المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الشيخ جمعة أبو زلام مفتي منبج

عالمٌ لا يُنسى( الشيخ جمعة أبو زلام )

الأمة التي تريد أن تنهض لا بد أن تسترجع تاريخ علمائها، وسيرة مفكريها، فتستنهض الهمم وتقوي العزائم، وتبعث روح النشاط بين أفرادها، فالمرء جملة من العواطف والأحاسيس ، ليس جامدا لا يتأثر، أو ثابتا لا يتغير.
وقد أكرم الله هذه الأمة برجال يجددون أمر الدين وعلماء ينفون عنه تأويل الجاهلين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين، منهم من أنصفهم التاريخ واهتمت بهم كتب التراجم ومنهم من ضيعهم أهلهم وتلامذتهم، فلم يذكروا في كتاب أو تكتب لهم سيرة تكشف تاريخا مشرقا من حياتهم، ومن هؤلاء الشيخ جمعة أبو زلام الذي عرف عالما ومفتيا وخطيبا مؤثرا وداعية ومصلحا، عاش في منبج مفتيا وخطيبا في مسجدها الكبير حتى توفاه الله تعالى ودفن في منبج في مقبرة الشيخ عقيل المنبجي، فتاريخه ليس بعيدا عنا ، بل أكثر أهل منبج يعرفونه ويذكرون صدقه وإخلاصه وحرصه على الدين، وبعضهم لهم معه قصص وحكايات تظهر علمه وتكشف عن جوانب شخصيته التي استحقت الاحترام والتقدير فلا يذكر إلا بخير ، ومثل هذا العالم لا يضيَّع ولا ينسى، وهو الذي كان يردد على منبر الجامع الكبير:
أضاعوني وأيَّ فتى أضاعوا ليوم كريهة وسَداد ثغر
فعندما نفقد عالما بوزن الشيخ جمعة رحمه الله تعالى وبقدرة الشيخ جمعة على التأثير لا بد أن نفتح صفحات من سيرته نذكر به وبصدقه وبإخلاصه نذكر بشدته في الدين وقدرته على التغيير، نذكر بحب الناس للعالم وثقتهم به، نذكر بمكانة العالم المخلص في نفوس الناس، نذكر بجبة العالم وعمامته التي فقدت مكانتها وامتهنها أصحابها، فبدلا من أن تكون علامة على علمه وتقواه وتاجا على رأسه يجملها بعلمه وصدقه كما كانت عند الشيخ جمعة، أصبحت عند بعض من يلبسها جمالا لمظهره وغطاء لجهله وسترا لمطامعه يسعى من خلالها ليحقق جاها ومنزلة في قلوب الناس، الذين أحبوا العالم وأنزلوه منزلة عظيمة في نفوسهم لما رأوا أن مخبره هو خير من مظهره وأن بياض الثياب عنوان استقامة للقلب ونقاء للسريرة، فإذا خبروا أصحابَ العمامات ورأوا منهم جمالا ظاهرا يخفي نقيضه وسمتا جليا يستر عيوبهم، عند ذلك يفقد اللباس مكانته ويفقد الناس ثقتهم بكل من يلبسه ويتزين به.
اشتهر الشيخ جمعة بعلمه وفقهه وقدرته على حل المنازعات فصار مقصدا للناس، وموضع ثقتهم، واشتهر أمره في القرى المحيطة بمنبج فكان يقصده المستفتون من أمكنة بعيدة وذاع صيته حتى استحق أن يكون عنوانا لمرحلة علمية من تاريخ منبج فقلما يذكر غيره في مرحلة الستينيات والسبعينيات من هذا القرن، فتشرفت منبج به وبعلمه ويستحق أن يكون علما من أعلامها ؛ بل أقول أكثر من ذلك: أن يقرن اسمه باسم منبج، فتاريخنا يشهد بأن بعض البلاد والأقاليم عرفت واشتهرت بفضل علمائها، وهذا هدي نبوي نجد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ما يشهد له فقد عرَّف نينوى بأنها بلد الرجل الصالح نبي الله يونس عليه السلام، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف واستظل في ظل شجرة عنب في بستان لعتبة بن ربيعة، تحركت الشفقة في قلبي ابني ربيعة صاحبي البستان فدعوا غلاما نصرانيا لهما يقال له عداس فأرسلا إليه معه قطفا من عنب في وعاء ، فلما وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم باسم الله ثم أكل فنظر عداس إلى وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم من أي البلاد أنت يا عداس وما دينك قال أنا نصراني من أهل نينوى( قرية بالموصل)، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى، فقال: وما يدريك ما يونس ابن متى ، قال: ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي فانكبَّ عداس حتى قبَّل رأس النبي صلى الله عليه وسلم ويديه ورجليه " ( تاريخ الطبري: 1/554).
فنينوى هي بلدة الرجل الصالح يونس عليه السلام، وكثير من البلاد نعرفها من خلال علمائها فنقول بغداد بلدة الخطيب البغدادي ودمشق بلدة ابن عساكر الدمشقي ونوى بلدة النووي ، وكذلك منبج بلدة البحتري ودوقله المنبجي، وكذلك بلدة الغزيل وبلدة الشيخ جمعة أبو زلام.
فالبلدة تشرف بعلمائها وشرف العلم فوق كل شرف، ولكن ليس كل عالم يستحق أن ينال هذه المنزلة وليس العالم هو الذي يرشح نفسه ليكون عنوان مرحلة أو أن يقرن اسمه باسم بلدته، بل هناك أقلام صادقة هي: ألسنة الناس ومشاعرهم وحبهم وثقتهم التي تحققت من خلال معايشة لهذا العالم وأخذهم عنه ومجالستهم له فهناك غربلة وتمحيص لا ينفع معها التجمل أو التظاهر.
ولو قدر لنا أن نستطلع آراء الناس عن المرحلة التي عاشها الشيخ جمعة أبو زلام وعن جهوده وما قدمه خدمة لدينه ولبلده لوجدنا أنه أحق الناس بوسام التقدير ولما استطاع أحد أن ينافسه فيه.
فهو المربي الفقيه الخطيب المصلح الداعية، شخصيته مؤثرة له هيبته وجلاله في النفوس، كلماته تنفذ للقلوب بما أعطاه الله تعالى من صدق وإخلاص وحرص على الدين ، كان يحارب العادات السيئة ويسعى إلى تغييرها ويحرك القلوب، يهز المنبر بيديه فتهتز القلوب معه ، يبعث كلماته وإذا بها قوية التعبير شديدة التأثير.
كان خطيب المسجد الكبير في منبج يرقى في كل أسبوع على المنبر الخشبي فتنشد القلوب إليه، ماذا سيقول وما هي العادة السيئة التي سيتكلم عنها وكيف سيعالجها ، ثم ينزل من منبره ليصلي بالناس ويجيب عن تساؤلاتهم.
عرف عنه رحمه الله أنه شيخ جوال لا يغلق على نفسه باب بيته ليخرج إلى الجامع ويخاطب الناس بما في الكتاب وينقلهم إلى تاريخ مشرق يتغنى به وينسى واقعا مريرا يعيشه الناس، بل كانت له جولة يومية في السوق وبين الباعة والمحلات التجارية، ينظر إليهم متأملا يصحح ما يراه من أخطاء ويعلم من يحتاج إلى تعليم وينصح من يطلب النصيحة، يستخدم كلماته في التغيير وقد يستخدم يده، عرفه الناس عالما ومصلحا ، ترك أثرا طيبا في نفوس الناس ، فبعد وفاته بأكثر من عشرين سنة والناس يذكرون مواقفه وينقلون فتاويه ، ومن أراد أن يكتسب مصداقية في معاملته أو كلامه يكفيه أن يقول: سألت الشيخ جمعة رحمه الله تعالى فقال لي أو استفتيه فأفتاني، أو رآني أفعل شيئا فنصحني، ومن عجيب ما ينقل عنه أنه كان يضرب بعض المستفتين ضرب المؤدب الناصح ، فللعالم أن يعزر بالضرب كما للحاكم أن يعزر بذلك، وأكثر ما كان يحصل ذلك في فتاوى الطلاق التي شاعت وانتشرت وأصبحت وسيلة تمتهن بها المرأة وتهان ، فالرجل الذي لا يصون الأمانة ويحافظ عليها لا بد أن يهان ويضرب، ولكن من يمتلك تلك القوة التي كان يمتلكها الشيخ جمعة، ولا أعني بها قوة البدن وشدة العضلات فهو كان ضعيف الجسم كبير السن، ولكن قوة الإيمان في قلبه وشدة الحرص على الدين والإخلاص الذي عرف عنه مما جعل الناس يهابونه ويقفون أمامه بكل احترام وتقدير ، فإذا ضربهم فهو معلم ومؤدب وإذا قسا عليهم في الكلام فالنصح يريد.
رحمك الله يا شيخ جمعة أبو زلام كنت عالما علما، رأيناك ونحن صغار فأحببناك ولما كبرنا ازددنا حبا لك وإعجابا بك، رأيناك وأنت تخرج من المسجد وتمشي بين الناس كيف كانت مكانتك في القلوب وكيف أحبك الكبار والصغار، وكيف كنت تحمل النقود في يديك وكلما مررت بطفل صغير تدخل الفرحة إلى قلبه بربع ليرة سورية تضعه في يده فيقبل هذه اليد التي أكرمته ويحترم هذه الهامة التي تواضعت له، ولا ينسى صاحب اليد، فكم من طفل يذكر ذلك ولا ينساه ، رحمك الله لما قدمت وبذلت ، وجزاك الله عنا كل خير فمثلك يكرم ومثلك يذكر ولا ينسى.




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."