المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
لغة الجسد

 
التعبير بالجسد أو الرقص من أقدم فنون التعبير عند الإنسان، فالرقص أقدر وسائل الاتصال بين الناس، وهذا ما تؤكده الآثار الباقية والرسوم التي عبر فيها القدماء عن معتقداتهم وتفاصيل من حياتهم اليومية. وتعتبر المرأة في التاريخ المعبود الأول فهي في معتقدات قديمة أول من رفعت الإنسان من رتبة الحيوان عندما بدأت  أول مجتمع آدمي، ونظراً لهذا الدور ودورها في الحياة اعتبرها إنسان العصر الحجري الأجدر بالعبادة، وعاملها معاملة الآلهة. وللتعبير عن هذه العلاقة الروحية بين الإنسان والمرأة «الإله» مارس الإنسان أول طقس ديني يعبر عن علاقته بمعبودته وهو الرقص، فيتجمع العابدون حول المرأة الكاهنة في شكل حلقة، ومن خلال وسيط الرقص تتصل الكاهنة بروح الكون، وتلك أول صلاة يعرفها الإنسان.
 وعبر التاريخ وفي كل بقعة من هذا العالم سكنها الناس، كانوا يتصلون بآلهتهم بواسطة الرقص، ومن طقوس المعابد الوثنية إلى رقصات المتصوفين في تجلياتهم، ومن الرقصات الهندوسية والإفريقية إلى اهتزازات أجساد المنشدين عند غناء المدائح النبوية، ومن تمايل مرنمي التراتيل في الكنائس، وترنح منشدي التوراة في الهياكل إلى هز الرؤوس عند المقرئين أثناء تلاوة القرآن. وهز الجسد وتمايله فيه إمتاع يسري عن النفس همومها وكدرها ويجلب السعادة , والمتعة تعتبر جزءاً من الطقوس الدينية، وفي الرقص متعة للجسد وإشباع للروح، وإمتاع للآخرين. وفي حركات الجسد تعبير عن حالات نفسية مختلفة وبث إحساس متدفق، والمرأة بجسدها اللدن، أكثر قدرة من الرجل على التعبير بأدق الأحاسيس. وعن تجربة مشاهدته لإحدى رقصات تحية كاريوكا عام 1950 يقول إدوارد سعيد إن جمال رقصها ينبع من ترابطه ومن الإحساس الذي تبثه عبر جسد لدن متسق وبديع تتموج من خلاله سلسلة معقدة ولكنها زخرفية من الحجب المصنوعة من الشاش والأستار والعقود وشرائط الذهب، وكانت الحركات تجسدها عن سابق قصد. ويصف سعيد هذه الحركات : كانت على سبيل المثال تقف وتأخذ في هز ردفها الأيسر ببطء، وأثناء ذلك تواصل التحديق في الأجزاء المتحركة، وتثبت أنظارنا عليه، كأننا نشاهد دراما صغيرة، منفصلة بالغة الانضباط إيقاعياً كان رقص تحية أشبه بأرابيسك يمتد بلا نهاية! أما الصحافي مصطفى أمين فيصف في تجربة مشاهدة أخرى رقصة لسامية جمال: كانت ترتدي ثوباً يكشف عن مفاتن جمسها الخمري، وكان شعرها الأحمر يرقص على أنغام الموسيقى، وكانت العيون كلها تلف وتدور معها، وهي تتقدم وتتأخر بينما يتماوج جسمها وكأنه جزء من الأنغام والألحان. وفي الاحتفالات الدينية القديمة كانت المرأة تصرخ بصوت مفعم بالإثارة وتعزف على المزمار في هذه الاحتفالات عند تقديم الشكر للآلهة، ويأخذ الرجال بالغناء والتصفيق لكي تبدأ النساء بالرقص تقرباً من الآلهة. ومن مظاهر الاحتفالات الدينية الفرعونية في احتفالات الآلهة حتحور، تقدم القرابين والنذور التي ترمز للأعضاء الجنسية بمصاحبة عزف على آلة الصلاصل التي تستخدم في تلك الاحتفالات، ثم ترقص فتاة على أنغامها، ولم تكن الراقصة ترتدي شيئاً باستثناء حزام رفيع حول خصرها يتكون من حلي مجوفة تحتوي على حجارة صغيرة تصدر أصواتاً مثيرة كلما هزت وسطها. لقد ظل الرقص في معظم الحضارات جزءاً لا يتجزأ من معظم العبادات، فقد نشأ في اليابان والصين في أحضان المعبد وكذلك في الهند حيث كانت ممارسته كطقس ديني مقصورة على الكهنة وأيضاً في دول شرق آسيا، وفي افريقيا فالرقص مرتبط بكل المناسبات الدينية. ومن الاعتقادات القديمة أنه أذا قامت عذراء عارية بأداء بعض الرقصات الشعائرية في الحقول وقت الربيع عند الفجر فإنها تقتل الآفات الزراعية. ويتسم الرقص الديني بالبساطة والحركات المحدودة ولا يهتم بالتكنيك والحركات المعقدة مثل الرقص الغربي الذي ظهر في أوروبا في عصر النهضة «وما يعطي هذا الرقص قوته هو العاطفة التي يشعر بها الراقص والتي تنشأ عن تكرار هذه الطقوس ويتأكد ذلك إذا تأملنا حركات رقص حلقات الذكر التي يؤديها المنشدون أو حركات الزار». وقد خاضت الديانتان اليهودية والمسيحية معارك طويلة ضد الرقص، فقد حاربت التوارة كاهنات وراقصات المعابد القديمة، وحرمت الاتصال بهن، والمسيحية اعتبرته عملاً من أعمال الشيطان ووسيلة سحرية لاستحضاره. وفي الإسلام طارد الفقهاء التقليديون رجال الصوفية بفتاواهم ولايزالون. لكن الرقص الديني مازال موجوداً إلى اليوم وبقوة وتحول إلى حركات رمزية بالأيدي والرأس يمارسها الحاخامات ثم القساوسة والشيوخ بعد ذلك.. أو إلى حركات بسيطة بالأيدي تمارس أثناء أداء مزامير داوود، ثم أثناء التراتيل الكنسية والمدائح النبوية.



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."