور راعي الكنيسة التي يرتادها أهل الحي، تسكن في كنفه وتقيم تحت جناحه، تلك الشابة لم تكن حفيدة ومعلمة وجارة فحسب بل هي أم أيضا، أم وحيدة تعيل طفلة تبلغ الخامسة من عمرها طالما جالستها ساندرا ولعبت معها .
حقيقة هناك مواقف معينة يعجز العقل البشري عن استيعابها، يصيبنا خدر ويجتاحنا ذهول عند سماعها، وتلك الجريمة البشعة لا محالة واحدة من تلك المواقف، فيما مضى سبق لنا وأن سمعنا عن جرائم استحقت وصف البشاعة، ولكن بمثل هذه الدرجة من البشاعة أشك في ذلك، فالمجني عليها طفلة بريئة لم تتعد الثامنة، والمجرمة أم في مقتبل العمر، والجريمة قتل واغتصاب، لا أعتقد أنه سبق وأن سمعنا عن جريمة يتلك المعطيات وبتلك البشاعة.
أتساءل، كيف كان لميليسا الأم أن تفعل فعلتها؟ حقيقة، لا أدري إن كان بإمكاني تسميتها بالأم لأن الأمومة ليست مجرد إنجاب وعملية توالد، الأمومة حالة سيكولوجية خاصة، لها قدرة سحرية عجيبة تهب وتشفي وتشفع، أما علاقة الأمومة بالطفولة  فتلك علاقة فطرية أزلية، لا أعتقد أنه بأي حال من الأحوال لتلك العلاقة الغريزية أن تخضع لقوانين أولحدود أو لعادات أوإلى تقاليد لأنها هكذا، فطرية المنشأ، تولد مع الأنثى، مهما أختلف المكان وتقدم فينا الزمان ومهما اجتاحتنا العولمة بأفكارها المسمومة، أين كانت ميليسا من تلك الهبات الألهية ساعة ارتكابها الجريمة النكراء.
 في هذا الزمان الصعب أصبحنا نطرح أسئلة لا نجد بعدها سوى علامات إستفهام، فلا من إجابة ولا من تفسير، أصبحنا نسمع العجب العجاب وكأنها حكايا تسرد عن عوالم سفلية، علاقات إنسانية تنهار متهاوية أمام رغبات شيطانية، فلا الإبن في مأمن بين أحضان أبيه، ولا الفتاة في مأمن في رعاية سيدة، ولا الأطفال في مأمن في دور الرعاية، ماذا يحدث لفطرتنا؟ وماذا عن إنسانيتنا؟ أليس هناك من شئ يصمد في وجه الشيطان، أم آن لنا الأوان أن نقرأ على الدنيا السلام.
 
 
 اليوم ما زالت ميليسا هاكبي محتجزة وتحت التحقيق بتهمة الإختطاف والإغتصاب والقتل، طفلتها ذات الأعوام الخمس ستخضع لفحوصات طبية ونفسية للكشف في حال تعرضها لأي إيذاء جسدي  أو جنسي، من المتوقع أن يتقدم أطفال من مدرسة يوم الأحد للتبليغ عن إساءات حصلت لهم.
مدرسة يوم الأحد: مدرسة تتبع للكنيسة، يدرس بها قصص إنجيلية وتعاليم دينية.
الصورة أعلاه تجمع ساندرا الجميلة وقاتلتها ميليسا هاكبي.
 

 

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."