المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
إلينا نحن المعنيين بالأمر

سعودي علي عبيد                  

     محاضر في كلية الاقتصاد - جامعة عدن 

 تمهـيـد:

    وكما كنّا في مستوى الحدث العظيم عند احتفالنا بالذكرى(44)لثورة 14 أكتوبر،بقدر ما كان احتفالنا بالذكرى (40)ليوم استقلال جنوبنا في 30نوفمبر 1967م،عظيماً وراقياً.

   وكما حاول الحاكم بدون جدوى،أن يختطف احتفاءنا وفرحتنا بذكرى أكتوبر،فقد حاول مرة أخرى اختطاف احتفاءنا وفرحتنا بذكرى استقلالنا،علماً بأن هذا الحاكم ومنذ اغتصاب أرضنا الجنوب، ونهب ثروتنا في السابع من يوليو 1994م ،لم يكن يعترف بيوم استقلالنا هذا،إلا باعتباره يوماً لذكرى الجلاء،وكأن الجنوب كان قبل هذا اليوم ضيعةً أو جزءاً من المملكة اليمنية المتوكلية أو الجمهورية العربية اليمنية. وهو موقف مفجع وخسيس،ينمُّ عن حالة ازدراء وإلغاء لتاريخ ونضال شعب الجنوب،لنيل حريته واستقلاله الوطني من المستعمر الأجنبي.

   وعندما قرر الجنوبيون استعادة يوم استقلال ترابهم الطاهر،بإقامة احتفالهم بذكرى الاستقلال في عاصمتهم(عدن)،وحددوا ساحة الحرية(ساحة العروض)مكاناً لتنفيذ فعاليتهم ،لم يكن من الحاكم إلا أنْ قرر مواصلة سياسة اختطاف كل ما هو خاص بالجنوب،فقرر إقامة حفله الخاص بشيء لا يخصه ولا يعنيه،فاختار لذلك إستاد(22 مايو)،ومنع عنّا ساحة العروض،فاستعضنا عن ساحة الحرية بساحة الهاشمي. وكان الفرق جلي وواضح بين المشهدين.

   ودون الخوض في التفاصيل،يمكن القول بأنّ مشهد احتفالنا كان صادقاً ،بينما كان مشهد احتفال الحاكم زائفاً. كان احتفالنا صادقاً،لأنّ مشاركة الناس فيه كان تلقائياً وبهيجاً وحماسياً،وكانت الجماهير تهتف بقضايا عامة،من قبيل ذكرى استقلال الجنوب،والتمسك بمواصلة النضال من أجل قضية الجنوب،والأهم من ذلك أنّ احتفالنا لم يكلف الخزينة العامة فلساً واحداً. وفي المقابل كان احتفال الحاكم مزيفاً،ذلك لأنّ مشاركة الناس فيه كان إلزامياً ومرعباً وباهتاً،وكان المشاركون في هذا الحفل يهتفون بحياة شخص واحد هو الحاكم،وكأنه يشعر بقرب نهايته.وزيادة على ذلك فقد كان احتفال الحاكم مُكلفاً،حيث قُدرت التكلفة بمئات المليارات،وكلها أموال يتم استنزافها من ثروة الجنوب المستباحة.

   ومن المؤكد بأنّ التبذير بثروة الجنوب بهذه الطريقة السيئة،تشكل في حدِّ ذاتها مخالفة دينية وسياسية وأخلاقية. فإذا تذكرنا بأنّ الله سبحانه وتعالى،قد توعد بالويل والثبور أولئك الناهبين لأموال اليتامى،فكيف هي الحال لمن ينهب ويبعثر أموال بلد وشعب في غير مكانها الصحيح والشرعي؟ أليس ما يفعله الحاكم بثروات الجنوب مخالفة دينية وشرعية بامتياز؟

   أما التبذير بثروة الجنوب باعتباره مخالفة سياسية،فيتمثل ذلك بكون هذه الثروة أساساً هي ملكاً خالصاً لشعب الجنوب،الذي تمّ إقصاءه من معادلة وحدة 22مايو،فلم يعد شريكاً في هذه الوحدة،وزيد على ذلك أنْ جرى تقاسم أرضه وثروته. وهذه مخالفة سياسية،تجرّمها كل المواثيق والمعاهدات الدولية.

   أما باعتبارها مخالفة أخلاقية،فإنّ ذلك مؤكد ولا غبار عليه،إذ ماذا يمكننا أن نطلق على فعلٍ يتمّ فيه إنفاق مقدرات شعب الجنوب وثروته لصالح فرد واحد،هو الحاكم ؟؟

   وقد أشرتُ في إحدى مقالاتي المنشورة قبل أكثر من عام،أي قبل أن يبدأ الحراك الشعبي في الجنوب،بأنّه من الممكن لشعب الجنوب أن يمهل ظالمه لبعض الوقت، ولكن من المستحيل أن يهمله لكل الوقت. وهذه سمة متأصلة في شعب الجنوب مع كل الغزاة.

   وبقياس زمن الشعوب المقهورة،لم يتأخر شعبنا في إشعال انتفاضته السلمية،وقدّم من أجل نيل حريته واستقلاله الثاني منذ بداية انتفاضته حتى الآن أكثر من خمسة عشر شهيداً،وأكثر من ضعفهم من الجرحى ، وعشرات المعتقلين من القيادات والكوادر الجنوبية. كما كان العاشر من ديسمبر2007م يوماً مشهوداً واستثنائياً. ففيه كرّم شعب الجنوب شهدائه الأبطال ــ شهداء منصة الحبيلين، الذين سقطوا برصاص الغدر في 13/10/2007م ــ بطريقة استثنائية،أدهشت القاصي والداني.

   وبعد هذا الشوط الذي مشت فيه قضية الجنوب،كيف يمكننا أن نقيِّم هذا المسألة؟ وفي هذا السياق،يمكننا ملامسة الموضوع من ثلاثة جوانب.الأول له علاقة بالمستوى الذي وصل فيه تطور قضية شعب الجنوب. والثاني يخص تعامل الحاكم مع هذه القضية. أما الجانب الثالث والمهم،فيتحدد بالدروس والعبر المطلوب منا إدراكها واستيعابها، كأصحاب قضية.

ـ 1ـ

قضية الجنوب ...  أو نهوض طائر الفينيق

   ومن حيث الجانب الأول، يمكن النظر إليه من خلال العناصر الآتية:

أولاً: ما هو توصيفنا لهذه المشكلة؟ وقبل ذلك هل هناك مشكلة؟ ولماذا هي كذلك؟ وكيف تحولت إلى قضية؟

   ولن أكون مخطئاً أو مغالياً إذا صرحت بأنني أكثر من عالج قضية الجنوب،أكان عبر مجموعة كبيرة من المقالات المنشورة في العديد من الصحف الحزبية والأهلية،أو من خلال الدراسة الجامعة التي نشرتها في صحيفة "النداء" في ست حلقات في الأعداد(41ــ 46)والموسومة بـ " الحرب اليمنية الثالثة ـ الأسباب والنتائج " . وهذا هو واجبي المفروض عليّ تجاه الأرض التي انتسب إليها،باعتباري من الجنوب قبل وبعد كلّ شيء.

   وبعيداً عن الطلاسم والخزعبلات،وبدون تعسف للتاريخ وتقويله ما لم يجرؤ على قوله،من قبيل: التاريخ اليمني الواحد،وإعادة توحيد اليمن،وعودة الفرع إلى الأصل،فقد اختار النظامان السياسيان المتمثلان في(جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) و(الجمهورية العربية اليمنية)‘أن يتوحدا في كيان سياسي واحد،هو(الجمهورية اليمنية) في 22مايو1990م . وقد قاما بهذه الخطوة الهامة بعد أن تعهدا بالتخلي عن مضمونهما السابقين لصالح المضمون الجديد،المتمثل في كيان( الجمهورية اليمنية). ومن المؤكد بأنّ توحيد الكيانين المذكورين في هذا التاريخ المذكور،قد تحقق بعد سلسلة طويلة من المفاوضات والحوارات والاتفاقيات بين الكيانين المذكورين،ابتدأت منذ العام 1972م حتى التوقيع على آخر اتفاقية في الثلاثين من نوفمبر 1989م.

   ومن المؤكد بأنّ الفترة الممتدة بين يوم توحيد الكيانين في 22مايو 1990م وحتى اشتعال الحرب في 27أبريل1994م ،كانت مشحونة بالأحداث المفجعة وأزمات انعدام الثقة المتبادلة بين طرفي صانعي هذه الوحدة، أي أنها كانت فترة تتسم بشكل عام بعدم الاستقرار.

   وعندما حـلّلتُ هذه الفترة في دراستي المذكورة آنفاً،توصلت إلى استنتاج بأنّ ذلك الوضع لم يكن مستبعداً أو مفاجئاً،بل كان متوقعاً. وذلك يعود إلى الطريقة أو الشكل الذي تحققت فيها تلك الوحدة،التي أخذت شكل " الوحدة الاندماجية " ، التي تحولت سريعاً إلى إشكالية معيقة لاستمرار الوحدة ذاتها.

   وإذا تجاوزنا هذه الفترة وما حدث فيها من أحداث،وانتقلنا إلى حدث الحرب التي اندلعت في 27أبريل،واستمرت حتى السابع من يوليو1994م،وهو اليوم الذي أجهزت فيه القوات الشمالية على أراضي الجنوب كاملة باحتلالها مدينة عدن،وحُدد باعتباره(يوم النصر العظيم)،فأنّ ذلك يُعد كافياً باعتبار أنّ الحرب ونتائجها المباشرة وغير المباشرة،قد دعّمت " قضية الجنوب " ورسختها في الواقع، وذلك من خلال الوقائع الآتية:

1. تمّ التمهيد للحرب بعمليات اصطياد قيادات وكوادر جنوبية أو محسوبة على الجنوب، في أكثر من منطقة شمالية. وهي العملية التي عُرفت بـ " عمليات الاغتيالات السياسية " .

2. بعد خطاب الحرب الذي ألقاه علي عبد الله صالح في ميدان السبعين في 27/4/1994م،جرى البدء بتدمير الألوية العسكرية الجنوبية المرابطة في مناطق الشمال،وذلك بهدف إخراجها من الجاهزية القتالية،وهو ما تمّ فعلاً .

3. ثمّ جرى الانتقال إل العمليات العسكرية الأساسية،التي تمثّل طرفاها في القوات الشمالية والقبائل الشمالية والقوى الإرهابية المطاردة دولياً(القاعدة وجيش عدن/أبين) من جانب، وبقايا جيش الجنوب والعناصر المتطوعة،في الطرف الآخر.

4. كانت معارك الحرب في مجملها،قد دارت في أراضي الجنوب.

5. كان هدف القوات الشمالية،هو احتلال المناطق الجنوبية،وعلى وجه الخصوص عدن كعاصمة للجنوب، وشبوة وحضرموت باعتبارهما المصدر الرئيسي لثروة الجنوب.

6. وحتى عندما صدرت التحذيرات الدولية والإقليمية بعدم دخول القوات الشمالية عدن،وصدر قراري مجلس الأمن رقم(924،و931)،فإنّ ذلك لم يلجم إصرار القوات الشمالية عن احتلال عدن.

7. وقد تمّ تتويج حرب الشمال على الجنوب في يوم السابع من يوليو 1994م،باحتلال عدن التي ترمز أساساً إلى سيادة الجنوب. وهو اليوم الذي سُمّي بيوم النصر، أي انتصار الشمال على الجنوب،والذي ظلّ نظام صنعاء يحتفي به رسمياً لعدة سنوات.

8. بعد ذلك تمّ الانتقال من الفعل العسكري إلى الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها،وذلك بهدف طمس وإلغاء هوية الجنوب. ولذلك جرى تخويف الناس من الاقتراب،أو حتى التلفظ بكلمة (الجنوب)،بل وكل ما يمتّ إليها بصلة. وجرى وصمنا نحن مواطني الجنوب بالانفصالية والخيانة والكفر والإلحاد،وغيرها من نعوت الأنظمة الدكتاتورية والفاشية.

ثانياً: وفي هذا السياق كان القرار الأول،هو انتزاع مشاركتنا الرمزية في قيام وحدة 22مايو1990م،وتكوين كيان " الجمهورية اليمنية " ، وذلك عندما تمت منتجة رفع علم دولة الوحدة في قصر الرئاسة بالتواهي(عدن). ومنذ ما بعد 7/7/1994م بقي علي عبد الله صالح(رئيس الشمال)،هو فقط من نراه يرفع العلم،وغاب الأستاذ علي سالم البيض(رمز الجنوب) عن ذلك المشهد،وتناسى الحاكم أنّ المشهد الأصلي قد ترسّخ في أذهاننا،وأننا قد رويناه لأبنائنا وأحفادنا.

ثالثاً: ثمّ جرى الانتقال إلى تدمير ومحو كلَّ ما يمتّ بصلة إلى تجربة الجنوب منذ الاستقلال الوطني حتى يوم الوحدة،وذلك من قبيل تدمير مؤسسات القطاع العام ومزارع الدولة والجمعيات التعاونية الزراعية والخدمية والاستهلاكية والسمكية،كما جرى استباحة كلّ ما هو على أرض الجنوب وتحتها لصالح حفنة قليلة من المتنفذين.

   ومن المؤكد بأنّ عشرات الآلاف من القوى العاملة في هذه المؤسسات المذكورة،قد تم إلحاقهم بسوق البطالة. وعملاً بالمقولة السيئة الذكر " جوِّع كلبك يتبعك "،فقد استطاب نظام السابع من يوليو بإفقار شعب الجنوب. فقام بعملية تصفية مدروسة للجنوبيين من مختلف المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية والدبلوماسية وغيرها،وقام في الوقت نفسه بعملية إحلال للوظائف في الجنوب بعناصر من مناطق الشمال،وقد تمت العملية بطريقة مبرمجة وممنهجة، وباتجاه تنفيذ سياسة مدروسة لسياسة التغيير الديموغرافي لسكان الجنوب،على المدى المتوسط كحد أقصى. ولذلك كنّا ندرك تماماً رفض الحاكم لتطبيق نظام الحكم المحلي الكامل الصلاحيات،ورفضه انتخاب المحافظين ومدراء المديريات وما في حكمهم،على اعتبار أن أية انتخابات مباشرة وحرة،لن تأتِ بمن يرغب به الحاكم،والسبب أن الغلبة ما زالت حتى اللحظة لصالح السكان الأصليين.

   ومهما قال الشامتون في تجربة الجنوب منذ الاستقلال، وحتى اتحاد الكيان السياسي للجنوب مع نظيره في الشمال من أقاويل،فيها القليل من الصدق والكثير الكثير من الكذب والافتراء،فإنّ أولئك الشامتين لن يستطيعوا أن يقنعوا الغالبية العظمى في الجنوب،بأن واقع ما يعيشونه في ظل الوحدة،هو أفضل مما كانوا فيه في زمن دولتهم تلك. وليس هناك مجال لتعداد فضائل تلك التجربة. وانتفاضة الجنوب المتعاظمة لهي الجواب الناجع على ذلك،مع عدم نكراننا أن هناك من أخوتنا الجنوبيين من استفاد بهذا القدر أو ذاك من الوضع الحالي. ومع ذلك فأنهم قلة تكاد لا تذكر في عالم الأرقام مقارنة مع المستفيدين من الشماليين.

   وتأسيساً على ما تمّ سرده،نستخلص الآتي:

1. إنّ وحدة 22مايو1990م ،أولاً قد تمت بين كيانين سياسيين مستقلين،أي بين دولتين مستقلتين،هما(جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) و( الجمهورية العربية اليمنية). وثانياً،أنّ هذه الوحدة كانت نتاج لحوارات طويلة بين الدولتين،نتجت عنها اتفاقيات متعددة وصولاً إلى اتفاقية 30 نوفمبر 1989م،التي أسست لتوحيد الدولتين في كيان سياسي جديد،هو "الجمهورية اليمنية " ،بما يعني أنّ هذا الكيان السياسي الجديد،لا يمت بصلة لأي من الكيانين السابقين،وليس امتداداً لأي منهما،وهذا ثالثاً. كما أنّ هذا الكيان لا يمكن أن يحمل سمة " الجديد " إذا لم تتجسد فيه مجموعة من العناصر التي لها علاقة مباشرة بهذه السمة،وإلا اعتبر تكراراً لأحدِ الكيانين السابقين،أو هجين من هذين الكيانين،وهذا رابعاً.وأخيراً فإنّ توحيد الدولتين أو الكيانين السابقين في الكيان السياسي الجديد،يبقى ويظل مطلوباً ومرغوباً به فقط ،عندما يجسِّد المصالح المشتركة والمتوازنة بين جميع أولئك الناس المعنيين بهذا الكيان الجديد،دون شعور أيّ طرف بالغبن أو الخسارة ، وهذا عائدٌ إلى أنّ هذه الوحدة،هي فعل أو وعقد سياسي واجتماعي قائم على الاقتناع التام بين أطراف معينة ،لتحقيق مصالح مشتركة وبطرق مشروعة. وبالمقابل تنتفي أهمية واستمرار هذه الوحدة، بانتفاء شروط استمرارها،بما يعني انفراطها باعتبارها عقداً سياسياً واجتماعياً.

2. إنَّ استهداف القيادات الجنوبية بواسطة التصفيات الجسدية، في فترة الأزمة وقبل نشوب الحرب،ومن ثمّ تعنت الطرف الشمالي بعدم تنفيذ " وثيقة العهد والاتفاق" بدءاً من شقها الأمني ـ كما كان يطالب بذلك الجنوبيون ـ حيث كان الشماليون مصرّين على عودة القيادات الجنوبية إلى صنعاء قبل البدء في تنفيذ الوثيقة المذكورة. وأخيراً إشعال الحرب من قبل الشمال ، كلّ ذلك يثبت بما لا يدع مجالاً للشك،أنّ هناك عملية تصفية حسابات ،قد تمّ الإعداد لها بإتقان من قبل الطرف الشمالي ضد الطرف الجنوبي.

3. وإذا كانت الحرب التي شنها الشمال على الجنوب،قد أدت إلى كسر شوكة الجنوبيين بالمفهوم العسكري،وبالتالي عدم وجود أي تهديد فعلي منهم على الطرف الشمالي،بما يعني أنّ هذه النتيجة،قد مهدت وساعدت ودفعت وشجّعت المنتصر على تنفيذ مختلف الإجراءات والتدابير والسياسات التي ذكرناها سابقاً،التي استهدفت الانتقاص من آدمية الجنوبيين،بهدف تحويلهم إلى رقيق مستقبلاً.

4. ومنذ السابع من يوليو1994م،صار هناك منتصراً هو الشمال ،ومهزوماً هو الجنوب. وبدلاً من الوحدة باعتبارها عقد سياسي بين طرفين متساويين ،جرى الانتقال للحديث عن " الوحدة المعمدة بالدم " و"عودة الفرع إلى الأصل "، وعن " إعادة توحيد اليمن ". ومن المؤكد بأنّ كلَّ ذلك كان يهدف إلى استكمال عملية الإلغاء والإقصاء للجنوب،كأرض وشعب من معادلة وحدة مايو1990م ، وكيان "الجمهورية اليمنية"،وبالتالي إعادة إنتاج الكيان السياسي للجمهورية العربية اليمنية ،ثقافة وسلوكاً،ممارسة وواقعاً. ولا يهم أن يبقى الشكل متجلياً بـ " الجمهورية اليمنية " ، لأنّ التسمية لم تعنِِِِ شيئاً منذ بداية إشهارها. كما أنّ إسقاطها أو التخلي عنها ،لم يغير من واقع الأمر شيئاً.

   كنت قد أشرت في إحدى مقالاتي المنشورة ،بأنّ الجنوبيين قد يمهلون خصمهم لبعض الوقت،ولكن قلما يهملوه لكلِِّ الوقت. كما أنّ ردَّ فعلهم يكون قاسياً. وانطلاقاً من هذه الحقيقة، بدأ شعب الجنوب بالتعبير عن رفضه للواقع الذي فُرض عليه،كنتيجة لحرب الشمال في صيف 1994م. ويمكن هنا الإشارة إلى أهم أشكال هذا الرفض،الذي اخذ بالتدرج. حيث تمثّلت على النحو الآتي :

1. الكتابات المتناثرة:

   ساهم العديد من المشتغلين بالكتابة في الصحف،والأكاديميون والسياسيون الجنوبيون وغير الجنوبيين،الذين اقتنعوا بقضية الجنوب وبعدالتها،بالتنويه والتوضيح والبحث والتحليل حول هذه القضية،وإبرازها للرأي العام المحلي والخارجي. وبشكل عام فإنّ مجمل تلك الكتابات،قد أكدت على النتيجة الأساسية المدمرة التي خلّفتها حرب صيف 1994م،وهي سقوط وحدة مايو1990م واختلال معادلتها،بما يعني أنّ الجنوب كشعب وهوية،قد تمّ إبعاده من هذه المعادلة،وبما يعني كذلك العودة إلى مربع الجمهورية العربية اليمنية،مضافاً إليها أرض وثروات الجنوب.

2. حاول الجنوبيون تذكير سلطة السابع من يوليو بخطأ الواقع الناتج عن حربها تلك ،كما لم ينسوا أن يذكروا هذه السلطة بقراري مجلس الأمن رقمي (924) و(931)،اللذين صدرا في فترة الحرب الأهلية ،واللذين شددا على الوقف الفوري لإطلاق النار بين الجانبين،وعلى عدم حلِّ الخلافات السياسية بواسطة استخدام القوة، والمطالبة باستئناف الحوار بين الطرفين(الجنوب والشمال) وبدون شروط مسبقة،بما يعني أنّ ما نتج عن تلك الحرب، يعد مخالفاً لقرارات الشرعية الدولية بموجب هذين القرارين المذكورين.

3. وفي عام 1997م تقريباً،بدأ التململ الشعبي في بعض مناطق الجنوب وعلى وجه الخصوص في مدينة المكلا بحضرموت،حيث اخذ الناس يعبرون عن سخطهم ورفضهم للواقع. وقد أخذ هذا التحرك طابعاً حركياً من خلال المسيرات والتظاهرات والاعتصامات. وكعادة وطبيعة كل السلطات المحتلة،التي تستمد شرعيتها من قوة الاحتلال،فقد اعتبرت أنّ تلك الاحتجاجات بمثابة تقويض لسلطتها،وبذلك فقد استحق المشاركون فيها العقاب الصارم بتوجيه الرصاص الحي إلى صدورهم العارية.

4. يمكن القول بأنّ أحداث المكلا قد شكَّلت إحدى الإرهاصات الهامة،التي على أساسها قامت حركة اللجان الشعبية،التي نشأت في معظم مناطق الجنوب،إن لم تكن فيها جميعاً. وقد اختارت هذه اللجان الأسلوب السلمي في نشاطها،وذلك من خلال رصد انتهاكات السلطة لحقوق شعب الجنوب،ونهب ثروته. وقد كان لهذه اللجان شرف التذكير بيوم السابع من يوليو1994م،باعتباره يوماً أسوداً وقبيحاً. كما كان لها أيضاً شرف الإسهام بإسقاط هذا اليوم،باعتباره يوماً وطنياً يحتفي به.

5. كان من نتائج حرب صيف 1994م،نزوح أعداد كبيرة من قيادات وكوادر الجنوب إلى دول متفرقة من العالم. ومنذ نزوح هؤلاء في عام1994م وحتى الآن،يمكن القول بأنّ عملية تشكلها كمعارضة جنوبية،بحالات من عدم الوضوح، أو عدم الاستقرار والثبات أو عدم الاستكمال في تشكلها. ومثل ذلك يعد مفهوماً وغير مستغرب لأسباب عديدة ومتشعبة. ولأنّ موضوعنا هذا غير مخصص لدراسة ظاهرة المعارضة السياسية،في الداخل كانت أم في الخارج،لذا سأكتفي فقط بتبيين الأسباب التي تخص المعارضة الجنوبية في الخارج في خطوطها العريضة:

أ.  إذا تذكرنا أنّ دولة الجنوب،قد احتضنت معظم القوى السياسية الجنوبية،التي ناصبت تجربة الجنوب العداء منذ الاستقلال الوطني، حتى قيام الوحدة في مايو 1990م. وإذا تذكرنا أيضاً بأنّ تركيبة الحزب الاشتراكي على المستويين القيادي والقاعدي،يشتمل في جزء كبير منه على عناصر ذات منشأ شمالي،لذلك يمكن القول بأن المعارضة في الخارج قد تأثرت بهذين العاملين.

ب. من المعلوم أنّ القيادات والكوادر التي نزحت إلى الخارج،قد توزعت أو بالأصح قد تمَّ توزيع معظمها بين الدول العربية(الخليجية،مصر وسوريا)،والبعض الآخر فضّل اللجوء السياسي في بعض الدول الأوروبية وأمريكا.

ج. إنّ عاملي التركيبة غير المتجانسة للنازحين،وكذا توزيعهم في بلدان متعددة،كل ذلك قد نتج عنهما التأخر في تشكُّـل المعارضة الجنوبية في الخارج،وضعف نشاطها،على الأقل في السنوات الأولى من نزوحها.

د.  وفيما يخص عامل توزيع النازحين في عدة دول،فإنّ ذلك قد أدى بالتأكيد إلى ضعف التواصل اليومي والمستمر بين النازحين الجنوبيين بشكلٍ عام،وبين المستويات القيادية على وجه الخصوص،مما يعني التأثير على قدرة هذه القيادات على المتابعة الدقيقة والمستمرة للأوضاع في الداخل،ومن ثمّ تكوين رؤية صائبة وملائمة تجاهها. كما لعبت الدول العربية دوراً سلبياً في تقييد النشاط السياسي لهذه المعارضة،وخاصة تقييد حركة الأستاذ علي سالم البيض،والذي يبدو أنّ سلطة صنعاء كان لها الكلمة الحاسمة في هذا القرار. وهذا له علاقة مباشرة بالتقدير الخاص، لما يمثله الأستاذ البيض من قيمة ورقم هام وسط زملاءه القياديين الآخرين في دول الشتات،كما له علاقة بقوة الممانعة والمقاومة عند الرجل.

هـ. برغم أنّ قيادة الحزب الاشتراكي اليمني، كانت صادقة ومخلصة بالكامل في تعاملها مع القوى السياسية التي عادت بعد الوحدة إلى الجنوب،إلا أنّ قيادات بعض تلك القوى، لم تكن هي الأخرى في المستوى نفسه من الإخلاص والمصداقية. وهذا الحكم أكثر ما يتطابق على سلوك قيادات حزب الرابطة،التي لعبت دوراً هداماً أكان في زمن الحرب،أو بعد أن وضعت الحرب أوزارها وفي الخارج،وكذا في اللحظات التاريخية الراهنة،التي بدأ فيها شعب الجنوب بالانتفاض على الظلم. وهذا السلوك له علاقة وثيقة بالمواقف الخاطئة لحزب الرابطة وقيادته، منذ تأسيسه في خمسينيات القرن الماضي . ولأنّ المسألة الآن ليست لها علاقة بتقييم التاريخ السياسي لهذا الحزب،إلا أن المأخذ الأساسي على هذا الحزب،هو أنه غالباً ما يكون سلوكه السياسي معاكساً لإرادة الأغلبية في المجتمع المعني. وهذا ما لاحظناه عند تتبعنا للمواقف السياسية لهذا الحزب. ودون الخوض في التفاصيل،يمكننا هنا ذكر موقفين اثنين. أحدهما قديم والآخر حديث. أما الأول،فيعود إلى المرحلة التي قرر فيها شعب الجنوب طرد الاستعمار البريطاني من الوطن عن طريق الكفاح المسلح،وكان للرابطة موقفاً رافضاً ومعاكساً ومعادياً. أما الموقف الثاني والحديث، فيتلخص في عودة قيادات الرابطة من الخارج،والإعلان عن مساندتها لعلي عبد الله صالح، برغم أنّ حركة المعارضة لحكمه قد اشتدت،وصار يعاني من إخفاقات،كما أنّ حركة شعب الجنوب هي الأخرى ،قد صار لها موقف آخر تجاه سلطة السابع من يوليو،وصارت لها أجندتها الخاصة. ومع ذلك نجد أنّ قيادات الرابطة،قد تحولت من معارضة في الخارج إلى مساندة لسلطة السابع من يوليو في الداخل. وعليه كان مؤلماً ومحزناً لشعب الجنوب،أن يشاهد قيادات الرابطة إلى جانب الشخص الذي يعتبرونه خصماً رئيسياً لهم،وفي مشهد أقل ما يمكن وصفه، بأنه يعبر عن تحدي علي عبد الله صالح لشعب الجنوب،وتوعده لهم بحكمهم بالحديد والنار. كما كان محزناً ومؤلماً لشعب الجنوب،أن يقرأ ويسمع قول الأستاذ عبد الرحمن الجفري ،بأنه لا يوجد من يصلح لحكم(اليمن) سوى علي عبد الله صالح. وهذا موقف مأساوي ،فوق أنه موقف احتقاري لهذا الشعب،واستخفاف بعقول البشر. 

و.  من المعلوم بأنّ المجموعات التي نزحت من الجنوب ــ إلى بلدان الشتات بعد سقوط آخر معقل لهم تحت ضربات جيش الشمال ــ لم تكن قط متجانسة،أي أنها لم تكن جميعها ذات أصول جنوبية،بل كان يتواجد إلى جانبهم عناصر ذات أصول شمالية.. إلاّ أنه وحتى هذه اللحظة ــ والمقصود بها لحظة النزوح ــ لم يكن في وارد تفكيرنا نحن الجنوبيين،بأنّ من كنّا نعتقد بأنهم جزء من نسيجنا السياسي والاجتماعي طوال عشرات، بل ومئات السنين،سينقلبون علينا ويقلبون لنا ظهر المجن وسيتنكرون لنا،بل وسوف يناصبون قضيتنا العداء. لذلك فلا غرابة أن نجد غالبية النازحين ذوي الأصول الشمالية،كانوا أول طلائع العائدين إلى الداخل،ثمّ بدأت سلطة صنعاء بالتواصل مع بقية النازحين،وعلى وجه الخصوص المنحدرين من أصول شمالية،فكانت المهمة سهلة لتوافر الاستعداد الداخلي لديهم،وخاصة عندما يتمّ استحضار عصبية الأصل مصحوبة بعطايا الحاكم من أراضي وسيارات وأموال سائلة وتطبيب في الخارج،وكلها من ثروات الجنوب. ولا ضير إذا ما استحضر الطرفان التاريخ المزيَّف والوحدة المغدورة،فهذا كله لزوم متطلبات الخبر الذي سيذاع من المذياع والتلفاز عند عودة هؤلاء. ومع ذلك ينبغي الاستدراك والتنويه والإشارة،إلى أنّ هناك بعض العناصر ذات أصول شمالية في الداخل والخارج كان لها مواقف جد محترمة تجاه قضية الجنوب،بل ومسانداً. ومن العيب أن نتجاهلها. وبالمقابل كانت هناك بعض العناصر من الجنوب من بين النازحين من تمثَّل دور الطابور الخامس،فتنكروا لوطنهم الجنوب وأهلهم،وفضلوا المال والمنصب على قيمة الحرية.

ي. وإذا استدعينا المثل القائل :(ربّ ضارة نافعة)،فيمكننا القول بأن عودة العديد من العناصر التي أشرنا إليها سابقاً، كان مفيداً لكي تعيد المعارضة الجنوبية تنظيم نفسها،وهو ما لاحظناه خلال العام 2007م بشكلٍ خاص،حيث ترافق ذلك مع بدء الحركة الشعبية في الداخل،والشروع بخوض معركتها المصيرية لاستعادة الحقوق الكاملة للجنوب وشعبه.. ومع ذلك كله ما زالت حركة المعارضة الجنوبية في الخارج دون المستوى المطلوب،حيث ينتظر منها الكثير. وسوف نتطرق إلى ذلك لاحقاً.

6. أدرك مواطنو الجنوب أهمية المثل القائل:(إذا أردت أن تقفز جيداً،فتراجع قليلاً)،ويعني ذلك ضرورة المراجعة النقدية لأفكارنا وممارساتنا. ومن هنا اكتشفنا أهمية قيمة التسامح والتصالح فيما بيننا،فكانت الخطوة الأولى والحكيمة في الوقت ذاته. فكانت الخطوة الأولى عندما حُملت فكرة التسامح والتصالح، من ثلة من أبناء ردفان الطيبين إلى جمعية العواذل في عدن،فتمّ الترحيب بالفكرة ومن ثمّ قبولها،وترجمتها عملياً أولاً في لقاء حميمي بين لفيف من مناطق مختلفة من الجنوب، في جمعية ردفان الخيرية. ومن هنا أسس شعب الجنوب لانطلاق حركته باتجاه الحرية،فكان التخلص من عقدة الخوف،هو الشرط الأول،وكان بناء وتشييد دعائم التسامح والتصالح بين فئاته وأطيافه ومناطقه،هو الشرط الثاني. ولذلك شرعنا بتأسيس ملتقيات التسامح والتصالح في مختلف مناطق الجنوب.

7. ثمّ انتقل شعب الجنوب إلى الحراك الجماهيري للتعبير عن مطالبه،فكانت حركة الاحتجاجات والاعتصامات التي خرجت من عباءة جمعية المتقاعدين العسكريين والأمنيين قسراً. ثمّ لحقت بها فئات وشرائح اجتماعية أخرى،مثل المتقاعدين المدنيين وجمعيات الشباب والعاطلين عن العمل، وملتقيات التسامح والتصالح ومنظمة شهداء ومناضلي الثورة وغيرها من المنظمات المجتمعية. كما شاركت في هذا النشاط بعض فروع الأحزاب السياسية في الجنوب،وفي مقدمتها الحزب الاشتراكي اليمني،وأحزاب التجمع اليمني للإصلاح والتجمع الوحدوي والرابطة، بنسبة أقل من الأول.

   وكان من المفيد كثيراً أن تأخذ الاحتجاجات والاعتصامات الشكل والأسلوب السلمي في التعبير عن ما تريده. وهذا ناتج عن عوامل متعددة،تأتي في مقدمتها أنّ هذا الشكل يندرج في إطار ما هو مسموح به قانونياً،بعد أن حرمت سلطة السابع من يوليو كل أشكال التعبيرات السياسية والجماهيرية،وخاصة بعد أن صادرت وأممت كل الاتحادات والجمعيات والهيئات الاجتماعية.والعامل الثاني له علاقة بموازين القوى بين الطرفين،أي شعب الجنوب الذي جرى تخليصه وإفراغه من أية قوة يستند إليها،إلا من قوته المتمثلة في الاعتزاز بهويته والتمسك بها،وهو الطرف الأول. أما الطرف الثاني،فهي سلطة السابع من يوليو بكل ما تملكه من نفوذ وقوة عسكرية وأمنية وإعلام ،وزادت على ذلك اغتصابها لثروة الجنوب،ضفْ إلى ذلك بأنّ تنفيذ مثل هذه الفعاليات لا تحتاج إلى استخراج ترخيص من أية سلطة،بل يكتفي بإشعار السلطة المعنية،وهذا هو العامل الثالث.

   وصحيح أيضاً بأنّ حركة الاحتجاجات والاعتصامات بدأت أولاً بطرح قضية المحالين إلى التقاعد من العسكريين والأمنيين والمدنيين،إلا أنّ ذلك يشكِّل جزءاً من التكتيك العام للحركة العامة لشعب الجنوب،ذلك لأنّ الهدف البعيد والإستراتيجي لقضية الجنوب،هو سياسي بامتياز. والسبب بسيط للغاية،وهو أنً الحالة التي وصلنا إليها ناتجة عن فعل سياسي،هي الحرب وما تبعها من إجراءات وتدابير سياسية،وبالتالي فإنّ الحرب وما تبعها،قد نالت من شعبنا في الجنوب بجميع فئاته وأطياف الاجتماعية،كما أن الحرب وما تبعها من سياسيات،قد نتجت هي الأخرى من سلطة سياسية. ومن هنا يمكننا فهم تداعي بقية الفئات الاجتماعية الأخرى، إلى حلبات وساحات الفعاليات الاحتجاجية. كما أنّ ذلك يثبت قوة وترابط المشاعر والأحاسيس لدى شعب الجنوب،وبما يعني اعتزاز الجنوبيين بهويتهم وتمسكهم بها.كما أنّ اختيار الجنوبيين لمناسباتهم السياسية والوطنية والتاريخية في تنفيذ فعالياتهم المختلفة،كلها مدركات واعية ونبيلة،وتقدير سليم للتاريخ والهوية الخاصة للجنوب. كما أنً التعاظم المستمر لمشاركة شعب الجنوب في هذه الفعاليات،لهو دليل واضح على التمسك بهذه الهوية،وعدم التفريط بهذه الهوية الوطنية،مهما تعاظمت قوة وقسوة الخصم،أو اختلفت هويته.

 

ـ 2ـ

كيف تعامل الحاكم وسلطته،مع حراك شعب الجنوب

   ومقابل تحرك شعب الجنوب،كيف كانت الحركة المضادة للخصم. والخصم هنا هو الحاكم الذي بدأ حركته المضادة، وردة فعله ضد الحراك في الجنوب، بالترهيب واستخدام القوة المفرطة، ولما تيقن له عدم فائدة هذه الطريقة،قرر الانتقال إلى أسلوب الترغيب مع استحضار الترهيب والتهديد العسكري والأمني  بين الحين والآخر،واستحضار الأيديولوجية الدينية،من خلال رشوة المشتغلين بالشأن الديني لصالحه،وتحويل المساجد من أماكن مخصصة للعبادة إلى منابر لشتم شعب الجنوب.

   وبدون الخوض في التفاصيل،يمكننا تلخيص ردة فعل الحاكم بحسب الأساليب التي ذكرناها،وذلك على النحو الآتي:

أولاً: أساليب الترهيب واستخدام القوة

1. استخدم الحاكم وسائل وطرق وأساليب متعددة،منها على سبيل المثال لا الحصر: استخدام وسائل إعلام الدولة المتنوعة،بهدف تخويف الناس وتشويه الحراك الشعبي المتعاظم في الجنوب. ومن المؤكد بأنّ مفهومي(الوحدة والانفصال) كانا حاضران. ومن أجل الحدِّ من توافد الناس إلى ساحات المهرجانات،ذهبت السلطة إلى إقامة نقاط التفتيش بين المحافظات والمناطق المختلفة،كما سدت المنافذ المؤدية إلى ساحات الاعتصامات،وعلى وجه الخصوص ساحة الحرية(ساحة العروض سابقاً)،وساحة الهاشمي(ساحة الشهداء حالياً).ومن أجل هدفها ذاك،فقد استخدمت السلطة القوة المفرطة ضد المشاركين العزّل،بدءاً من استخدام خراطيم المياه والعصي والقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي،حتى استخدام الرصاص الحي والمروحيّات. وقد سقط بسبب هذا الجُرم عدد من الشهداء وأضعافهم من الجرحى ،كما تمّ اعتقال الكثيرين من نشطاء حركة الاعتصامات،كان أبرزهم المناضلين حسن أحمد باعوم والعميد ناصر علي النوبة. كما كان الحدث الأبرز في هذه الهجمة الشرسة،هو الاعتداء على منصة الاحتفال بالذكرى(44) لثورة أكتوبر في الحبيلين(ردفان) ليلة 13أكتوبر،والذي سقط فيها أربعة شهداء وعدد آخر من الجرحى.

2. من المؤكد أنّ الحاكم كان يرمي من خلال ذهابه مباشرة لاستخدام القوة لقمع الاعتصامات والمشاركين فيها،تحقيق أهدافاً محددة يمكن ذكر أهمها وهي:

أ. إدخال الرعب في نفوس منظمي الاعتصامات والمشاركين فيها،ومن ثمّ إخمادها وإنهاءها من الوهلة الأولى.وبذلك يكون الحاكم قد أعادنا إلى المربع الأول،المتمثل في قبول الأمر الواقع الناتج عن الحرب ونتائجها.

ب. وإذا ما تعذّر تحقيق الهدف المذكور،فإنّ إضعاف أو شرذمة الاعتصامات بفعل عامل الخوف من قوة السلطة،يبقى هدف مقبول يسهِّل عملية الإجهاز على الحركة العامة للجنوبيين في وقت لاحق.

ج. وهناك هدف ثالث وهو الأخطر،ويتمثل في دفع السلطة للجنوبيين باتجاه الرد باستخدام القوة،حتى وإنْ كان ذلك بهدف الدفاع عن النفس،وبغض النظر عن اختلال موازين القوى لصالح السلطة،ذلك إنّ ذلك يكفي لتوليد التهم ضد حركة الجنوبيين،من قبيل مقاومة السلطات،وممارسة أعمال التقطع والحرابة،وآخرها الإرهاب. والمهم في الأمر أنّ حركة الجنوبيين ستكون هي الخاسر الأول حينها.

3. وعند استخدام الحاكم للقوة لقمع جذوة الجنوبيين،لم يدرك الحاكم مجموعة من العوامل الهامة،وهي:

أ. إنّ مجموعة الإرهاصات التي سبقت حركة الاحتجاجات والاعتصامات ــ التي أتينا على ذكر بعضها سابقاً ــ قد أدت إلى تخلص الجنوبيين من حالة التردد، التي لازمتهم منذ السابع من يوليو1994م.

ب. إنّ إقدام الجنوبيين على تأسيس ملتقيات التسامح والتصالح فيما بينهم،قد شكـَّل عامل أساسي وقوي باتجاه إعادة وحدتهم وتلاحمهم،ولذلك عندما أراد الحاكم أن يذكِّرهم بالأحداث المأساوية التي فرقتهم،كانت السخرية والاحتقار هو ردهم على دعوة الحاكم تلك.

ج. إنَّ الواقع المرير والسيئ الناتج عن الحرب ونتائجها،قد شكـَّل دعامة قوية للاستناد عليها باتجاه الانطلاق نحو تصحيح هذا الواقع. بمعنى أنَّ النكوص أو الارتداد ليس سوى استمرار لهذا الواقع على أبسط تقدير،إن لم يكن الانتقال إلى واقع أسوأ منه بكثير. 

د. إنّ الحرب التي شُنت ضد الجنوب، وما نتج عنها من نتائج سلبية في جميع الاتجاهات والمجالات،قد مسّت حياة الجنوبيين بشكل أساسي. كما أنّ مشاهدة الجنوبيين لعبث الحاكم بأرضهم وثروتهم،كلُّ ذلك قد شكلت عوامل هامة قوَّت ووسعت عندهم حالة الشك فيما يخص موقفهم من تلك الوحدة مع الشمال،باعتبارها مؤامرة دنيئة حيكت بليل ضد الجنوب،بهدف ابتلاع الأرض والثروة.

هـ. إنّ الجنوبيين ــ وبفعل ما حدث لهم منذ مايو 1990م ــ قد شرعوا يعملون من أجل إعادة تاريخهم من جديد وبهمة،وقد استطاع الكثيرون منهم التخلص من الأوهام والإسقاطات التاريخية الفارغة،التي خدرتنا بها الحركات القومية واليسارية على مدى عقود،ولم نجنِ منها سوى الحصرم.

ثانيا:أساليب الترغيب 

   بعد فشل محاولات الحاكم في لجم حركة الجنوبيين من خلال أساليب القمع،الذي نتج عنها سقوط العديد من الضحايا بين شهيد وجريح،ناهيك عن موجة الاعتقالات التي صاحبت كل فعاليات الجنوبيين،وبعدما تيقن الحاكم أنّ شعب الجنوب،مصمم على تقديم المزيد من التضحيات من أجل الوصول إلى تحقيق كل أهدافه،لذلك قرر الحاكم استبدال أساليب الترهيب والقوة بأساليب الترغيب. ومن أجل الوصول إلى تحقيق هدفه الأساسي،المتمثل في وقف وإخماد الحراك الشعبي في الجنوب،فقد انتقى مجموعة من الوسائل،نلخصها بالآتي:

1. إثر تزايد حركة الاعتصامات والاحتجاجات،التي رفعت العديد من المظالم التي تعرض لها شعب الجنوب بسبب الحرب ونتائجها،وأهمها إقصاءه من معادلة الوحدة،ومع أنّ المشكلة واضحة وكذلك حلها،إلا أنّ الحاكم لم يختار الحل الصحيح لقضية الجنوب،بل ذهب لانتقاء ما يناسب رغبته ومزاجه من حلول. وقبل ذلك اختار توصيفه الخاص للمشكلة،حيث حصر القضية في مشكلة المتقاعدين العسكريين والأمنيين، ومشكلة التلاعب بالأراضي. وانسجاما مع ذلك،أسرع إلى تشكيل لجنتين خاصتين بهاتين المشكلتين. وزيادة في خداعنا وخداع الرأي العام الداخلي والخارجي،فقد اختار شخصيتين جنوبيتين لرئاستهما.أما باقي قوام اللجنتين فقد استحوذ الشماليون عليهما.

   ودون الخوض في تفاصيل الكيفية التي عملت من خلالها هاتان اللجنتين،فإنّ ما يهمنا هنا مسألتين فقط. الأولى خاصة بفهم وتعامل كلا اللجنتين مع كل مهمة خاصة بها. والثانية، هي مجموعة المهام التي أنجزتها كل لجنة في إطار المشكلة الموكلة إليها.

   ففيما يخص المسألة الأولى،فقد كان فهم وتعامل اللجنتين مع كل مشكلة خاصة بها غير مختلف عن توصيف الحاكم،باعتبار أنّ مشكلتي المتقاعدين والأراضي قد نتجتا بسبب أخطاء البعض،حتى دون أن يحدد هؤلاء البعض، ليمكن محاسبتهم على أفعالهم تلك.

   أما فيما يخص المسألة الثانية،فقد أعلنت اللجنة الخاصة بمشكلة المتقاعدين،بأنه قد تمّ حلّ أكثر من 95% من القضايا المثارة بصدد هذه المشكلة.. أما اللجنة الأخرى،فقد خلصت في تقريرها إلى أنّ مشكلة الأراضي في الجنوب،ناتجة عن سلوك 15نافذاً ليس إلاّ.

   وبشكلٍ عام يمكننا تقييم هذه الحالة على النحو الآتي:

أ. من المؤكد بأنّ الفرضية الخاطئة تؤدي إلى نتيجة خاطئة. وهذا من المنطق. وما دام لم يتمّ الاعتراف بأنّ " قضية الجنوب " وما تفرَّع عنها من مشكلات،هي نتيجة سياسية لفعل سياسي هو الحرب،فمن المؤكد بأنّ أية معالجات أو حلول لهذه المشكلة أو تلك ذات العلاقة بقضية الجنوب،ستكون قاصرة وغير ذات جدوى. وهذا هو واقع الحال مع معالجات اللجنتين المذكورتين سابقاً بصدد المشكلتين إياهما.

ب. من المعلوم بأنّ النظام السياسي القائم،يتسم بحالة من الفساد في درجاته المتقدمة،مقارنة مع هو موجود في الدول الأخرى من العالم. كما أنّ الفساد هنا يوجد بحالتيه السياسي والإداري.وبسبب هذا الواقع،يكون متعسراً جداً،بل ومستبعداً للغاية على اللجنتين المذكورتين،تحقيق أية نجاحات حقيقية وملموسة بصدد ما كُلفتا به. ويعود السبب الرئيس،إلى أنّ الفاسد لا ينتج إلا فاسداً.

ج. ومقابل ما أعلنت عنه لجنتي السلطة،فإنّ الواقع يتحدث بعكس ذلك تماماً،حيث أنّ المعنيين بالأمر وهم المتقاعدين،قد نفوا إدعاءات السلطة بصدد ما أنجزته اللجنة الأولى،وأكدوا بأنّ إنجازها لم يتعدى(4%)من إجمالي المتقاعدين،كما أنّ من تمّ إعادتهم لم تسوّى أوضاعهم، أكان من حيث الدرجة العسكرية أو المالية بطريقة عادلة،ولم يعادوا إلى مراكزهم التي كانوا يشغلونها وقت إحالتهم إلى التقاعد القسري وغير القانوني.

   أما لجنة معالجة مشكلة الأراضي ،فإنّ مهمتها تظل أصعب بكثير مما هي عليه في الأولى.وسبب ذلك يعود إلى أنّ ما تعرضت له أراضي الجنوب، من سلب ونهب منذ احتلالها حتى الآن،يصل إلى مستوى الجريمة المنظمة،نفذتها سلطة السابع من يوليو لصالح المتنفذين السياسيين والعسكريين والأمنيين،ومشايخ القبائل وغيرهم. وكلُّ هؤلاء أو غالبيتهم العظمى،هم من خارج الجنوب. ومن غير المخفي أنّ توزيع أراضي الجنوب بهذه الطريقة المقيتة وعلى هؤلاء،قد تأسس على اعتبار أنّ هؤلاء هم جزء من السلطة القائمة،وأنّ ما تمّ توزيعه عليهم،هي بمثابة جعالات لخدماتهم التي قدموها لهذه السلطة،في حربها على الجنوب أو في تدميره لاحقاً .

   والمصيبة الكبرى أنّ ردَّ فعل الحاكم على نهب أراضي الجنوب لم يكن في الاتجاه الصحيح. فبدلاً من تفهُّم المشكلة والإسراع في وضع الحلول السليمة لها،نجده يصرِّح في إحدى حطاباته التي لا تحصى،بأنّ هناك جنوبيين محسوبين على نظام ما قبل الوحدة في الجنوب،قد تحصلوا على أراضي مثل الآخرين،ونسي بدوره أنّ الحديث يخص نهب أراضي الجنوب،وليس نهب أراضي الشمال،وأنّ من ذكرهم هم جنوبيون،وهذه أرضهم.

    وخلاصة القول بأنّ محاولة الحاكم في تحقيق هدف الالتفاف على حركة الاعتصامات والاحتجاجات،ومن ثمّ إخمادها في المهد أو حتى التقليل من شأنها من خلال هاتين اللجنتين،قد فشلت فشلاً ذريعاً،وذلك يرجع إلى مجموعة الوقائع التي ذكرناها. ويعني ذلك أنّ الحركة الشعبية في الجنوب لم تهدأ،بل أخذت وتيرتها بالتصاعـد والارتفاع،مما زاد من قـلق الحاكم.

2. ثمّ انتقل الحاكم إلى خطوة تمثلت في تشكيل" لجنة تقييم الظواهر التي تؤثر على السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية والتنمية "،برئاسة الأستاذ سالم صالح محمد،الذي يشغل مستشاراً لعلي عبد الله صالح،وهو أحد المحسوبين على التجربة الجنوبية في الزمن السابق للوحدة. وملخص ملاحظاتنا على هذه الخطوة تتمثل في الآتي:

أ. مرة أخرى نقول ونؤكد،بأنَّ الحاكم ما زال يفضِّل الحلول بالتجزئة أو بالقطعة،أو بعبارة أصح بأنه يفضل الهروب بعيداً إلى الأمام،مع أنّ حلَّ مشكلتنا واضح وسهل. أي أنّ الحلَّ يتلخص في خطوتين لا ثالث لهما. الأولى، هي الاعتراف صراحةً وجهاراً بخطأ ما حدث وأرتكب ضد الجنوب بفعل الحرب،أي الإقرار بوجود قضية للجنوب. أما الخطوة الثانية،فتتلخص في تصحيح كلّ الأخطاء التي ارتكبت ضد الجنوب وشعبه بفعل الحرب،أي استعادة الجنوب لموقعه في معادلة وحدة 22مايو1990م،أي العودة إلى الوضع الذي كنا عليه في 22مايو 1990م. وبالتالي فإنّ تشكيل هذه اللجنة،هو بمثابة إصرار على استمرار الخطأ المرتكب.

ب. عند التدقيق في تاريخ صدور قرار تشكيل هذه اللجنة، نلاحظ أنها شُكلت بموجب القرار الجمهوري رقم(17) لسنة 2007م،الذي صدر بتاريخ 22أغسطس،وهذا يعني أنّ تشكيلها جاء عقب فعاليات أبناء الجنوب،التي جرى تنفيذها في الثاني من أغسطس،وهو اليوم الذي يحمل ذكرى احتلال بلد عربي(العراق)،لبلد عربي آخر(الكويت)،وإلحاق الثاني بالأول. وانطلاقاً من هذا الحدث،فإنَّ الحاكم بتشكيله هذه اللجنة مرفقةً بالأهداف والمهام المكلفة بإنجازها،يكون قد أراد أن يقول شيئين اثنين:الأول،أن ينفِ عن نفسه تهمة احتلال الجنوب،بمعنى أنّ عملية المقارنة بين الحالتين غير صحيحة من وجهة نظره. أما الشيء الثاني،فهو قلقه وخوفه البالغين من انتقال هذه الفكرة من شعارات يتمّ ترديدها في الفعاليات السياسية ــ التي ينظمها الجنوبيون بين الحين والآخرــ إلى عقيدة راسخة في ذهنية وضمير كلّ جنوبي. وفي الحالتين فإنّ الحاكم لم يفلح في تجاوز هذين المحذورين،أو الشيئين كما أطلقنا عليهما،فلقد(سبق السيف العذل) كما تقول العرب.

ج. لا تختلف الأهداف التي يرمي إليها الحاكم من تشكيله لهذه اللجنة،عن تلك الأهداف التي ذكرناها في حالة تشكيل اللجنتين المذكورتين سابقاً،وخاصة فيما يخص هدفه في الالتفاف على المشكلة الأساسية(قضية الجنوب)،وتأكد لنا ذلك من خلال استعراض مجموعة الأهداف والمهام التفصيلية،التي تضمنها هذا القرار،حيث نجد أنّ مهمة(دراسة وتقييم ما تبقى من الآثار السلبية لفتنة صيف 1994م،ووضع الحلول المناسبة الكفيلة بإنهائها )،قد وضعت في مكان متأخر من حيث ترتيبها في السياق العام للقرار،كما أنّ التدقيق في مفردات هذه المهمة،كلها شواهد ساطعة على أنّ الحاكم يريد أن ينفِ أية أهمية لاحتجاجات الجنوب،بل وإنكار وجود أي شيء تحت مسمى(قضية الجنوب). ولكن حَبْـل الكذب دائماً قصير.

د. وإذا ذهبنا إلى تشكيلة هذه اللجنة،سنلاحظ أنها تتكون من(51)عضواً حددهم القرار بالاسم،إضافة إلى(20)عضواً،هم أعضاء عموم المجالس المحلية في جميع المحافظات،الذين شملهم القرار المذكور.وبذلك يكون قوام اللجنة قد تجاوز السبعين عضواً بقليل.

   وإذا انتقلنا من الحديث عن القوام العددي للجنة إلى فحص المحتوى الداخلي لتركيب اللجنة،سنلاحظ أنّ الحاكم قد هدف من ذلك إلى خداع الجميع بواسطة تطعيم اللجنة بشخصيات من أصول جنوبية،إلا أن غالبيتها العظمى هي في خدمة هذا الحاكم،الذي قام بإصدار هذا القرار.

   وتأسيساً على تشخيصنا هذا،فإنّ المتوقع من هذه اللجنة فيما يخص الجزئية الخاصة بحرب صيف 1994م وآثارها،لا يمكن أن يتجاوز رغبة الحاكم منها،هذا إذا افترضنا أنّ اللجنة تتمتع بأدنى مستوى من الحيادية والشجاعة.

هـ. وإذا أعدنا قراءة المهام والاختصاصات التي حددها القرار لهذه اللجنة،فإنّ ذلك يقودنا إلى مجموعة من الحقائق،وهي: إذا تذكرنا أنّ رئيس هذه اللجنة،هو الشخصية الجنوبية، الأستاذ سالم صالح محمد،وأنّ تشكيل اللجنة ناتج عن تطور الأوضاع في الجنوب،وأنّ الكم الأكبر من مهام واختصاصات اللجنة،له علاقة مباشرة بهذا الوضع،فإنَّ ذلك كله يؤكد لنا بأنّ الهدف الرئيس والحقيقي من تشكيل هذه اللجنة،هو وضعها في حالة مواجهة مباشرة مع شعب الجنوب وقضيته،نيابة عن الخصم الحقيقي للجنوب. وهذه هي الحقيقة الأولى. وإذا أعدنا قراءة المهام والاختصاصات الخاصة بهذه اللجنة مرة أخرى،فأنّ ذلك يظهر لنا بأنه قد أسندت إليها مهام واختصاصات،هي في الأصل خاصة بمؤسسات أخرى،مثل مجلسي النواب والشورى والحكومة وجهاز الرقابة والمحاسبة،وحتى جهازي الأمن السياسي والأمن القومي. وهذا كله يدحض بقوة أكذوبة وجود دولة من الأساس، ناهيك أن تكون لهذه الدولة أية علاقة بالمؤسسات والقانون. وهذه هي الحقيقة الثانية.

و. وإذا تذكرنا أيضاً، بأنّ القرار المذكور قد قضى بتبعية هذه اللجنة برئيس الجمهورية مباشرة،فإنَّ ذلك يقودنا إلى أولاً ما ذهبنا إليه في الملاحظة السابقة،بانتفاء الصفة المؤسساتية والقانونية لهذه الدولة اليمنية،بمعنى أنّ ما هو متوافر،ليس سوى سلطة تمتلك أدوات قمعية وليس دولة. وثانياً،أنّ هذه السلطة قد تركزت بيد فرد واحد،هو رئيس الجمهورية الذي حوَّل كلّ شيء في هذا البلد إلى ملكية شخصية له،وأنه لا يكنُّ لهذه المؤسسات أدنى قدر من الاحترام،ولا يثق بها.

ز. وإذا صح استنتاجنا الخاص من أنّ الهدف الحقيقي لهذه اللجنة،هو وضعها في حالة مواجهة مع شعب الجنوب وقضيته،نيابة عن الخصم الحقيقي للجنوب ـ وهو الحاكم ـ فيعني ذلك بأنّ الحاكم سيستغل نشاط اللجنة،وما ستقدمه من مقترحات أو توصيات لقمع حركة الجنوب. أي أنّ اللجنة ورئيسها على وجه الخصوص، سيلعبان دور حصان طروادة في الصراع بين شعب الجنوب وسلطة السابع من يوليو.

3. وإذا علمنا بأنّ سلطة السابع من يوليو،لم تحتفل بأية مناسبة وطنية خاصة بالجنوب،وبالتحديد مناسبتي ثورة الرابع عشر من أكتوبر والاستقلال الوطنين، الثلاثين من نوفمبر،بل ركزت واهتمت هذه السلطة للاحتفاء بيوم الثاني والعشرين من مايو. والنبيه لا يحتاج إلى فراسة لاكتشاف السِّر،ذلك لأنّ سلطة السابع من يوليو، قد أفصحت عقب انتهاء الحرب مباشرة عن مخيالها الأيديولوجي ورغبتها المكبوتة،ومن هنا بدأت تتحدث عن " الوحدة المعمدة بالدم " ، " وعودة الفرع إلى الأصل " ، واعتبرت أنّ ما حدث في 22مايو1990م ،ليس إلا عبارة عن إعادة توحيد لليمن ،ناهيك أنّ عيد الاستقلال الوطني للجنوب،تحوّل إلى يوم للجلاء.

   وعندما بدأ شعب الجنوب بالتحرك لاستعادة هويته،وشعر الحاكم بالخطر،شرع يتظاهر بالاهتمام بمناسبات الجنوب الوطنية ،ولذلك أقام حفلين بالذكرى (44) لثورة الرابع عشر من أكتوبر والذكرى (40) للاستقلال الوطني. وقد اختار عدن لتنفيذ المناسبتين. وفي الوقت الذي أخذ الحاكم ينفق بسخاء لهذين الاحتفالين،فقد أخذ في الوقت ذاته يخترع ويبتكر مختلف العراقيل،لمنع شعب الجنوب من الاحتفال بهاتين المناسبتين أو بسواهما. ودائماً ما تختم السلطة احتفالات شعب الجنوب بمذابح،راح ضحيتها حتى الآن حوالي 15 شهيداً،وعدد كبير من الجرحى ،ناهيك عن حملات الاعتقالات لنشطا الحراك السياسي في الجنوب. وفي الحالتين فقد فشل الحاكم فشلاً ذريعاً في خطف هوية الجنوب من أصحابه الأصليين.

4. ومن وسائل الترغيب التي تكرَّم بها الحاكم إلى الجنوب ممثلة برمز تاريخه وسيادته (مدينة عدن)،هو نقل بعض الفعاليات من صنعاء إلى عدن، مثل عقد ندوة " توثيق تاريخ الثورة " وندوة خاصة عن مبادرة علي عبد الله صالح بصدد " النظام الرئاسي " ، وعقد حلقة نقاش عن " اندماج اليمن في مجلس التعاون الخليجي " ، وبعكس ذلك تمّ نقل أهم فعالية خاصة بـ " المنتدى الموازي لمنتدى المستقبل" من عدن إلى صنعاء،بذريعة انعدام توافر البنية الأساسية في عدن. وبحسب ما هو مخطط لهذا الاجتماع،فقد كان من المفترض حضور وزراء خارجية الدول الصناعية الثمان. وواضح أنّ الهدف الحقيقي من ذلك،هو عدم لفت انتباه هؤلاء إلى ما يجري حالياً في ساحة الجنوب.

5. كما أقدم علي عبد الله صالح على خطوة خطيرة وملفتة للانتباه،ونعني بها قراره بالانتقال إلى عدن، ومكوثه ومرابطته على وجه التحديد في قصر الرئاسة،الكائن في مدينة التواهي،وهو المكان ذاته الذي كانت بريطانيا تدير وتحكم منه الجنوب العربي،وهو المكان ذاته الذي كانت تقع فيه إدارة السلطة الوطنية للجنوب،بعد انتزاع الاستقلال الوطني في الثلاثين من نوفمبر عام 1967م،وهو المكان نفسه الذي ارتفع عليه علم دولة الوحدة في 22مايو1990م.

   وبقدر ما يكون مفهوماً ومنطقياً وواقعياً وصحيحاً مائة في المائة،خطوة السلطة الوطنية بعد الاستقلال في اختيار إدارتها في المكان ذاته الذي كانت بريطانيا تحكم منه الجنوب،فإنّ تصرف علي عبد الله صالح،ليست مفهومة ولا منطقية وخاطئة تماما،بل وتحمل طابعاً عدوانياً لشعب الجنوب،خاصة إذا علمنا أنّ الرجل دائما ما يفضل المكوث في منطقة(معاشيق)،وهو بهذا الفعل،يكون قد قوّى ما يؤمن به الجنوبيون بصدد احتلال الشمال للجنوب.

   وإذا كان المندوب السامي البريطاني،قد استخدم هذا المكان لتوزيع عطايا حكومة صاحبة الجلالة على السلاطين و(عقّال) القبائل،من البنادق والنقود بهدف مساعدة المستعمر الأجنبي على توفير الاستقرار،ودعم نفوذه في مختلف مناطق الجنوب،فإنّ ما قام ما به علي عبد الله صالح من توزيع للأموال والسيارات على بعض الأشخاص المحسوبين على شعب الجنوب،يصبُّ في ذاك الهدف نفسه.

6. وفي التصدي للحراك في الجنوب،استخدم الحاكم أسلوب رمي (بعض) الفتات لبعض الكوادر الجنوبية،وقد تمثل ذلك بتعيين بعض أبناء المسئولين الجنوبيين السابقين،وخاصة أولئك الذين سقطوا في خضم الصراعات السياسية قبل توحيد الكيانين،في بعض المواقع السياسية والعسكرية غير الفاعلة،ومن باب تحسين واجهة السلطة ليس إلاّ. ومشكلة هذا الحاكم وهذه السلطة،أنه لم يستطع أن يستوعب نفسية شعب الجنوب،وركبه الوهم بأننا شعب واحد، وبالتالي لم يدرك أنّ للجنوب ثقافته ونفسيته المميزتين بهما،وهذا ليس وهم بالنسبة لنا،ولكنها حقيقة صارخة وثابتة. وفي تفنيدنا لهذا يمكننا ذكر الآتي:

أ. إننا في الجنوب ننظر إلى الشخص ــ أي شخص ــ بقدر ما يقدمه هو بالذات من عمل طيب،وليس بما لهذا الشخص من علاقات بالآخرين،كأن يكون ابن مسئول أو شهيد أو غيره،علماً بأننا في الجنوب قد تجاوزنا العلاقات القديمة. وحتى عندما أرادت سلطة صنعاء أن تعيد زرع مشايخ للقبائل وعقّال للحارات،لم تفلح بما فيه الكفاية. ولذلك فعندما عينت سلطة صنعاء بعض أبناء المسئولين الجنوبيين السابقين في بعض المواقع الحكومية،لم تمثل هذه الخطوة أية قيمة تذكر لمواطني الجنوب ،لأنّ المسألة لا تعني إلا الذين تمّ تعيينهم فقط ، أما آباء هؤلاء فقد كانوا يحملون قيماً أخرى ،كافحوا واستشهدوا من أجلها لا تمت بصلة بسلوك أبناءهم لا من قريب ولا من بعيد.

ب. كما أنّ موقف الإنسان الجنوبي من أي شخصِ آخرــ بغض النظر عن قربه أو بعده عنه ــ ليس ثابتاً على الإطلاق،ولكنه متصلٌ بقدر تمسك ذلك الشخص الآخر بالقيمة الإنسانية ذاتها. وحتى لو كان ذلك الشخص متقدماً لصفوف النضال الوطني ، فأنّ ذلك الشخص سيفقد كل تقدير ومكانة بين الناس،إذا ما اعتقد الناس ــ فقط مجرد اعتقاد ــ أنه قد ترك موقعه ذلك إلى موقعٍ آخر لا يحبذونه. فكيف هو الأمر إذا ما تبين لهم أنه تركهم فعلاً إلى الموقع الذي يكرهونه. وهذا الموقف يتقاطع ويتعاكس تماماً مع ثقافة مواطني(الجمهورية العربية اليمنية)،الذي يعتبر شيخ القبيلة والقرية وعاقل الحارة،وأي مسئول من أبسطهم موقعاً إلى رئيس الدولة،هم المتحكمون بقوت وحياة وكرامة بقية المواطنين. والمشكلة أنّ هذه المناصب وهذا الظلم يتم توريثه لأبناء هؤلاء المسئولين،دون أن ينفعل المواطنون في هذه البقعة من الأرض ضد هذا القهر. وقد تبين لنا فعلاً بأنّ الذي حدث في سبتمبر1962م، لم يكن سوى استبدال إمام واحد بعددٍ من الأئمة . ولذلك لا غرابة إذا ما شاهدنا على شاشات التلفزة عشرات،بل ومئات الآلاف من المتظاهرين في صنعاء أو غيرها من مدن( الشمال)، يتضامنون مع الأخوة الفلسطينيين، ولكنهم لا يجرؤن أن يتضامنوا مع حالهم البائس.      

ج. إنّ إدراكنا وتمسكنا في الجنوب بقيمة(المواطنة المتساوية)،تختلف وتتباعد وتتقاطع مع ما هو متوافر لدى مواطني دولة(الشمال)،بخصوص هذه القيمة . ويمكننا تلخيص المسألة على النحو الآتي :

1. إنَّ المقصود باختصار شديد بـ ( المواطنة المتساوية)،هي تلك الحالة أو الوضعية التي يتساوى فيها مواطنو دولة أو مجتمعٍ (ما) في الحقوق والواجبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية،وأنْ يكون جميع مواطني هذه الدولة متساويين أمام القانون بصرف النظر عن اختلافاتهم الاجتماعية أو العرقية أو الدينية،أو الجنس.

2. وإذا انتقلنا إلى الحالة التشخيصية التي تجسَّدت فيها هذه القيمة في كلا دولتي (الجنوب)و(الشمال) إلى ما قبل 22مايو1990م،فإنَّ تجليّات وتجسيد قيمة(المواطنة المتساوية) في الدولتين والمجتمعين إياهما،كانت مختلفة ومتباينة .

   ففي الجنوب دولةً ومجتمعاً، كانت هذه القيمة،قد قطعت شوطاً طويلاً فيما يخص جانبيها التشريعي وفي الممارسة،بحيث يمكن القول بأنها قد اقتربت كثيراً من مفهومها النظري،الذي ألمحنا إليه آنفاً،إنٍ لم نقل أنها قد تطابقت معه تماماً . فقد تمتع الناس في الجنوب في ظلِّ دولة جمهورية الجنوب الديمقراطية،بالمساواة في حقوقهم السياسية والحصول كلّ فرد على الوظيفة العامة، وكان المواطنون متساوون أمام القانون والقضاء، مهما كانت مراكزهم القيادية في الحزب أو الدولة . وهناك وقائع مشهورة،تعرض فيها مسئولون في جهازي الحزب والدولة للمساءلة والعقوبة،بسبب خرقهم لهذا القانون أو ذاك . ناهيك عن امتعاض أفراد المجتمع من سلوكهم ذاك . وما يجري اليوم في ساحات الجنوب،لهو في جانب منه تعبير صارخ عن فقدان مواطنيه لتلك المواطنة المتساوية التي ضاعت إلى غير رجعة. وبعكس ذلك فإن الناس  في الشمال قد تقبلوا كل واقعٍ مشين،بما فيه التنازل عن مواطنتهم بثمن بخس وهو أن يعيشوا،و،منفذين الشعار المفضَّل للحاكم :( فليحقدوا شرط أن يخافوا)،وهو بالمناسبة شعار الطاغية نيرون،الذي أحرق مدينة روما .   

      

          

 

ــ 3 ــ

العبر والدروس .. أو ما العمل ؟؟

   بعد هذه السياحة ، يكون من المفيد جداً استخلاص العبر والدروس،وذلك بالاستناد إلى ما قطعته الحركة الاحتجاجية لشعب الجنوب،منذ ظهورها وحتى الآن ،وذلك بهدف الحفاظ على وهجها وحيويتها ،ومن ثمّ استمرارها وتوفير شروط نجاحها.

أولاً. إنَّ قضية الجنوب ليست مستوحاة من الخيال ،ولم يجري استدعائها من وراء الميتافيزيقيا،ولكنها منبثقة من أرض الواقع ولاصقة به تماماً. وزيادة على ذلك ،فإنّ الجنوب




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."