محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
رحلة الدستور المصرى عبر التاريخ (4-4)
على هامش دستور الأمة (2)
على الرغم من أن مصر قد بدأت مبكرا فى الأخذ بالمبادىء الدستورية فى الحكم الا أن دستور سنة 1923 يعتبر الأكثر ارتباطا بالمبادىء الدستورية و النيابية الحديثة عما خلافه من الدساتير المصرية السابقة، و قد تأثرت اللجنة التى قامت بوضعه بعدد من الدساتير الأوروبية السابقة عليه، و ان كان التركيز الأساسى فى ذلك كان على الدستور البلجيكى.. و قبل الخوض فى التعليق على هذا الدستور، من وجهة نظر المؤرخين و القانونيين، أود أن أتطرق الى تعريف الدستور بصفة عامة، و أعتقد ان هذا التعريف قد جاء متاخرا الى حد ما و لكنى أعتقد أيضا أن وقته لم يفت بعد..
فى البداية فان كلمة دستور ليس لها أصل فى اللغة العربية، و قد اتُفِق على ان أصلها فارسى و تعنى الأساس أو القاعدة أو النظام، و قد نُقِلت الى اللغة العربية بنفس اللفظ و المعنى... أما كمصطلح قانونى فان الدستور هو أبو القوانين أو الوثيقة الحاكمة لكل القوانين الأدنى منه، و هو عبارة عن مجموعة من المبادىء الأساسية التى تحدد نظام الحكم فى الدولة أو العلاقة بين الحاكم و المحكومين، و تحدد سلطات مؤسسات الدولة و تنظم العلاقة بين هذه السلطات، كذلك فهى تحدد حقوق و التزامات كل من الحكومة و الأفراد.. و لا يجوز لأى قانون يصدر فى الدولة أن يخالف أحكام دستور الدولة..
يبقى فى هذا التعريف أن نقول أن الدستور قد يكون مدونا فى صورة وثيقة مكتوبة، و هذا ينطبق على غالبية دساتير العالم، و قد يكون غير مدون و يُبنى على قواعد عرفية استمر العمل بها لسنوات طويلة حتى أصبحت بمثابة القانون، و لهذا يطلق على الدستور من هذا النوع أحيانا الدستور العرفى.. و من أبرز الأمثلة على هذا النوع ما هو معمول به فى أعرق الدول التى تتبع النظام النيابى الديموقراطى فى العالم و هى بريطانيا...
نأتى الآن لدستور سنة 1923 الذى يعتبره أغلب فقهاء القانون خطوة هامة فى التطور الدستورى و السياسى لمصر، فقد نقل نظام الحكم فيها من الحكم المطلق الى مرحلة الحكومة الدستورية و الحكم الملكى المقيد، و أكد على مفهوم الدولة القانونية التى تقوم على توزيع السلطات العامة بين الملك و الوزارة و البرلمان، و يعتبر من أهم النقاط التى عبر عنها دستور سنة 1923 هو انتقال مصر من مرحلة التبعية لبريطانيا الى مرحلة الاستقلال و هذا ما نصت عليه المادة الأولى منه... وواضح أن اللجنة التى صاغت هذا الدستور انطلقت من منطلق فكرى يؤسس على ثلاثة أفكار رئيسية:
1- الفكرة الأولى هى مبدأ سيادة الأمة ( الأمة مصدر السلطات )، و بدا هذا واضحا فى أمرين.. الأمر الأول هو جعل السلطة التشريعية خالصة للبرلمان و يقتصر دور الملك هنا على حق الاعتراض التوفيقى، بمعنى اعادة القانون للدراسة، و ليس حق الفيتو، بمعنى الغاء القانون أو رفضه.. الأمر الثانى هو مبدأ مسؤولية الوزراء مسؤولية جماعية و فردية أمام البرلمان و حق الأخير فى سحب الثقة من وزير معين أو من الوزارة ككل.
2- الفكرة الثانية هى تَبَنى المذهب الليبرالى الذى كان يتطور تطورا واضحا عبر دول العالم، و الذى يؤسس للحرية الفردية سياسيا و اجتماعيا و ثقافيا، و ان تكون سلطة الدولة مركزة فى مسائل الدفاع ضد القوى الخارجية و الأمن الداخلى و القضاء.
3- الفكرة الثالثة هى أولا التأكيد على الفصل التام بين سلطات الدولة الثلاث، التنفيذية و التشريعية و القضائية، ثم ثانيا تحقيق مبدأ التوازن بين هذه السلطات الثلاث بقد الامكان.
ما سبق هو رأى فقهاء القانون الذين رأوا فى دستور سنة 1923 نقلة الى الأمام، و مع هذا فهناك بعض المحللين الذين كان لهم رأى آخر... فقد رأى الدكتور رؤوف عباس، مثلا، أن اقامة حكم نيابى دستورى فى مصر جاء بناء على رغبة السلطات البريطانية كما جاء نصا فى المذكرة التفسيرية التى قدمها المندوب السامى البريطانى الى السلطان أحمد فؤاد رفق تصريح 28 فبراير سنة 1922م، و أن استجابة السلطان، الذى أصبح ملكا بعد ذلك، كان سعيا لتحقيق المبادرة البريطانية بالشكل الذى لا يؤثر على ميوله الاستبدادية، و انه بدلا من أن يعهد لجمعية تأسيسية بصياغة الدستور شكل لجنة خاصة لهذا الغرض.. و يرى أيضا أن هذه اللجنة، بدلا من أن تكون مرجعيتها لصياغة الدستور هى التجربة الدستورية المصرية ( دستور 1882 )، لجأت الى بعض الدساتير الأوروبية - و خاصة البلجيكى - لتكون مرجعية لها، و بعد ذلك تولت اللجنة التشريعية لوزارة الحقانية ( العدل ) تعديل المشروع لتوسيع سلطات الملك على حساب الشعب، ثم بعد ذلك لم يطرح مشروع الدستور للاستفتاء العام و لكنه صدر بأمر ملكى ليبدو الدستور كمنحة ملكية يستردها وقتما شاء. بالاضافة لهذا فان السلطات الكبيرة التى اختص بها الملك نفسه فى الدستور أدت الى اضعاف التجربة النيابية و الاضرار بالدستور و يتمثل ذلك فى اتخاذ الملك أحزاب الأقلية سندا له و فى تزوير الانتخابات و بذلك تم القضاء على مبدأ أن الأمة مصدر السلطات... و يخلص الدكتور رؤوف عباس فى النهاية الى ان الممارسات الانتخابية فى الحقبة المسماه بالليبرالية قد مسخت جوهر النظام الليبرالى، و أنه بذلك لم يحقق دستور 1923 حياة نيابية سليمة...
و اذا كان لى ان أبدى رأيا فى هذا الجدل فانى أميل الى رأى فقهاء القانون الذين قالوا بأن هذا الدستور كان خطوة الى الأمام فى مشوار تطور الدستور المصرى. و مع احترامى الشديد لرأى الدكتور رؤوف عباس و من يؤيده، الا اننى أرى أن العبث بالدستور هو الذى أدى الى القصور و الى العثرات التى لاقتها تلك التجربة الديموقراطية فى التاريخ المصرى الحديث، و ان الدستور فى حد ذاته لم يكن هو السبب فى هذه العثرات..
فبالاضافة لما سبق ذكره، مع تكرار بعض الأمور لأهميتها، فاننا نعرف أن أى دستور انما يعبر عن توازن القوى و السلطات فى الساحة السياسية و قد أكد دستور سنة 1923 على هذا التوازن و أرسى عدة مبادىء هامة نوجزها فيما يلى:
1- الأمة مصدر السلطات.
2- المساواة بين المصريين أمام القانون.
3- ولاية المناصب مقصور على المصريين.
4- كفالة الحريات الشخصية و العامة و حرية الصحافة.
5- حرمة المساكن و حرمة الملكية الشخصية و حظر نفى المصريين خارج البلاد.
6- مجانية التعليم الأولى و جعله الزاميا.
7- رقابة البرلمان على أعمال الحكومة و حقه فى سحب الثقة من الحكومة أو الوزراء.
8- استقلالية القضاء التامة.
9- ولاية الملك للسلطة بواسطة الوزراء.
10- عدم جواز تعطيل أى حكم من أحكام الدستور الا فى حالات خاصة جدا.
و يجدر بنا فى النهاية أن نشير الى ان أى دستور وضعى ليس أمرا منزلا من الله، سبحانه و تعالى، و لكنه اجتهاد بشرى قابل للتعديل فى أى وقت، حتى أن الدستور الأمريكى، و هو أقدم دستور مكتوب فى العالم الحديث، و قد صدر عام 1786م قد بُدِء فى تعديله بعد صدوره بخمس سنوات، و كان ذلك فى 15 ديسمبر عام 1791م، فى هيئة التعديلات العشرة الشهيرة و التى عُرِفت باسم " قانون الحقوق "... هذه التعديلات فى الحقيقة تعتبر من أهم بنود الدستور الأمريكى و هى التى أسست للحقوق و الضمانات الأساسية لمواطنى الولايات المتحدة الأمريكية مع انها فى حد ذاتها تعديلات على الدستور الأصلى... و قد استمرت التعديلات على هذا الدستور حتى بلغ عددها سبع و عشرون تعديلا، و من الطريف أن التعديل السابع و العشرين قد تم اقتراحه فى 25 سبتمبر سنة 1789م و تم التصديق عليه بعد 203 سنة فى 7 مايو سنة 1992م ...
قبل أن أنتهى من كلامى هنا أود التأكيد على انه لو قُدِر لدستور 1923 أن يستمر فى تطوره الطبيعى فربما كانت مصر تملك الآن أفضل دستور بين دساتير العالم.
|