مصطفى بشارات
كان ذلك في آخر يوم من أيام العزاء الثلاثة، وكانت الشمس تغادر صفحة الأفق؛ لكن دون بقايا أشعتها الذهبية ما أغنى المعزين عن إنارة الضوء الكهربائي، وعادة ما يقيم القرويون بيوت العزاء صيفا في فرندات واسعة ومفتوحة أمام نسائم الهواء الطلق.
يومها؛ أو في تلك الساعة بالتحديد، غدا أصحاب الفقيد جاهزين للتحلل من حالة الحزن التي تلبستهم؛ أو لبسوها، وكان كل منهم مستعدا لإلقاء ما اختزنه في جعبته من نكات، تعليقات، ومغامرات.. ولم يستغرق الأمر لعمل ذلك سوى لحظة حددها ذلك الذي بدأ بالكلام أولا.. وهنا كان محمد صاحب المبادرة؛ فبعد أن أرخى ظهره الذي كان يسنده إلى كرسي بلاستيكي أسند بدوره إلى حافة جدار " الفرندة " الطويل__ ابتسم، نقب منخريه بإصبعه السبابة؛ ثم مط رجليه اللتين كان يضعهما بصورة زاوية قائمة، وقال:
علينا أن نعترف بأننا ظلام، وأننا مهما عملنا فلن نجزيهن لقاء كل الصبر والمتاعب التي تحملنها معنا طوال هذه السنين من حياتنا الشاقة.ضحك خالد؛ فاهتزت مع قسمات وجهه لحيته الكثة وشعره الأشعث، وكشف عن أسنان نخرها السوس؛ أو اصفرت من كثرة تدخين ( الهيشي )؛ ثم رد مؤكدا:
… أكثر من ذلك؛ فحتى بعد أن نغادر البيت لنجلس مع فلان أو علنتان، ونترك لها تولي جني ما بقي من محصول، رعاية شؤون الأولاد وإعداد الطعام__ نعود في آخر الليل محملين ببعض الهدايا التي نكسب بها قلوب الصغار؛ فيما نترك لها، وهي التي هدها التعب من كثرة العمل، مهمة إنقاذنا من سياط الشبق الذي يتقد بداخلنا.
ترى. هل هي يقظة الضمير الذي تكلس وصدئ؛ فكان عليهما أن يعترفا كي ينفضا ما غطاه من غبار السنين؛ أم هي خلاصة تجربة كان عليهما أن يتحللا من وطأة ثقلها في عمر شارف خريفه على نهايته؟؟!!