محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
عود في كومة من القش
" الصحافة هي التي تنشىء البرلمانيين كما انبثقت فينوس من زبد الأمواج "
( كتاب كفاحي لأدولف هتلر )
" الاغراء ليس فيما تراه؛ بل فيما تتخيله "
( رواية احدى عشرة دقيقة لباولو كويليو )
قبل فترة، وأنا أتصفح مدونة أحد الأخوة الجزائريين، تعثرت بمقالة لرئيس تحرير احدى الصحف العربية؛ ولطرافة المقالة اختارها صاحب المدونة لتكون بمثابة " حكمة اليوم " في مدونته، وطالب ذلك الصحفي في مقالته باغلاق الفضائيات العربية، وكانت حجته الصورة السلبية التي تعرضها هذه المحطات للانسان العربي، ويظهر فيها دائما: اما مشردا؛ متخلفا؛ وعاجزا؛ أو بهيئة " ارهابي "؛ " منتحر "؛ يطالع المشاهدين بصورة مخيفة وهو مقنع يتلو وصيته قبل أن يمضي ليفجر نفسه؛ أو وهو يحتجز رهينة سيواجه بعد فترة خطر " جزّ " عنقه بطريقة " مقززة " !!
لست هنا مع صاحبنا رئيس التحرير هذا فيما ذهب اليه من تعميم أخذ فيه " الطالح بعروى الصالح "؛ ولأن في طلبه دعوة مبطنة لليأس ومن أجل التعتيم الاعلامي، وشكل من أجل تكريس القمع الذي عانى ويعاني منه الآلاف من المواطنين العرب؛ ما دفع كثيرا من مثقفيهم لانشاء تلك المدونات التي كانت، وبجدارة، شخصية العام 2006، وسأعود في موضع متأخر للحديث عن هذه الـ " Blogs "؛ لكني أرى أن دعوة الصحفي المشار اليه تعكس جانبا مهما من المشاكل التي بدأت تخلقها بعض الفضائيات العربية فيما تقدمه من برامج؛ فعوضا عن أنها أصبحت تقدم المسؤول الاسرائيلي؛ حتى لو كان مجرم حرب؛ باعتباره " صاحب حق ووجهة نظر "؛ فانها، وهنا أرجو أن لا أقع في خطيئة التعميم، أصبحت وسيلة لاثارة النعرات الطائفية؛ المذهبية؛ العرقية..الخ من بؤر التوتر التي لا يحتاج وطننا العربي المزيد منها!!
احدى تلك الفضائيات بثت خبرا مفاده أن ايران حشدت قوات في الجانب العراقي من الحدود مع السعودية بهدف نقل الاضطرابات للمملكة؛ علما أن صاحب أدنى اطلاع في السياسة يدرك جيدا أن اثارة القلاقل من قبل دولة في دولة أخرى لا يكون بتلك الطريقة الساذجة والمكشوفة؛ ومع ذلك تكرر الخبر في يوم آخر، واحتل موضعا متقدما بين أخبار الصدارة، وجاء ذلك غداة كم هائل من التغطيات الاعلامية التي جرت لعملية اعدام الرئيس الشرعي للعراق صدام حسن، وما واكب تلك العملية الهمجية من ردود فعل غاضبة في العالمين العربي والاسلامي بسبب توقيتها والطريقة التي تمت فيها، والملفت أن تلك التغطيات الهائلة؛ حملت بالقدر ذاته كما هائلا من الشحن الطائفي والمذهبي؛ وهو شحن أظن أن العرب والمسلمين في غنى عنه؛ ولا يخدم الا أعداءهم!!
في سياق متصل؛ أصبحت البرامج " الفضائحية "، وتلك التي يبدو فيها المتحاورون كلاعبين في حلبة مصارعة – أصبحت " موضة " دارجة هذه الأيام؛ تتابع البرنامج من أوله الى آخره دون أن تفهم أي شيء، ولا تسمع غير الشتائم والاتهامات بالعمالة للأجنبي؛ أو الارتهان لسلطات البلد الحاكمة؛ وفي النهاية تكون مع نتيجة مضللة هي رأي الجمهور الذي أجاب على سؤال أعده المذيع بطريقة لا تحتمل الا تلك الاجابة، وفي رأيي فان تلك البرامج أكثر ما تكون بعدا عن هدف عرض وجهة النظر ووجهة النظر الأخرى؛ فما بين تلك الوجهتين أو الجهتين؛ هناك وجهات نظر أخرى أو جهات أخرى؛ من غير الأمانة الصحفية تغييبها؛ أو تعمية العيون عنها؛ والزعم أن ما تم كان موضوعيا!!!
الى ذلك؛ هناك دور سلبي مماثل وكبير تلعبه تلك البرامج التي تقدم على أنها وثائقية؛ أو كشفا جديدا لمجهول طواه النسيان؛ فهي في الحقيقة " لا وثائقية ولا ما يحزنون "، " ولا كشف جديد ولا ما يزعمون "؛ بل صور منتقاة بعناية ومركبة بطريقة فائقة، وما يعرض فيها ليس الا عود في كومة من القش؛ وتلك الكومة كبيرة كبر جبال الهملايا، وتخبىء في داخلها كما هائلا من الفساد، التخاذل، العجز، الفقر، التبعية، التخلف، وغيرها من " البلاوي " التي يرزح المواطن العربي " الغلبان " تحت وطأتها!!!
مشكلة هذه البرامج الأخيرة أن أصحابها يمكن أن يكونوا " مقاولين " وآخر شيء " صحفيين "؛ وهم لا يبحثون في حقيقة الأمر عن الحقيقة؛ بل عن الشهرة عبر أقصر الطرق؛ لذلك يركزون على كل ما هو مثير وله بريق؛ أخّاذ؛ ويخطف الأبصار؛ فهناك حديث كثير، وصور كثيرة عن جحافل " الكتائب "، وعن كم هائل من السلاح والصواريخ – خصوصا عندما يتعلق الأمر بفصائل المقاومة الفلسطينية – والنتيجة: خداع المشاهد؛ اذ يبدو له الأمر كما لو أن الفلسطينيين شكلوا جيشا جرارا " أوله في غزة وآخره في تل أبيب " وعاد هذا الجيش مكللا بالنصر، " وليس هناك احتلال ولا محتلون "، وتشكلت حكومة الوحدة الوطنية وتم القضاء على الفلتان الأمني؛ أما في العراق فلا تتحدث تلك البرامج الا عن " المقاتلين العرب " وكأن العراقيين خلو من النخوة وروح المقامة، وتظهر هؤلاء المقاتلين وكأنهم قاب قوسين أو أدنى من دحر الغزاة، ولا تبدو في المشاهد أية صورة لمئات العراقيين الذين يسقطون يوميا ضحايا لتفجيرات يقال الكثير عن هوية ومذهب منفذيها؛ بينما يبدو المحتل بصورة الحمل الوديع؛ أو كالبريء براءة الذئب من دم يوسف!!!
.. وحتى لا أنسى موضوع المدونات العربية؛ فهي بحق بصيص الضوء الذي يكاد يكون وحيدا ومرشدا وسط هذا الكم الهائل من ترهات كثير من وسائل الاعلام العربية التي سقطت في فخ، ولا أقول مؤامرة، ممارسة ذات الدور الذي مارسته علينا آلة الاعلام الغربية؛ حينما دأبت على تضخيم الكثير من مشاكلنا؛ فجعلتها بحجم وخطورة أسلحة الدمار الشامل التي زعم أن صدام حسين كان يمتلكها؛ فتلك الوسائل أصبحت تستخدم بريق الصورة، وايقاع المؤثرات الصوتية؛ لتسفيه وتسطيح وعي وذوق الانسان العربي؛ والا فما بال وعي الانسان العربي في تراجع مستمر مع أن الأعوام العشرة الماضية شهدت انطلاق مئات الفضائيات العربية؟؟!!
المشكلة هي أن تلك الفضائيات لم تنتقل لتمارس دورها كمنبر حر يستوعب الآراء المختلفة حول أنجع السبل الكفيلة بحل القضايا العربية؛ وما تقوم به هو اعادة انتاج للاعلام الرسمي العربي؛ لكن بصورة جديدة تم " منتجتها " بعناية، واضافة ما يلزم من مؤثرات اليها؛ كي تقوم بتنفيس احتقان المواطن العربي؛ كما لا تزال هذه المحطات حكرا على فئة بعينها من المذيعين والمعلقين؛ بينما تغلق أبوابها في وجه الصحفيين والمثقفين الحقيقيين، وأصحاب الرأي الثالث؛ ذلك الرأي الذي يعتد به، وهو موجود بقوة في عالمنا العربي، وما هذا الكم الهائل من المدونين العرب، والمدونات العربية على الشبكة العنكبوتية؛ الا أكبر دليل على ذلك؛ فلو أن هؤلاء وجدوا منبرا حرا يعبرون فيه عن آرائهم، آمالهم، وطموحاتهم؛ لما ذهبوا الى تلك المدونات التي لا تغني ولا تسمن من جوع، ولا يأتيهم من ورائها الا عسف السلطة ومصاريف جديدة بسبب طول فترة استخدام الانترنت؟!!
اخيرا؛ فان ما ذكرته لا يعني بأي حال من الأحول التعميم؛ فالأخير احدى الآفات التي أوقعت عالمنا العربي في الكثير من مشاكله الراهنة ولا تزال، وهو ليس مدعاة للتشاؤم؛ فهناك برامج كثيرة يعتد بها – " شرفات " في محطة العربية، " يحكى أن " في الجزيرة، و " خليك في البيت " في المستقبل..الخ؛ بل هو محاولة لطرق الخزان؛ أو لقرع جرس الانذار؛ علّ هذا الماء الراكد يتحرك؛ فالأمة العربية والمواطن العربي يستحقان اعلاما يكون بمستوى عظمتهما: أما آن لأصحاب السلطة الرابعة أن يترجلوا عن خيولهم؟؟؟؟!!!!
وما غايتي الا: الحرية، الحق، الخير، والجمال..
|