رشا عبدالله سلامة كم هي قلوب الإسرائيليين مفعمة بالطيبة والرومنسية، وكم تضج بالإنسانية والنبل لاسيما عندما يتصدون للدفاع عن الفلسطينيين... تلك بعض من الرسائل التي يرنو الفيلم الهوليودي الجديد "الرقص مع بشير" إلى إيصالها للمشاهد، بعد 61 عاماً من اغتصاب الصهاينة لفلسطين، و26 عاماً من مجزرة صبرا وشاتيلا التي لم تكن غير واحدة من المجازر التي ثَمِل فيها العالم على صرخات الفلسطينيين ودمائهم. كان مخرج الرقص مع بشير (آري فولمان)، مجنداً في صفوف الجيش الإسرائيلي الذي أشرف على مذبحة صبرا وشاتيلا، و التي اقترفتها الكتائب المارونية بحق الفلسطينيين العزل في لبنان، الأمر الذي جعل ذاكرته تمحو تلقائياً مشاهد تلك المذبحة وإرهاصات اجتياح بيروت في العام 1982، حتى شكى إليه أحد أصدقائه المجندين - منذ وقت ليس بالبعيد - أن كابوساً يطارده منذ أيام الاجتياح تلك، ويتمثل في 26 كلباً مسعوراً يلاحقونه، بعد أن قتل 26 كلباً في اجتياح إحدى المناطق اللبنانية، ما حدا فولمان لإعادة استنطاق الذكريات عبر شهادات حية حصل عليها من زملائه في تلك الحرب. الفيلم، الذي ارتأى مخرجه أن يقدمه للجمهور عبر لقطات كرتونية، يمزج الفن بالوثائقيات، غير أنها لم تكن سوى وثائقيات مبتورة لحقيقة الفظائع التي حاقت بالفلسطينيين حينها، مع تجميل فج للنفسية والعقيدة العسكرية الإسرائيلية، التي تدّعي أنها لو كانت تعلم ما تخطط له الكتائب لما سمحت بحدوث المجزرة حينها. الكتائب ليست بالبريئة إطلاقا، فأياديها ملوثة بدماء الفلسطينيين على مر التاريخ؛ ولعل مقولة بشير الجميّل ذات مرة بأنه سيسعى لتحويل المخيمات الفلسطينية في لبنان إلى حدائق للحيوانات وملاعب للتنس، لهي أوضح دليل على حجم الحقد غير المبرر، والذي ما كانت المقاومة الفلسطينية في لبنان سوى شماعة تعلق عليها الكتائب جرائمها ضد الفلسطينين؛ وليس أدل على ذلك من حقيقة أن لقاءات الجميّل مع جنرالات إسرائيل وزعمائها كانت قبل أن تعرف الثورة الفلسطينية طريقها إلى لبنان، غير أن كل ذلك لا يبرئ البتة الإسرائيليين من تاريخهم الملطخ بل والغارق بدماء الفلسطينيين منذ ما قبل احتلالهم رسميا وحتى اليوم. من يشاهد الفيلم يفهم السر في سعة الصدر الهوليودية المفاجئة، والتي جعلتها تعرض فيلماً يتطرق - ولو بلمحة - للمأساة الفلسطينية، إذ أن عوامل عدة أسهمت في تقبل ذلك، منها: ربط المذبحة التي تعرض لها الفلسطينيون في صبرا وشاتيلا بالمحارق النازية التي تعرض لها اليهود على أيدي النظام النازي، ما يعد فرصة لليهود لتذكير الغرب بذنبهم حيالهم والاستمرار في إحراجهم معنوياً في سبيل نيل مزيد من التعاطف والدعم منهم. إلى جانب أن في الرواية الإسرائيلية للمذبحة أنسنة للكيان الإسرائيلي ومجنديه، فمشهد الضابط الإسرائيلي الذي تدخل في منع قتل عائلة فلسطينية على أيدي الكتائب، إلى جانب تمرير مشاهد قليلة من المذبحة هما ادعاء إسرائيلي واضح لهذه الإنسانية المزعومة. أيضاً يخفي الفيلم الرسالة التي دأب الجيل الإسرائيلي الجديد على ترديدها لقيادته تصريحاً وتلميحاً عبر أعمال سينمائية مسمومة عدة، منها "ميونيخ" و"لا تعبث مع زوهان"، و الرسالة هي لوم القيادة الإسرائيلية على زج المجندين - لاسيما اليافعين - منهم في صراعات دموية مدمرة أكسبتهم من العقد والاعتلالات وكره العالم ما يكفي. أيضاً، مشاهد كثيرة تم فيها التصوير الكاريكاتيري المعتاد للفلسطينيين والعرب، منها مشهد يتم فيه تصوير الفدائيين بأنهم أناس يجعجعون و يقضون حاجتهم وسط العوام. مع ذلك يحوي الفيلم اعترافاً شبه ملحوظ بوجود مقاومة فلسطينية للقوات الإسرائيلية. وفي تعزيز للصورة الهوليودية عن العرب، هناك تصوير لمنزل عربي على أنه يعج بالذهب والرخام والديكورات الفارهة ووسائل الانحراف الجنسي، في وقت تم فيه تحاشي تصوير المخيمات الفلسطينية في لبنان، والتي هي نتاج ما اقترفته الأيدي الإسرائيلية بحق الفلسطينين منذ بداية النكبة. ليس "الرقص مع بشير" الفيلم الأول، ولا العمل الفني السباق الذي يزعم فيه الإسرائيليون أو يتظاهرون بأنهم يسعون لتبرئة ذمتهم وإراحة ضمائرهم من "خطية" الفلسطينيين، غير أن النتيجة لم تكن يوماً غير صورة عرجاء مشوهة لحقيقة الظلم التاريخي الذي وقع تحته الفلسطينيين، وتقزيم لمأساتهم المختزلة إسرائيلياً ببضعة مشاهد تدس السم بعسل الإنسانية المزعومة، ولعل مما يبعث على الأسف هو أن الحيل الإسرائيلية الآنفة باتت تنطلي على كثيرين حول العالم لاسيما في ظل غياب أو غيبوبة الكاميرات العربية العاجزة عن المنافسة.