المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
اعترافات على اسوار الصمود

اعترافات على أسوار الصمود بين الاعتراف والمراجعة والاعتذار حتى التوبة ليس مجرد بوح ، وليست مجرد فضفضة .. وإنما هي مراجعة ذاتية واجبة .. ربما تكون مراجعة ذاتية لجيل كامل تكونت قيمه وأفكاره ورؤاه بطريقة معينة ووفق معطيات عصر معين ، وليكن عصر ما قبل انفجار الثورة الإعلامية الهائلة ، وشاء القدر أن يعيش ملامح عصرين مختلفين وهو في سن تفرض عليه أن يكون في كامل فاعليته وقدرته على العطاء والتعاطي مع الأحداث ، وقد تكتسب أهميتها من ذلك .. وربما تكون مراجعة ذاتية فردية تعبر عن مجرد الذات .. لكنها في النهاية تبقى اعترافات ومراجعات حركها زلزال الأحداث القريبة الماضية .. ولاشك أننا أبناء ثقافة تعلي من شأن المراجعة ، وترفض المكابرة بالخطأ ، وتقر الاعتراف به فيقول المثل الشعبي : الاعتراف بالخطأ فضيلة .. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم مقرا بأن رؤيته الآنية أفضل وأكثر صوابا مما ارتآه سابقا في أمر نسك الإحرام بالحج : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت لسقت الهدي ولحللت معكم ) .. ومفهوم التوبة في الدين هو الاعتراف بالخطأ والرجوع عنه وعدم الاستكبار والإصرار عليه يقول المولى عز وجل : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) آل عمران 135 .. وإذا كان لي أن أحاول ممارسة فضيلة الإقرار بالخطأ والاعتراف به ، متطهرا من فاحشة سوء تقدير الموقف وعدم قراءة الواقع والمتغيرات بصورة واضحة ، مع سوء الحكم على تقديرات قادة المقاومة في غزة الصمود .. التي زلزلني صمودها زلزالا يجعلني أحاول إعادة الفهم من جديد .. ليس هذا فقط ، وإنما يجعلني في طور إعادة ترتيب نسق فكري مغاير لما رتبته من قبل .. وهنا لابد من الاعتراف كذلك بأن الأمر يحتاج إلى مراجعة ثوابت فكرية وقيم راسخة وليس فقط مجرد الاعتراف بالخطأ في تقدير الأمور ، بل إن الموضوع يحتاج إلى مشاركة الجيل الأحدث من الشباب الذي يتفاعل مع الأحداث بشكل مختلف ، ربما لعدة عوامل منها انه نشأ في عصر واحد أكثر انفتاحا وأعمق رؤية ، ليعيد لنا رسم المنظومة الفكرية في التعاطي مع المتغيرات ، في غير تكبر أو اعتداد بالسن وسابق التجربة ورصيد الخبرة ، التي لم تشفع كلها في تكوين الرؤية السليمة في المشهد الأخير .. بل على العكس جعلتني أختار الرهان الخطأ متوقعا وبشدة انهيار المقاومة الباسلة بفعل ظرف إقليمي ودولي مناوئ ، وآلة عسكرية وحشية وغاشمة وتفاوت مروع في تكافؤ القوى ، بعد مرحلة طويلة من الحصار والتجويع ، فإذا بها تشمخ بصمودها أبية عالية خفاقة .. فإذا بي شخصيا أقف على مفترق طرق .. إما التمسك بما اعتقدته دائما مترنما بالثقة التي لا تقبل الجدل في المنهج والوسائل ، مكذبا إرهاصات الأحداث باعتبار الحدث العابر لا يغير من أحكام التاريخ شيئا ، وإما أن أعلن حيرتي ، واطلب المساعدة والدرس الخصوصي من الشباب فاتحا قلبي وعقلي وفكري لنعيد معا صياغة الفكر في زمن المقاومة والصمود .. ووجدت نفسي مهيئا للاختيار الثاني معكم اعرض أخطائي على أسوار صمود غزة .. نتناقش ونتفاعل ونتعلم .. غرور الحكمة في بداية التسعينات من القرن الفائت .. كانت الحركة الإسلامية بقيادة جبهة الإنقاذ في الجزائر على أعتاب تحول مزلزل بعدما حققت فوزا كبيرا في انتخابات البلديات ثم تلته بتحقيق فوزا ساحقا في انتخابات البرلمان ، كانت النتائج التي حققتها الجبهة ثورية وعنيفة ، كانت أروع حتى من أن يصدقها شباب الصحوة أنفسهم .. كنا وقتها في مصر نتابع ونرصد ونحلل .. وكنت طالبا جامعيا لا يؤبه برأيه ، على الأقل في شأن إقليمي على هذا المستوى من الأهمية والخطورة .. لكني كنت بحكم الواقع أمارس توجيها فكريا ما أسفل سلم التدرج الفكري والتنظيمي .. سمعت همهمات و أحسست قلق الشباب من حولي واندهاشهم لهذه التجربة التي كانت تعني بالنسبة لهم إفلاس التجربة الإسلامية المصرية ، التي ربى عمرها على السبعين عاما دون أن تحقق شيئا يسيرا مما تحقق في بلد المليون شهيد .. حتى جاءني صديق ينقل لي أحاسيسهم بصراحة ويسألني بامتعاض واستياء مما نحن فيه وفرحة كبيرة بما تحقق في الجزائر .. واذكر يومها أنني أجبته قائلا : أنا مثلك سعيد جدا بهذا الفوز الكبير .. غير أنني أقول لك انه لن يمر أسبوعان حتى تجهض هذه التجربة وينقلب عليها مدعو الديمقراطية شر انقلاب .. ودهش الصديق وهم أن يجادلني فقلت له : هذه التجربة بالنسبة لي كجد كبير حبيب جدا إلى قلبي هو مريض ولكني أحبه جدا وأدعو الله له بالشفاء ولكني موقن بعلامات وأعراض معينة انه مقبل على الموت خلال فترة وجيزة جدا .. وهو حتما سيموت .. وحتما سأحزن عليه بشدة رغم توقعي المسبق بقرب وفاته .. كذلك تجربة الجبهة بالجزائر .. ولم ينقضِ الأسبوعان حتى كان الصديق نفسه يقف بباب منزلي يسألني : كيف كنت ترى بعين اليقين ما كنا نعده مستحيلا ؟ كانت بدايتي مع غرور الحكمة .. كنت أستقرأ الواقع واستنطق الظروف المحيطة إقليميا وعالميا ومحليا ، وانزل التاريخ على الأحداث ، واشتق من التجارب القريبة والعبر والخلاصات ما أتنبأ به لمآلات الأحداث ، فلا أرى في محنة ما إلا الفرج القريب ، ولا في ما يظنه الناس نصرا قريبا إلا مقدمة لضربة أو تراجع ما .. في الفترة التي سبقت الاحتلال الأمريكي للعراق كنت اكتب للشباب ما يعتبر السيناريو المتوقع لنهايات المعركة وواجبنا النفسي والتربوي نحوها ، حتى ظن بعضهم أني انعي العراق قبل أن تسقط ، أو أمهد النفوس الثائرة لقبول هزيمة موشكة .. وعرفت بعد ذلك أن هذه المقالات درست بعد ذلك لشباب الحركة للتخفيف على أنفسهم من صدمة السقوط الكارتوني للنظام العراقي .. في أزمات كثيرة لاحقة وسابقة كنت حاضرا بقلب وعقل مختلف لا يذهل للمصيبة بقدر ما يحاول التخطيط لكيفية الخروج منها ، ولا يهلل للفرحة بقدر ما يحاول رصد تداعياتها !!! لم أدع أبدا أني أعلم الغيب ، أو أني أنفرد برؤية ما لا يراه أحد .. الأمر لم يعدو أن يكون برمجة – كبرمجة جهاز الكمبيوتر – مقدمات دائما تؤدي لنفس النتائج ، تاريخ ولابد أن يعيد نفسه .. حتى بدت لي الأحداث وكأنها فيلما سينمائيا أبيض وأسود يعاد تصويره بالألوان .. تتغير أسماء الممثلين لكن القصة والسيناريو والحوار واحد .. ثوابت لا تقبل النقاش .. هل ننزلها غير موضعها ؟ ظننا في أنفسنا بعضا من الحكمة من الممارسة ، وتراكم نجاح التوقع وسداد الرؤية مرة بعد مرة .. وعضد ذلك ما اعتبرناه ثوابت لا نحيد عنها ، لا تقبل في نفوسنا النقاش أو الجدل .. وما أصعب علينا أن نخلط بين الثوابت والمتغيرات ، فالتفاوض على المتغيرات مرونة ومرحلية ، والتفاوض على الثوابت تنازل ، والتشبث بالثوابت ثبات وصمود ، والتشبث بالمتغيرات جمود وتخلف ورجعية .. ولا أظن أن هناك مشكلة تصيب الفكر والحركة في مجال الدعوة والتنظير والعمل الإسلامي بقدر مشكلة الخلط بين الثوابت والمتغيرات ، وإنزال النصوص والمواقف الإسلامية المختلفة في غير مواضعها والاستشهاد الخاطئ بوقائع التاريخ .. وهذا ما يؤدي إلى ضبابية الرؤية وغياب الوعي والإدراك .. ضد الفتنة – مع حقن الدماء ومن هذه الثوابت التي شكلت لي قيمة أساسية بغض الفتنة .. يصف المولى عز وجل المنافقين بقوله (لو خرجوا فيكم ما زادوكم الا خبالا ولاوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنه وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين )التوبة 47 ، وروي عن النبي صلى الله عليه ولم قوله : الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها ، و في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "ستكون فتن؛ النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الساعي، فمن وجد ملجأ أو معاذاً فليستعذ به " ، ولقد كان الحسن بن علي سيد شباب هذه الأمة وحكيمها يفرق من الفتنة ، جمع الله تعالى به الأمة بتنازله عن الخلافة والخلاف لمعاوية رضي الله عنهما ، وسمي ذلك العام في التاريخ الإسلامي بعام الجماعة ، ولقد لقي كثيرا من العنت في سبيل ذلك من أتباعه وأعوانه وشيعته فكان أصحابه يقولون له: يا عار المؤمنين – بدلا من لقب أمير المؤمنين الذي تنازل عنه طواعية– فيقول: العار خير من النار، وقال له رجل: يا مذل المؤمنين، فقال: لست بمذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلكم على الملك .. .. وهذا العمل الجليل هو ما بشر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" دماء المسلمين والعرب معصومة وهي خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه تعلمنا ذلك في مدارس الدعوة ، يوم كنا نسأل رجال الإخوان الأوائل وهم يروون لنا تاريخ الجماعة ، ولم الاستسلام لقادة الثورة وقد كان الظرف التاريخي معكم وكان باستطاعتكم الوصول للحكم أو على الأقل الحيلولة دون انفرادهم المطلق بالسلطة؟! .. وكان جوابهم الدائم : حقنا لدماء الشعب ، ولو كان ذلك على حساب دماء الإخوان أنفسهم التي أريقت على أعواد المشانق وفي سجون الحربي وأبي زعبل وطرة .. دماء الفلسطينيين خط أحمر سمعتها مرارا وتكرار من شيخ المجاهدين أحمد يسين رحمه الله .. لم تكن عمالة الذين راهنوا على الصلح والاستسلام خافية على الرجل الحاذق لكنه كان يتأسى بقول النبي صلى الله عليه ولم ( حتى لا تحدث العرب أن محمدا يقتل أصحابه ) أعرف أجوبة الشباب وأتوقعها .. فليكونوا منافقين وعملاء وخونة وطابور خامس وأصحاب مسجد ضرار ، فإن دماءهم تظل معصومة بعصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لدماء عبد الله بن أبي بن سلول .. وهل في أهل النفاق على مر التاريخ من هو أكثر منه نفاقا وفيه نزلت الآيات الطوال ؟ أيقارن به أي واحد من هؤلاء الخونة المعاصرين .. ذلك الذي نطق كلمة الكفر وحرض على إخراج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قائلا : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .. وهو نفسه في طريق العودة من نفس الغزوة يلوح بحديث الإفك ويحركه دون أن يصرح به فيؤذي النبي صلى الله عليه وسلم في عرضه ، والمجتمع المؤمن في نقائه وطهره .. ومع ذلك يعصم النبي صلى الله عليه وسلم دمه .. حقن الدماء اذن ووئد الفتنة والتضحية بالنفس وبالقيادة وبكل شيئ للحفاظ على بنية المجتمع هي ثوابت حفظناها بالنصوص الشرعية وبأحداث التاريخ ومواقف مدرسة دعوية اخوانية ثم بأدبيات وتراث تلك الجماعة .. قال لي ( زين الشباب ) يحاورني .. وهل ساءك من حماس طرد العملاء والخونة كونهم شوكة في حلق المشروع الوطني والمقاومة للمحتل الغاصب ؟ - قلت ساءني أن يراق الدم الفلسطيني بأيدي حمساوية وهو الخط الذي لم يبحه الشيخ يسين أبدا - قال ولو لم تقرر حماس الحسم كان الدم المسفوح سيكون أكثر غزارة من منتميها ومن كل فئات الشعب الذي اختارها واختار مشروع المقاومة .. - قلت كان يجب أن تتخلى عن السلطة وتعود لصفوف الجماهير المقاومة وتمارس دورها من ذلك الموقع في رسالة مؤداها أنها لا تقاتل على سلطة هزيلة سطحية وإنما على موقف الصمود والمقاومة .. - قال : لم تكن السلطة لتتركها وكل فصائل المقاومة الا بنزع سلاحهم.. - قلت لا يسلمون السلاح الذي يقاومون به المحتل تحت أي ظرف .. التنازل عن السلطة ليس معناه التنازل عن حق المقاومة وحمل السلاح - قال إذن ستكون فتنة ومعركة فلسطينية ، فلسطينية .. - قلت : لا بد مما منه بد - سألني بمرارة : وهل يختلف سفك الدم الفلسطيني وحماس في السلطة عن سفكه وهي في صفوف الجماهير ؟ وهل يجب تكبيل الحركة ومنعها من الشرعية التي منحها إياها الشعب لتدافع عن نفسها بذراع واحدة مكتوفة ؟ - قلت : معك حق الموضوع معضل .. لكن دفاع حماس عن وجودها وعن سلاح المقاومة من وجهة نظري مبرر وهي مضطرة اضطرارا إليه .. ولكن دفاعها عن نفسها وهي في السلطة يفسره الناس على انه دفاع عن السلطة باغتني قائلا : وهل الذين يتهمونها وهي السلطة الشرعية المنتخبة انتخابا ديمقراطيا حرا بالقتال على السلطة .. سيعذرونها وهي فصيل من فصائل المقاومة ؟ ألن يتهمونها بأنها تقاتل من أجل الوصول للسلطة مرة ثانية ؟ الناس هم الناس ، والذين لا يرضون عن تصرفات حماس ، إما أنهم يناوئون مشروع المقاومة ، أو أنهم لا يعرفون الحقائق ولا يريدون أن يعرفوا في الواقع ..لأن اقتناعهم الحالي يريحهم نفسيا .. - قلت ولم قال النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل عبد الله بن ابي بن سلول : حتى لا تحدث العرب أن محمدا يقتل أصحابه ؟ ألم يكن يأخذ في الاعتبار البعد الإعلامي والرأي العام ؟ لم نصل إلى نتيجة .. حرب النصوص لم تحسم الموقف .. في يقيني أن كل ما انظر به تعرفه كوادر الحركة في حماس ، ولو كنت مكانهم لوجدت لتلك النصوص ألف تأويل وتأويل .. عدنا إذن من حيث بدأنا الحوار .. لكل رأيه .. في الحقيقة أنا لم اعد كما كنت أبدا .. ظلت نفسي تناوشني بين قيمي الراسخة والواقع المؤلم !! أهل غزة أدرى بشعابها رددها ورددتها معه .. يقولون في المثل الشعبي ( من يده في الماء ليس كمن يده في النار ) .. ولكني أقول له أيضا : فعلا أهل غزة أدرى بشعابها .. وهل أنت من أهل غزة ؟ أقصد هذه الحكمة تنطبق على الطرفين المؤيد والمعارض .. أنا لم أثر أبدا في وجه أي غزاوي مقاتل أو صامد أو جريح .. لم يزعجني أبدا أي تصريح لمسؤول في المقاومة لأنه دائما أدرى بشعابها .. إنما صرختي فقط في وجه الذين يكتبون مؤيدين ومهللين للدماء المسلمة والفلسطينية التي تسفك هناك باسم الصمود والمقاومة وعدم الاستسلام .. هذه رؤاهم لاشك ، لكن دفاعهم عن منطق اختيار وحتمية توقيت المعركة يزعجني ، لا يجعلني أبدا أتعاطف لا معهم ولا مع قيادة المقاومة .. جزء من العيب أنهم أيضا يدافعون عما لا يلمون بكل جوانبه ولا يحسنون الحديث عنه كاملا ، مطلوب منهم أن يصمتوا ويقولوا : ( أهل غزة أدرى بشعابها ) ، لأصمت أنا ولا أعارض عملا بنفس المبدأ ( أهل غزة أدرى بشعابها ) - قال : لو أجريت انتخابات في غزة الآن لحصدت المقاومة أكثر مما حصدته سابقا من مقاعد ؟ - قلت متحديا ولو من باب العناد فقط : إلى أن يتم إجراء تلك الانتخابات لا يمكننا الحكم .. - قال كل الانتخابات التكميلية وفي المناسبات المختلفة رصدت ذلك .. لم أرتح أبدا للدماء الفلسطينية التي سالت على ارض غزة .. نعم سالت بأيدي الصهاينة وبوحشية منقطعة النظير لكننا في النهاية وإن كنا لا نملك الرد بالمثل إلا أننا نملك خيار حقن الدماء ، بمرونة التنازلات الآنية .. وتمرير المواقف الحرجة سألني متحصنا بمواقف السيرة – كما ألوذ بها دائما – : أتذكر عندما عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبائل غطفان من الأحزاب ثلث ثمار المدينة على أن ينفضوا أيديهم من التحالف الآثم ضد المسلمين ، كيف كان رد الأنصار يومها ؟ قالوا والله لا نعطيهم إلا السيف .. تمتمت : وهل لنا بقيادة كقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا تقطع أمرا إلا بوحي أو شورى ؟ لحقني بالإجابة : ألم تكن الانتخابات البرلمانية التي أفرزت حماس هي نتيجة شورى الشعب الصامد المقاوم ؟ - قلت لكن اختيار النبي الرحيم الرؤوف كان حقن دماء أصحابه وصرف المهاجمين عن المدينة . - قال في عناد : لا اختيار إلا ما اختارته الجماعة برأي الشورى .. موقف النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن سوى عرض ، واختبار لصلابة وموقف أصحابه .. لكننا نتعلم من الاختيار النهائي لا المرحلي .. والاختيار النهائي كان ( لا نعطيهم إلا السيف ) وليكن ما يكون .. مشتت الفكر والنفس أنا .. حزين وغاضب .. ربما يظنني أنني منكسر لأنني لم أحقق نصرا في الحوار .. ولم أستطع أن أفرض وجهة نظري عليه .. هو لم يشعر أن حيرتي كانت حقيقية ، وأنه وضعني في مواجهة بيني وبين نفسي !! مواجهة بين مدعي فكر وتنظير يجلس في مكتبه أمام ( الاب توب ) وجهاز المكيف يرسل له جوا باردا لطيفا ، وأمامه كؤوس الماء المثلج ، يفتح ما شاء من كتب ومراجع ومواقع بحثية لينظر لما يظنه من بين السطور حتمية الإطار النظري لحركة التغيير والإصلاح والمقاومة ، وبين قادة المقاومة على رأس اللهب .. أو الجندي المقاتل في خندقه ينتظر اصطياد دبابة أو الشهادة !! وعدت أعواما إلى الوراء وتذكرت موقف أبا خيثمة عندما عاد إلى بستانه متخلفا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساعة العسرة – غزوة تبوك – وقد أعدت له كلتا زوجتيه ماء بارد ومتكئا وراحة ثم نظر إلى كل ذلك قائلا : أبو خيثمة في الظل البارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء .. ورسول الله في الشمس والريح والحر ، ما هذا بالنصف !! أمسكت إذن فوالله ما أنصفنا المجاهدين والمقاومين والشهداء ، العدو يقتلهم بدم بارد ، ونحن نسلقهم بألسنة حداد وبدم بارد أيضا .. متى أتعلم قول سعيد بن جبير : تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلنطهر منها ألسنتنا ؟ في اليوم التالي كنت أعلن له اعتزالي حديث الفكر والمفكرين .. أرقني .. نعم أرقني وزعزع ثوابتي .. فميدان الفكر غير ميدان العمل ؟ ولذا كان العالم المجاهد خيرا من العالم في صومعته .. الحديث عن غزة ورجالها ، وحماس وقادتها الذي انتهينا فيه إلى أن ( أهل غزة أدرى بشعابها ) قد ينسحب بالمنطق على الحديث عن أي عمل إسلامي دعوي أو إصلاحي أو تغييري .. مادام المفكر يده في الماء ، والقائد يده في النار .. إذن سنقول حتما : أهل الإخوان أدرى بشعابها .. إما أن تكون يدي في النار مع أهل العمل ، وأدلي بدلوي وأنا في أتون المعركة ، كالحباب بن المنذر ، ارشد المنزل وأنا جندي في الصفوف المقاتلة .. وإلا فلأكف عن المجاهدين لساني وقلمي .. وإدعاء الحكمة سهل ما لم نستفز .. ( من على البر عوام دائما ) ولكنني لا أرى حتمية أن أكون إحدى البيضات داخل السلة الإسلامية الشاملة .. لا أحب أن أدفع فاتورة مواقف لم أفهمها ولم أتبناها .. هل سيظل الصراع قائما في نفسي أبد الدهر ؟ هل أظل أراوح مكاني فلا أنا شاركت مع البنائين يدا بيد ، ولا أنا عدلت تصميماتي الهندسية لتناسب ارض الواقع الوعرة .. في نهاية حيرتي .. أعترف لمحاوري العنيد .. لقد أتعبتني وزلزلت كياني ، وأنا لن أعترف لك بتمام صحة موقفك ولا إعلان التخلي عن ثوابتي ، وفي نفس الوقت لا يمكني الادعاء أني بت مطمئنا إلى ما كنت مستريحا إليه مؤمنا به ..



"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."