المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
عبدالله عبدالوهاب نعمان رحلة الشعر الجميل

أصبح من نافلة القول الحديث عن تميز الشاعر الكبير/ عبدالله عبدالوهاب نعمان "الفضول" شاعر الكلمة المعبرة والموقف الصادق، سواء أكان ذلك في ماكتبه للأغنية بوجه خاص أو الأنشودة الوطنية، أو في عموم شعره أو آثاره النثرية، وهي خصوصيات إنسانية قبل كونها خصوصيات تعبيرية لكل متأمل في انتاجه الإبداعي
ولما أن كان الأمر كذلك فإن النظر في كثرة اعادته كرة وكرتين وثلاثاً، لا يمكن أن يكل أو يمل، لأن في أسلوب هذا الشاعر ما يمنحه الجدة لما اتسم به من التجديد "يزيدك حسنه حسناً إذا مازدته نظراً". على أننا في هذه المقاربة وهي في محبة هذا الشاعر، سنحاول أن نقف على بعض معالم التفرد في أسلوبه الإبداعي من قبيل التحية له في ذكراه والإشارة لكل محب للأدب ومهتم به، إلى ما يجب أن يكون عليه وكيفية تشكيل تلك الكينونة.
والشاعر/ عبدالله عبدالوهاب نعمان وأحسب أنه ليس من المبالغة في شيء بأنه ـ حتى اليوم على كثرة محبيه من خلال صوت الفنان الكبير/ أيوب طارش، لم يحظ بما يستحقه من الاهتمام والعناية اللائقين بمكانته الإبداعية والأدبية.
ويشكر لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين هذه اللفتة بين آونة وآخرى إلى أولئك الأعلام الذين أثروا حياتنا وأحاسيسنا بإبداعاتهم، على أن هذه الورقة وهي إشارة جد بسيطة إذا ما نظرنا إلى شموخ هامة المعني بها.
ظواهر أسلوبية في غنائيات "عبدالله عبدالوهاب نعمان (الفضول)":-
ظل عبدالله عبدالوهاب نعمان طائراً مغرداً خارج السرب على امتداد فن الغناء اليمني تحديداً والعربي عموماً، فقد فتح في عالم الغناء باباً متميزاً من حيث اختيار الكلمة العميقة "قريبة المأخذ بعيدة المعنى فهو لا يتعالى على المتلقي في اختيار مفرداته، فلا يوغل في الكلمات المغرقة في المعجمية، ولا يبسط في انتقائها حداً لابتذال كما هو عليه الحال في كثير من أغاني هذا العصر، بحيث يتذوق كل سامع تلك المفردات من يوميات الناس وتداولاتهم المعيشية ليلبسها حلة فنية قشيبة الوجدان.
وقد شاع الوصف لشعر كثير من الغنائيين أنهم يعمدون إلى "العامية المفصحة" أو ما يصطلح على تسميتها باللغة الوسطى تلك التي تأخذ من العامية قربها من المتلقي وشيوعها قدر أخذها من الدارس المتخصص في علوم اللغة جلال اللغة وترفعها على الابتذال والاستهلاك، وهي مواءمة إبداعية لا تتيسر إلا لكل ذي دراية وعناية، إلا أن ذلك الوصف الشائع لا يتحقق في شاعر كما يتحقق شرطه في "عبدالله عبدالوهاب نعمان"، فشعره سهل ممتنع يجمع بين طرفي الرقة والمتانة ـ إن جاز هذا التعبير ـ وهي خصوصية يسهل الدوران حولها ويصعب الغوص فيها.
ولا أظن أن الشاعر كان يقصد إليها قصد صاحب الصنعة، فهي متأتية في شعره بالطبع والسليقة، بخبرة الإنسان المدرك وتجربة الفنان المثقف.
ودلالةً على ذلك يحضرني أن استشهد هنا شاعر آخر هو "نزار قباني" في مقارنة خاطفة بين بيتٍ لكل منهما.
يقول نزار : عشرون عاماً ياكتاب الهوى ولم أزل في الصفحة الأولى
بينما يقول عبدالله عبدالوهاب نعمان
وكلما قلت تمَّينا كتاب الهوى أمسى الهوى عندي يؤلف كتاب
على ما في البيتين من التناص يبدو جلياً لكل متأمل تفوق/ عبدالله عبدالوهاب نعمان في توليد المعنى وتعميق الدلالة. فالهوى عنده يؤلف كتاباً جديداً كلما اعتقد أنه فرغ من تأليف كتاب الهوى يستمر الحال إلى مالا نهاية، وواضح هنا كيف تسنت له إدارة المعنى من خلال إدارة المفردة على محدودية كلمتي "كتاب، وكلمة الهوى".
وهكذا يظل دأب "الفضول" في إدارة مفرداته ليولد منها الدلالات العميقة، وحيث أنه لا شعرية للمفردة في ذاتها، إذ تأتي قيمتها الجمالية من موقعها في السياق، وموضعها في النسق، حيث يلعب الأسلوب دوره في تجميلها مدلولاً أوسع مما هي عليه في المعجم والخروج بها من دائرة التداول إلى فضاء الدلالة.
1- أنسنة الأشياء:-
يمكن تبسيط مفهوم هذا النمط بأنه اسقاط المشاعر والأحاسيس الإنسانية صفة مشاعة بين عدد من الأدباء والشعراء إلا أن خصوصيتها من كونها في نص غنائي.
فلو أخذنا أغنية "مدراب السيل" مثلاً شروداً لهذا النمط فإننا سنجد مفتتح الأغنية يبدأ بالتحدث مع ذلك الجماد "مدراب السيل".
"مدارب السيل قولي وامدارب لمه"، وكثيراً ما خاطب شعراء الغناء الحمام والطير وأصبح ذلك في ذاكرة المتلقي شائعاً ومقبولاً، حتى أصبح من المعاد والمكروه فجاء تجديد "الفضول" في هذا الجانب جديداً في طرق الموضوع فضلاً عن كيفية طرقه، إذ سرعان ما يلتفت من خطابه لمدراب السيل إلى مايعتلج في وجدانه، أو ما لعله كان من أثر عليه. فهو ينظر إلى مدارب السيل بإحساسه المرهف فيقوم بتصوير ما حركته فيه من الأشجان هذا من جهة، ولكنه بعيد عن المباشرة "وهي سمة غالبة في شعر الغناء" فيحاورها ليترك للمتلقي حق المشاركة في تقييم موقفه العاطفي ليكون بعد ذلك له حق المشاركة في ذلك الاحساس، أو بمعنى مقابل، يطلب من المتلقي انصافه من خلال عرض قضيته الشعورية بحيادية.
ونستدل مما عرضناه هنا على نمط شائع في شعره والأمثلة كثيرة على ذلك "وادي الضباب ماء غزيز سكاب نصك سيول والنص دمع الأحباب" و "هيمان حتى لو سكنت السحاب، لأصبحت قيعان فيها سراب".
2- تفعيل التراث:
ويمكن تبسيط هذا النمط من خلال العرض لكيفية أخذ المتداول والذائع في الذاكرة الشعبية والجمعية أكان ذلك في الأهازيج والمهايد، أم كان ذلك في الأمثال والحكم، ثم تفريغه من المألوف والمأثور وملئه بمدلولات جديدة على المستويين اللغوي والإيقاعي، من ذلك مثلاً قوله:
"مهما يلوعني الحنين شاصبر وراعي لك سنين" فلحن هذه الأغنية ـ ونحن لا ننسى هنا شهادة الفنان الكبير/ أيوب طارش بدور/ عبدالله عبدالوهاب نعمان في وضع ألحانه لأغانيه ولا سيما تلك التي من كلماته ـ وذلك الإيقاع يتناص مع ذلك الترديد الشعبي لتلك المغاني التي ترددها النساء حال قيامهن بالطحين بالرحى.
ولا يخفى على متأمل هنا كيف أصبح لهذه الأغنية ايقاعها المتميز على الرغم من كونها امتداداً في ذلك الموروث، ولا يقف الأمر عند البناء الإيقاعي على منوال الموروث، فهو لا ينسى التجديد والتحذيف نحو فعله في أغنيته الذائعة:
"أذكرك والليالي غامضات النجوم والسما مستضيفة ساريات الغيوم
والقمر قد توارى في السحايب يعوم والهواجس بقلبي ساهرة لا تنوم
أذكرك والرياحين يسكبين العبير والمنى كالفراشات ملء روحي تطير
فوق طيفك وطيفك في خيالي أسير
أذكرك والحمايم يسجعنك لنا والندى والبراعم يسمعنك غنا
والعيون الحوالم يحملنك رنا
أذكرك وأنت نايم ملء عينك هنا حين يكون كل هايم نام إلا أنا"
لقد حرصت أن آتي بالنص الغنائي لأقرب للمتلقي وجد التناص التراثي بين هذه الأغنية الذائعة في بنائها الإيقاعي وبين ذلك الترديد الشعبي:
"ليلبه ليلبه ليل والليل دنا" وهو هنا يتكئ على ما في ذاكرة المتلقي المتصل بالتراث من تناغم هرموني.
وهكذا بين ألفة البناء الإيقاعي والتشكيل الدلالي يحلق الشاعر بأرواحنا في آفاقٍ ثرية المعنى ثرية الدلالة.
ولك أن تنظر في أبعاد هذه الظاهرة في عدد من الأغاني منها:
"مهلنيش بين الهنا والأفراح"
لو أنه استعاد ايقاعها مع نفسه لسمع في ثناياه صدى ذلك الترديد الشعبي الأشبه بالحُداء :
"شدوا الجمال ما عادناش جمَّال طاحين جنوبي من شدود الأحمال".
وفي أغنية "جنحت واجناحي حديد لا ريش" صدى ايقاع ذلك الترديد الشعبي:
"بالله عليك أمانتك تقله..." و"بالله عليك واطير وارمادي".
وهذا ما نعنيه بتفعيل التراث، وكأنه أفرغ الذاكرة وأعاد شحنها.
3- تفصيح المفردة العامية:-
ويمكن تبسيط هذا المفهوم وهذا النمط بأنه التقاط المفردة العامية ومنحها من الخصوصية السياقية ما يجعلها في مصاف المفردة الفصحى، وذلك يزرعها في سياق تجاور فيه المفردات الفصيحة، أو أخذ مفردات فصيحة متداولة مع عدم ضبطها وفق القواعد النحوية نحو قوله:
"لاجل عينك واحبيب القلب شكرم ألف عين أسمر وداري قلوب قد حبين لكن نسين"
وقوله :" مضى عام وأيام تليها تذكرني بداية حب فيها"
على ما في وضوح المفردات حتى لتكاد أن تكون صورة صادقة للشعور الذاتي لدى الشاعر أو المتلقي، نجد ذلك الخيط الرفيع بين قوله:
"دق القاع دقه لا تمشي دلى واعط القلب حقه من دنيا السلا"
وقوله :" روح لك بعيد ماعادناش لك من بعد ماغيري سطا وشلك"
فعلى قرب هذا السياق مما عرف به الشعر الحميني من تسكين للمفردة وعدم ضبطها نحوياً، تتجلى خصوصية "الفضول" في كونها لا تبني الأغنية على نسق الموشح وإن جاء شيء منها قريباً من ذلك، فبعفوية وتلقائية دالتين على أن نبع الشعر هو التقاط نبض واقعه بأسلوبه السهل الممتنع، وهو من المواطن البسيط وإليه، يأخذ الكلمات من أفواه البسطاء وتداولاتهم اليومية ليعيدها إليهم مغناة ترفل في حلة الموسيقى.
ولقد يقول قائل ما إن ذلك فعل كل الشعراء الغنائيين، كل بلهجته وتأثير بيئته وخصوصيتها، إلا أن "عبدالله عبدالوهاب نعمان" على التقاطه لخصوصيات بيئته فإنه لا يغلق نصه الغنائي عليها، فمفردات نسيجه الغنائي يمكن الاستماع إليها في عموم البيئات وفي مختلف أصقاع الوطن العربي دون أدنى مبالغة في ذلك القول، فهي واضحة الإيقاع والمبنى، بل لاأشك أن مستمعاً عربياً لا يفهم تلك الغنائيات ولا يطرب لها، حتى وإن كان سماعه لها لأول مرة نحو قوله:
ابحت لك روحي فكان ذنبي ربطي لحبلي في الهوى بحبلك
والملاحظ في قوله: "سطا وشلك" تجاور مفردة مغرقة في معجميتها وهي المفردة "سطا" مفردة لها نسغ معجمي، على الرغم من تداولها حد الاستهلاك، وهي مفردة "شلك" إلا أن النسق الذي وردتا فيه منحهما تجانساً معنوياً معبراً، وتلك هي روح الفنان وتمكنه من أدواته.
تميت لي روحي ألم وتجريح ظنيتني شبكي عليك واصيح
خليك طريح مكبود ينفخك ريح ماسخاش بدمعي يستكب لمثلك
حتى لتغدو كلمات أغانيه حكماً وأمثالاً تدور على كل لسان دوران الشمس في فلكها



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."