سر السعادة
و الحق أقول أني ما سلكت طريقا ألتمس فيه علما، إلا و وجدت العَون و المَدد من الله عز و جل... و ما اخترت مسارا يُفضي إلى نيل الحُظوة من القرب من جناب الله جل و علا، إلا و كان الفوز و العزة حليفي... ذلك أن سمو المُبتغى و نُبل المسعى ُيضفي بالأنوار على كل جوانب النفس، فلا يدع منها مكانا مظلما إلا و جمعه على الله حتى يصير منيرا مشرقا بإذنه.
هكذا إذن نتحسس سعادة الشيخ و العالم الفرح بمعرفة الله جل و علا، هكذا يتراءى لنا ذلك السر الذي يجعل أولياء الله يعرضون عن كل لذة إلا لذة وصل المحبوب الذي عشقته نفوسهم حتى استغنوا به عن العالمين...
فأنى لنا بإيمان يُضاهي إيمانهم، و يقين يسمو إلى يقينهم، و تصديق يتأسى بصدق هؤلاء الثلة من الشرفاء الأنقياء.
و إني، و الله، لا أزكي على الله أحدا، غير أني أكاد أجزم أن السعادة، التي هي و لا شك مطلب كل إنسان، ما هي إلا في صحبة هاته الثلة من الأتقياء الأخيار... هذه القلوب الموصولة بالله، التي جعلت من الذكر لها مَعينا لا ينضب ماؤه، و من الشكر رواء لا ينقضي صفاؤه و لا يخفت ضياؤه.
و قد بقيت زمنا غير يسير أبحث بين الناس، على الرغم من جهلي و سوء تقديري، عمّن يروّي غليلي، أحاول يائسة أن أقلب معادنهم و أمحّص مشاربهم ، و أحسبني ما وجدت معدنا أصفى من معدنهم، و لا مشربا أروى و لا أنقى من مشربهم، و لا قوما أحسن سريرة و لا خيرا منهم.
لامني كثيرون حتى أَوشحوا بوجوههم عني، و عاب علي أكثر منهم؛ القريب و البعيد، و الداني قبل القاصي، و راحوا يقولون و هم يحسبون أنهم يسدون لي النصح: "و الله ما علمنا عليك سوءاً إلا مودتك لهؤلاء الحالمين بعالم لا وجود له إلا في أذهانهم،و ما رأينا منك عيبا إلا دوام ذكرك لهم، و تلهفك عليهم، فهلاَّ ثُبت إلى رشدك و رجعت عن أحلامك و غيّك". هممت بالرد غير أني أيقنت أنه مهما قلت أو نظمت، فهيهات هيهات أن يفهمون... فما و الله أرى من هذه النفس العصية التي لا زالت تثَّاقل عمًا تهفو إليه قلوب الأخيار، و تحمل من الأوزار ما تنوء بحمله الجبال، إلا تقصيرا و تفريطا في جنب الله، و لا يحملها على المسارعة إلى مرضاته، في هبة من هباتها أو في يقظة عابرة، إلا ما تراه منهم من منافسة في الخير و تسابق نحو مرضاته... و ما وجدت من فضيلة و لا حميدة تائهة في صحراء نفسي الموحشة إلا و كانت بفضل من الله و نعمته من محمود صحبتهم و زج النفس بين صفوفهم. و إني لأخجل إن سألتُ عني و عن حالي من يعرفني من قبل أن أنعم بلذيذ معرفتهم، و أزين النفس بجمال صحبتهم... فلا بد أن يجري لسانُه بما لا أستطيع البوح به حتى لا أهتك سترا سترني الله به. و يكفيني ردا حديث الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"رواه أبو داود والترمذيّ، بسندٍ حسن. و حديثه صلى الله عليه و سلم: "إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء . قيل : من هم يا رسول الله ؟ لعلنا نحبهم . قال : هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب ، وجوههم نور على منابر من نور ، لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس . ثم قرأ : ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ )" رواه أبو داود بإسناد جيد – وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (7/1369) - " انتهى باختصار وتصرف يسير.