محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
فتنة لبنان
تسارعت التطورات سياسيا وأمنيا، بصورة دراماتيكية غير مسبوقة، واستفاقت العاصمة اللبنانية والضواحي القريبة، أمس، على مشهد أعاد تذكير اللبنانيين بالمشاهد السوداء التي عاشوا فصولها أكثر من 15 سنة، وظنوا أنها ذهبت الى غير رجعة، فإذا بخطوط التماس المذهبية الجديدة ترتفع، وإذا بالبلد ساحة جاهزة وجذابة ومغرية للمنازلات، الكبيرة منها والصغيرة.
كان اللبنانيون على موعد مع تظاهر وإضراب نقابي عمالي، فإذا بهم أمام حصاد موجع لتداعيات القرارات الحكومية الأخيرة التي شكلت نوعاً من الانقلاب على البيان الوزاري للحكومة الحالية وعلى كل سياق ما بعد اتفاق الطائف، وذلك في اتجاه خوض مواجهة سياسية مكشوفة مع المقاومة، عبر تجريدها من صفتها الوطنية واعتبارها مجموعة ميليشيوية خارجة عن القانون.
وفي الوقت نفسه، أقدمت الحكومة، من حيث تدري أو لا تدري، على نسف مضمون الاتفاق السياسي القاضي بتنظيم مرحلة الفراغ، حيث كان يفترض بها أن تتصرف كحكومة تصريف أعمال لا حكومة اتخاذ قرارات من نوع الإقالة والتشكيل في المواقع الحساسة، الأمر الذي طرح سؤالا كبيرا حول من يتحمل مسؤولية اتخاذ هذه القرارات التي إن دلت على شيء إنما على فقدان الحد الأدنى من الحكمة والمنطق.
وفيما كان ينتظر أن تبادر المعارضة، وخاصة «حزب الله» و»أمل»، الى الرد سياسيا وبموقف مسؤول وكبير يكون في مستوى الخطوات التي أقدمت عليها الحكومة، بدا أن «التسلل» تحت راية العنوان النقابي، إنما يضر بالعنوان الاجتماعي الجامع من جهة وبالقضية السياسية الخطيرة التي تتصدى لها المعارضة من جهة ثانية.
وقد عاشت بيروت والضواحي وبعض المناطق، جواً محموماً من المواجهات بين عناصر الموالاة والمعارضة، اتخذ في أحيان عدة، خاصة في بعض أحياء العاصمة، طابع مواجهات مسلحة، حيث سجل سقوط عدد من الجرحى بالرصاص والحجارة، فيما أقفلت طريق مطار بيروت الدولي وبعض المداخل الجنوبية للعاصمة، وذلك في أسوأ مشهد يرتسم منذ عام 1990 حتى الآن.
وبدا واضحا أن المعادلة التي أبلغتها المعارضة، الى الموالاة، قبيل ساعات من جلسة الحكومة الأخيرة، قد ظلّلت التحرك المعارض، ومفادها أنه مقابل إقالة العميد وفيق شقير من منصبه، «سيكون عليكم أن تتحملوا كلفة تعطيل مطار بيروت الدولي»، وهو الأمر الذي حمل في طياته تهديدا واضحا بأن يستمر إقفال طريق المطار حتى عودة الحكومة عن قراراتها.
وقد ارتفعت سحب الدخان في أجواء العاصمة جراء حرق الإطارات ومستوعبات النفايات، فيما ارتفعت «جبال» من الأتربة والعوائق والسيارات الهالكة، في عدد من الشوارع، خاصة باتجاه المطار ومرفأ بيروت، وتردد أن عددا من عناصر المعارضة يستعدون لتنظيم اعتصام على طريق المطار في خطوة احتجاجية مفتوحة قال قياديون في المعارضة إنها لن تتوقف إلا إذا تراجعت الموالاة عن قراراتها الأخيرة، أي قرار نقل العميد وفيق شقير من جهاز أمن المطار ونزع شبكة الاتصالات الهاتفية الخاصة بالمقاومة.
وفي موازاة ما سيعلنه الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله في مؤتمر صحافي يعقده اليوم، من أن قرار قطع يد من يمد يده الى المقاومة وسلاحها (من ضمنها شبكة الاتصالات) «قد دخل حيز التنفيذ»، فإن الرئيس نبيه بري عبّر أمام هيئة رئاسة حركة «أمل» التي عقدت اجتماعا استثنائيا مساء أمس عن قلقه مما يجري، وأبدى خشيته من الأسوأ اذا لم تتراجع السلطة عن مواقفها، وحمّلت «أمل» في بيان لها «الحكومة البتراء مسؤولية المقررات الهمايونية»، وقالت إن مسؤولية «ما حصل ويحصل هو على عاتق هذه السلطة أولا وأخيرا».
وعلم أن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، سيلتئم اليوم استثنائيا بهيئتيه برئاسة الشيخ عبد الأمير قبلان وبحضور جميع الوزراء والنواب الشيعة، وذلك من أجل صياغة موقف رسمي يتضمن ردا على قرارات الحكومة وما صدر من بعض المراجع الروحية في الساعات الأخيرة.
في المقابل، لم يصدر أي موقف عن الزعيم الفعلي للموالاة النائب وليد جنبلاط، وكذلك عن النائب سعد الحريري، فيما برز موقف لرئيس الحكومة فؤاد السنيورة أعلن فيه بعد اجتماعه، مساء أمس، بقائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع، أن ما يحدث في بيروت لم تتجرأ إسرائيل على القيام به، وأبلغ «إخبارية المستقبل» أن موضوع إعلان حالة الطوارئ مدار نقاش حاليا «ولن أتكلم عن شيء إلا إذا أصبح واقعاً»، وشدد على أن مجلس الوزراء في حالة انعقاد دائمة و»البحث جار عن الإجراءات الكفيلة بإنهاء هذا الوضع الشائك».
وأجرى السنيورة سلسلة اتصالات بعدد من وزراء الخارجية العرب، بالإضافة الى الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الموجود في واشنطن، الذي أجرى اتصالا برئيس مجلس النواب نبيه بري.
وتلقى السنيورة اتصالا من نظيره التركي رجب طيب أردوغان الذي أجرى اتصالا مماثلا بالرئيس بري وشدد على مسؤولية الجميع في حماية السلم الأهلي في لبنان.
وأبلغ السنيورة أردوغان أن الذي يحمي «حزب الله» وفكرة المقاومة هو الشعب اللبناني (...)». وشدد على حل الأمور بعيدا من التشنج ومع الحرص على تثبيت السلم الأهلي.
يذكر أن البيت الأبيض أعلن رسميا، أمس، أن الرئيس الأميركي جورج بوش، سيلتقي السنيورة في شرم الشيخ خلال زيارته الى المنطقة في الأسبوع المقبل.
واتهم مصدر حكومي لبناني «حزب الله» بالتحضير «لعصيان مسلح من أجل الاستيلاء على السلطة»، وقال لـ»فرانس برس» إنه قد «وصلتنا معلومات متطابقة عن وصول عشرات المسلحين في فانات تواكبها دراجات نارية الى منطقة الاعتصام» (وسط بيروت)، وأشار الى احتمال «وجود نية لدى «حزب الله» لتوسيع انتشاره المسلح لاستخدامه في خطوات لاحقة في الساعات المقبلة»، معتبرا أن «ما يجري ليس عصيانا مدنيا، هو عصيان مسلح يقوده حزب الله للاستيلاء على السلطة».
ورأت «قوى 14 آذار» أن ما جرى أمس انقلاب مسلح لن يمر. وشنت حملة على «حزب الله» مؤكدة استمرار مؤازرتها للحكومة. واعتبرت أن «محاصرة مطار بيروت تشكل انتهاكا فاضحا للقرار 1701».
ووجه مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني رسالة إلى اللبنانيين اتهم فيها «حزب الله» باحتلال بيروت وخطفها وانتهاك حرماتها، وقال «كنا نعتقد أن حزب الله معني بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، فإذا به يتحول إلى قوة مسلحة لاحتلال بيروت، وانتهاك حرماتها».
ودعا قباني العالم العربي والإسلامي الى وقف هذه الانتهاكات المفجعة، وقال إنه «من المؤسف أن تتولى دولة إسلامية تمويل هذه التجاوزات»، في إشارة مبطنة الى إيران، وناشد قادة «حزب الله» أن يبادروا الى سحب المسلحين من الشوارع وإنهاء الاعتصام في وسط العاصمة. وختم أن المسلمين السنّة، «قد ضاقوا ذرعاً بالتجاوزات والانتهاكات، واللبنانيين جميعاً، لم يعودوا قادرين على تحمل المزيد من المغامرات السياسية والأمنية».
على صعيد الاتصالات، علم أن وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل كلف السفير السعودي في بيروت د. عبد العزيز خوجة الاتصال بنظيره الايراني محمد رضا شيباني والطلب اليه العمل سوية على معالجة الموقف «ولمّ الوضع» من دون أن تتبلور أية مواقف ملموسة.
وتردد أن قائد الجيش اللبناني العماد ميشال سليمان قد حاول منذ مساء الثلاثاء الماضي القيام بمساع باتجاه الفريقين تحسباً لما يمكن أن يحصل أمس، حيث أوفد ضباطا الى فريقي الموالاة والمعارضة عارضا أكثر من صيغة للتسوية أبرزها أن يعلن عن تجميد قرار الحكومة بانتظار انتهاء التحقيق القضائي في قضية الكاميرات، غير أن فريق الموالاة رفض الاقتراح.
وتردد أن صيغا مختلفة طرحت، أمس، وخاصة عبر قناة الاتصال الأمنية السياسية الوحيدة بين «حزب الله» و»المستقبل» (المتمثلة بالحاج وفيق صفا عن الحزب والمقدم وسام الحسن رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي) من أجل إيجاد مخرج للأزمة. وعُلم أن فريق الموالاة عرض على الرئيس بري وقيادة «حزب الله» إعلان موقف يتم فيه التراجع عن موضوع نزع شبكة الاتصالات، ولكن مع الإبقاء على قرار نقل العميد شقير وأن يُترك لكل من بري وقيادة «حزب الله» تسمية البديل الشيعي. وعلم أن رد بري و«حزب الله» كان بالتمسك بالتراجع عن نزع الشبكة، وكذلك عن نقل شقير لأن البديل عنه هو العميد وفيق شقير نفسه. وقد تعثرت المفاوضات عند حد رفض الموالاة التراجع عن قرار النقل وفي المقابل رفض المعارضة للمقايضة بين «الشبكة» وشقير.
وتردد أن فريق الأكثـــرية ضغط على قيــــادة الجيش اللبناني من أجل إعلان حالة الطوارئ، غير أن قائد الجيش رفض أية محاولة للزج بالجيش في أتون حروب الشوارع، ولوّح بالاستقالة اذا استمر الوضع على الأرض على حاله مع تشبث كل من الطرفين بمواقفهما، كما لوّح بسحب الجيش الى الثكنات من أجل إبقائه موحـــدا، ورفض تحميله مسؤولية تداعيات قرارات لم يكن شــريكا في اتخاذها، علماً أنها تمس صلب عمل المؤسسة العسكرية.
يذكر أن أية مواقف دولية لم تصدر أمس، فيما أفاد مراسل «السفير» في نيويورك أن مجلس الأمن الدولي سيناقش اليوم تقرير ناظر القرار 1559 تيري رود لارسن من دون أن يعرف ما اذا كان سيصدر بيانا رئاسيا حول تطورات الوضع في لبنان.
جريدة السفير
|