المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
"أسرار الصندوق الأسود": خبايا العمليات الفدائية بين دفتيّ كتاب

 
 
رشا عبدالله سلامة
 
 
  لطالما احتبست أنفاس المتابعين وتسمرت أعينهم على شاشات التلفزة بينما كانوا يتابعون بترقب مستجدات عمليات فدائية فلسطينية هزت بقاع المعمورة في سبعينيات القرن المنصرم تحت شعار "وراء العدو في كل مكان".. عمليات مُهِرت حينها بتوقيع الفدائيين الفلسطينيين جورج حبش ورفيقه وديع حداد، وباقي أفراد تنظيمهما الثوري الذي حمل اسم "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين".. الصحفي اللبناني غسان شربل اختار بعد عقود من تلك العمليات أن يكشف خباياها بين دفتي كتابه الأخير "الصندوق الأسود".
 
فرادة الكتاب لا تنبع من كونه يوثق لمرحلة غاية في المفصلية في مسار القضية الفلسطينية فحسب، بل لأنه يقوم على مجموعة من المواد الصحفية التي دأب شربل على نشرها على شكل حلقات في جريدتي "الوسط" و"الحياة"؛ ما أكسب المحتوى هالة من الحيادية والموضوعية التي تُعنى بالتقاط الحقائق من عرين أسودها، وليس على هيئة مذكرات يكتبها أصحابها وحدهم أو شهادات من مستهدَفين في تلك العمليات الفدائية.
 
الفصول الأربعة التي خصصها شربل لحداد وحبش وكارلوس (سانشيز) وأنيس النقاش، لم تترك خيارا للقارئ إلا أن يقارن بينها، لاسيما وأن الأسئلة ذاتها تقريبا كان يطرحها شربل على الشخصيات كلها أو رفاقهم الأقربين، وإن كان يوجهها بمسار يود هو استباقيا الوصول إليه كما يتضح في كثير من التوطئات التي وضعها لفصوله، ليخلف انطباعات شبه مباشرة لدى القارئ عن كل منهم، فحداد "الرومنسي الديناميكي" وحبش "المفكر والقائد" وكارلوس "المراهق السياسي" والنقاش "المرهون لدى أكثر من جهة استخباراتية".
 
ولعل من أبرز ما قد يعن على البال أثناء قراءة "أسرار الصندوق الأسود" البون الشاسع ما بين الجيل الفلسطيني والعربي في مطلع سنوات القضية الفلسطينية وما بين حاله الآن؛ إذ يسلط الكتاب الضوء على المرحلة التي اختمرت فيها توجهات كل من حبش ووديع وهي المرحلة الجامعية التي تبلورت فيما بعد بتأسيسهما حركة القوميين العرب بمشاركة رفاق من دول عربية عدة، ولتنبثق فيما بعد من رحم هذه التوجهات "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" وما تعنيه من خط نضالي يؤمن بالكفاح المسلح وسيلة لاسترداد الحقوق. كذلك هي القاعدة الجماهيرية العربية التي كانت تتسم بوعي سياسي واهتمامات قومية راهن عليها الثوار حينها لمساندتهم، والتي باتت مندثرة الآن بفعل الموجة الدينية الكاسحة التي غمرت الإرث السابق برمته، بل وباتت تنعته باللا مجدي. مع أن شربل سعى في ثنايا كتابه إلى الربط بين عمليات القاعدة بزعامة أسامة بن لادن وبين ما سبقها من عمليات فدائية فلسطينية، لاسيما في مقابلات كارلوس، الذي سعى هو الآخر لتمجيد بن لادن ومبايعته، على الرغم مما قد يتركه ذلك من آثار وانطباعات لا تصب في خانة النضال الذي رسخه حبش وحداد؛ إذ لا مجال للمقارنة بين مبدأ الجبهة في مطاردة العدو الإسرائيلي وإضعاف مصالحه ونخر قواعده وبين غوغائية بن لادن وتنظيمه الذي يضرب لأهداف ضبابية تدور في جلها حول حلم إحياء الخلافة الإسلامية.
 
واختار شربل لمقدمة قوية ونهاية أقوى كل من حداد وحبش، جاعلا كارلوس والنقاش بجدليتهما في قلب الكتاب. ولعل من الملاحظ  بقوة أنه ترك متسعا كبيرا لإنصاف حداد الذي صوّره الغرب  ب "مايسترو الإرهاب والإرهابيين"، مدافعا عنه بأسلوب مباشر في لحظات ومبطن في آخر، لاسيما عندما كتب توطئة دافئة عن حياته ونضاله ونزاهته المالية ونبذه التجييش العلني وظواهر النجومية التي سقطت في براثنها كثير من رموز المقاومة الفلسطينية.
 
جهد صحفي لافت ذلك الذي قدمه شربل في كتابه؛ من حيث استطلاع خفايا وأسرار مرحلة نضالية بالغة الأهمية والخطورة، ولكونها تثير شجنا خاصا لدى الفلسطينيين عن ثورة خبى بريقها على حين غرة، بعدما كان مناطا بها إحياء الآمال المتكسرة على وقع النكبة ومن ثم النكسة.
 
و في هذا السياق، يجدر التنويه إلى نقطتين إحداهما التحقيقات الاستقصائية الهزيلة في العالم العربي في مقابل أخرى غاية في القوة والأهمية والتأثير في العالم الغربي، ما يجعل من نماذج الصحافة الاستقصائية التي قدمها شربل في كتابه نوعية فريدة من حيث الجدوى الإعلامية؛ إذ تكشف أسرارا وخفايا تنشر للمرة الأولى عن تلك العمليات، ومن حيث التنويه الذي قدمه بأن هذه النماذج الاستقصائية استنزفت أسفارا كثيرة منه إلى جانب تكلفتها المادية التي أمّنتها صحيفة "الحياة"، ما يضع جل وسائل الإعلام العربية لاسيما الصحف منها أمام سؤال حجم الميزانية المخصصة للعمل الصحفي الاستقصائي، إلى جانب سقف الحرية المتاح له وللنتائج التي قد يتمخض عنها.
 
الشق الثاني يحمل تساؤلا عن الدافع الذي أيقظ معظم الوسائل الإعلامية العربية المسموعة والمقروءة لنبش أجندات الثورة وخباياها، على الرغم من كون القضية الفلسطينية تبعد الآن شأوا بعيدا عن ذلك المنهاج الذي سارت عليه أيام العمل الفدائي، ما قد يحتمل أحد تفسيرين؛ فإما أن يكون ذلك متعمدا للربط الجائر بين مصطلح الإرهاب الفضفاض الذي ثمل منه العالم بعد هجمات الحادي عشر من أيلول وبين الثورة الفلسطينية التي قامت على أسس نزيهة وعادلة، أو أن يكون الدافع هو إعادة تسليط الضوء على بعض أخطاء الثورة الفلسطينية لتنفير من تبقى من المتحمسين لها كي ينضموا إلى جوقة التطبيع.
 
عملية مطار اللد، عملية "أوبك" والتابلاين، عملية عنتيبي ومقديشو واستهداف طائرات "العال" في كل مطارات العالم، وغيرها كثر من العمليات الفدائية على أرض الوطن المحتل والمنفى كانت مادة دسمة للنقاش والحوار في "أسرار الصندوق الأسود"، لتؤرخ رغم تحفظ البعض عليها، لحقبة من التاريخ النضالي الفلسطيني الذي أبى ساسته حينها التعاطي مع عدوهم الإسرائيلي بمنطق تسول الحق والمسكنة، بل بمنطق قوة وغلظة، رافعين شعار "ثورة حتى النصر". 



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."