المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
حس ..ذوق ..متعة ..تهانى دربى

حس .. ذوق .. متعة
 
 
تهاني دربي
 
 
 
 
 
ما الذي يجعلنا نحكم على لوحة فنية أو فيلم أو قصيدة أو رواية بأنها جميلة أو هامة؟

ما أراه أنا في لوحات بيكاسو إبداعاً يراه غيري جنونا، وما يشدني إلى السينما الأوروبية الواقعية يستهجنه غيري، وما أجده من متعة في روايات باولو كويلهو يجده غيري مللا .. إلخ.

هذا التأثير المتنوع هل يمكن أن يخضع لمدارس نقدية ثابتة تعطي أي عمل ابداعي صكوك تميزه عن غيره؟ وإذا خضعت الأعمال الأدبية الفنية لشروط هذه المدارس، ألن تكون في الخاتمة تشبه بعضها ومكررة؟ وهل للإبداع صيغة ثابتة حتى يستطيع النقد الحكم عليه وفقها؟.

يقولون "لو اتفقت الأذواق لكسد السوق"، والمعيار الحقيقي للحكم علي الفن أو الأدب في اعتقادي هو المتعة التي يتحكم بها الذوق، وبما أن الذوق يختلف من شخص لآخر فلا يمكن لنا أن نحكمه بمدارس نقدية تفصله على مقاسها لأنه ببساطة شديدة لا مقاس له، فهو أكبر من أي احتواء.

أن يتحول كل متلقي أمام أي ابداع إلى كتلة مشاعر، يستقبل بها أي إنتاج لأي رسام أو روائي أو مخرج يساعد أكثر في السير باتجاه المتعة حتى إذ لم يتمكن المتلقي من الاحاطة الكاملة بكل ما يريد المبدع إيصاله.

الإحساس به أولا هو المدخل الأساسى، والاعتماد على أحاسيسنا يساعدنا أكثر في التعاطى مع عوالم المبدع الظاهرة والمخفية من حفظ كلاشيهات طويلة للمدارس النقدية إلى تشريحها الممل لا يساهم إلا في فقدان من يطبقونها الاستمتاع التلقائي بأي عمل.

حاولت أن أتخلى عن هذا الرأي الأسبوع الماضي وأنا أستمع لآراء نقاد المغرب العربي في ندوة السميائية وتحليل الخطاب في طرابلس التي نظمها مجلس الثقافة العام، فما وجدت إلى ذلك سبيلاً، ولكن هذه الندوة أتاحت لي معانقة أكبر لهذا النوع القديم الحديث والمهم أيضا في مدارس النقد الذي بدأ يرسخ حضوره على الساحة الأدبية في المغرب العربي.

بالتأكيد أنا هنا لا أدعو إلى الاستسهال في الحكم على أي عمل إبداعي، فسعة تكويننا الثقافي وطرق تفكيرنا يساهم أكثر في الرقي بذوقنا؛ أنا فقط ضد الاستسلام المطلق لتطبيقات المدارس النقدية الجافة وغير القادرة مهما حاولت حبس الإبداع ضمن أطرها، والتي كثيرا ما اختلفت مع ذوق المتلقي الذي هو متفاوت أيضا. ومصداقا لما أدعي، ألم يصادفنا كثيرا تهليل ذوي الاختصاص مثلا بإبداع رسام ما وعندما تتاح لنا فرصة مشاهدة لوحات هذا الرسام نقول مستهجنين: هل هذا فن؟ ألم تتكرر مفاجآت النقاد بإقبال الجماهير على عمل فني ما رغم تدني مستوى هذا العمل من الناحية الفنية؟.

هذه الهوة بين ما يراه النقاد وبين ما يراه الجمهور كيف السبيل إلى ردمها؟

.. "يجب أن يصعد أي عمل فني بذوق المواطن". هذه الجملة التي مللنا تكرارها لم تعد تجدي، فكيف يمكن لهذا المواطن أن يصعد عندما يجد أمامه كما هائلا من التعقيدات لا تؤهله ثقافته البسيطة لتجاوزها؟.

الأدباء والفنانون العظام في اعتقادي هم من أفرد في عمله مساحة أكبر للخوض في حياة المواطن بهمومها الخاصة والعامة، واستطاع بحسه العالي التقاط جديد ما، هام في مرحلة تاريخية ما، ومن ثم تمكن من تطويع مخزونه الفني مجالا لهذا الالتقاط الذي يتوهج بعد ذلك حضورا ممتعا في أعماق المتلقي العادي والمتميز على السواء.

الإبداع شاسع ولا حدود له، والنقد محدود، فكم من مبدع استطاع التسلل لتكريس إبداعه دون الخضوع لمعايير النقد المتعارف عليها، بل قلب كل الموازين الثابتة وارتسم لإبداعه مسارات لم تكن معروفة استحق بدونها لقب مبدع.

السؤال المهم اذا كانت المدارس النقدية هي المعيار الفني الضروري للحكم على الإبداع لما يا ترى لا يسلك النقاد الأفذاذ بها طريقهم نحو الإبداع ما دام النهج بين أيديهم؟

بعيدا عن ما يمكن أن يقال في الفن للفن وفن النخبة وبراعة الاستسلام للمناهج النقدية وفن الشارع وقريبا من القلب، الذوق، الحس،
مازالت أؤمن بأن ما خرج من القلب يصل إلى القلب. ونصيحة جدتي الدائمة لي "استمعي لقلبك دائما" أراها أهم نصيحة يمكن لي أن أستخدمها في الحكم على أي عمل إبداعي، ويمكن لهذه النصيحة متى استندت لدى المتلقي على ثقافة فنية وموهبة استثنائية في الخوص والرؤية والقدرة على الربط والتحليل في ثنايا إبداع ما "شيء من السميائية" أهم للاستمتاع به من أي مدارس نقدية جمودها متى طبق كمعيار لم يتمكن من استيعابها، وفي مقابل ذلك يحدث أن يتنازل هذا المتلقي عن ذائقته الفنية الخاصة ويقبل بجديد ما ينحته في أعماقه مبدع ما يلامس شغافه، ولكن لا يستطيع مهما حاول أن يتنازل عنها بالكامل لمصلحة ما تراه المدارس النقدية.
 
تهانى دربى




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."