المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
رحلة الدستور المصرى عبر التاريخ (3-6)

 

على هامش الهامش (1):

أثناء تحضيرى لحلقات الدستور المصرى مررت على أحداث تاريخية و معلومات قد تكون ذات علاقة بالموضوع و قد لا تكون كذلك، و لكن لم يكن مكانها أن تذكر أثناء الحديث عن الدستور... و الحقيقة أن تلك الأحداث و المعلومات، فى رأيى، لها دلالات هامة، و لذلك فقد رايت أن أنشرها هنا تحت هذا العنوان..

أول هذه الأحداث هو واقعة رُِويت فى أكثر من مطبوعة، و هى واقعة يقال أنها حدثت فى أول جلسة من جلسات مجلس شورى النواب فى دور انعقاده الأول فى عهد الخديوى اسماعيل.... فى كل ما قرأت عن هذه الواقعة اتفقت كل الروايات على أنها حدثت فعلا، باستثناء رواية واحدة للمؤرخ عبد الرحمن الرافعى الذى نفى حدوثها تماما.. ففى كتابه "عصر اسماعيل"، الجزء الثانى، وفى معرض حديثه عن مجلس النواب، و تحت عنوان " رواية لا أصل لها " يقول عبد الرحمن الرافعى بالنص:

و لا يسعنا أن نختم هذا المبحث قبل أن نشير الى رواية يرددها المؤلفين عن موقف المعارضة بمجلس شورى النواب فى أول أدوار انعقاده، فقد زعموا أن شريف باشا، و كان اذ ذاك وزيرا للداخلية، أفهم النواب أن المجالس النيابية تنقسم الى حزبين، أحدهما يؤيد الحكومة و الآخر يعارضها، و أنه يجدر بهم أن يؤلفوا من بينهم ذينك الحزبين، و أن أعضاء حزب الحكومة يجلسون فى مقاعد اليمين، و نواب المعارضة يجلسون فى مقاعد اليسار، فاستنكر النواب أن يكون من بينهم من يعارض الحكومة، و جلسوا جميعا فى مقاعد اليمين، فأفهمهم شريف باشا أنه لابد ان يجلس بعضهم فى مقاعد اليسار، فما كان من الأعضاء الا أن تحولوا اليها جميعا.

و ظاهر على هذه الرواية مسحة الهزل و الخيال، فهى ولا شك من مخترعات بعض الكتاب الأوروبيين الذين يطيب لهم أن يبتدعوا أمثال هذه الحكاية، و قد بحثنا كثيرا و لم نجد لها سندا من أقوال شاهد عيان، ولا جاء ذكرها و لو تلميحا فى مضابط المجلس، على ان الرواية فى ذاتها لا يسيغها المنطق، فان نظام المجلس و حدوده و اختصاصاته و ملابساته، كل ذلك لا يدع مجالا لتأليف أحزاب، فالأحزاب الموالية و المعارضة انما توجد حيث يكون للمجلس حق الاقتراع على الثقة بالوزارة، و لم يكن لمجلس شورى النواب هذا الحق أصلا. هذا من جهة، و من جهة أخرى فقد شهد أحد الكتاب الفرنسيين و هو المسيو جليون دنجلار حوادث مصر من سنة 1865 الى سنة 1875، و له عن مشاهداته فيها رسائل تكلم فيها عن مجلس شورى النواب، فلم يذكر هذه الحكاية و لا أشار اليها، و لو كان لها ظل من الواقع لما فاته أن يذكرها، و هذا يقع ببطلانها، و كل ماذكره المسيو دنجلار عن موقف المعارضة فى المجلس أنه ظهر بين أعضائه نائبان معارضان أبديا رأيهما بما يخالف وجهة نظر الحكومة، و قال فكان جزاؤهما الطرد من المجلس بأمر الخديوى باعتبار أنهما عضوان مشاغبان للحكومة و انهما خطر على الأمن العام.

فهذه الرواية يسيغها العقل و يؤيدها المنطق، فان نزعة الحكومة الاستبدادية  تأبى أن يقف نائب فى ذلك العصر موقف المعارضة، فلا غرابة أن تبادر الحكومة الى طرد النائبين المعارضين من المجلس، و كنا نود أن نعرف من هما هذان النائبان الجريئان اللذان ظهرا بهذا المظهر المشرف فى أدوار الانعقاد الأولى لمجلس شورى النواب، و لكننا لم نظفر بهذه الأمنية، و لم نتبين نواب المعارضة الا فى أدوار انعقاده الأخيرة كما سيجىء بيانه..

انتهى كلام عبد الرحمن بك الرافعى.. و على الرغم من أن حججه لاثبات زيف هذه الواقعة حجج غير قوية و غير موثقة الا ان منطقها سليم و أنا أميل أكثر الى رأيه، فعادة حجج الاثبات هى التى تؤيَد بالوثائق أما حجج النفى فعادة ما تُؤَيَد بالمنطق... و على أية حال فان أصحاب الرواية لم تكن لهم أى حجج على الاطلاق سواء قوية  أو ضعيفة و انما سُرِدت الرواية كما هى كما لو كانت واقعا لا يحتاج لأدلة...

 

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."