المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
المنهج اللقماني في التربية

 

"لا مناص لنا أخواتي المومنات، عن الالتزام بالمنهج الرباني و التمسك بالغيث الرحماني الذي ساقه إلينا المولى عز و جل عن طريق وصايا لقمان الحكيم، التزاما يفرضه العقل و المنطق، و تمسكا تمليه حاجتنا إلى منهج تربوي قويم يأتينا من ذي الذكر الحكيم، من الله ذي الطول العظيم".

بهذه الكلمات المضيئة ختم مجلس العلم و الحلم و موكب النور الملائكي، يتوسطه وجه السكينة، و تحفه الأكف ترتفع متضرعة لله عز و جل : "اللهم ارزقنا الفهم عنك، و حسن الأدب معك".

بهذه الإشارات اللطيفة ختم مجلس النصيحة ليفتح بصيرتنا على أعظم وصايا قد يضربها أب لابنه *وصايا سيدنا لقمان عليه السلام*، و ليشد قلوبنا إلى تلك اللحظة الحانية الودودة التي جلس فيها "أب" يعظ "ابنه" في كثير من الحب و التقدير و الاحترام. لحظة مثيرة جعل منها القرآن الكريم لحظة تاريخية فزادها إثارة و روعة و جمالا.

الوعظ أداة تربية

أكثر ما شد انتباهي و أنا أتلقف بلهف تلك المعاني الرقراقة و العبارات الرنانة التي راحت تنساب من تلك القلوب الصادقة، كيف ألقى الله عز و جل على لسان لقمان الحكيم ثلة من الحكم هي كالجواهر و الدرر... و رحت أتأمل للحظة في ذاك الوعاء الذي حظي بشرف إيواء كل هذه الحكم... تنبهت - و كأنه قد أخذتني سنة - على صوت إحداهن تقول: "و هذا و الله لكفيل ليأخذ بأيدينا حتى نسلك بأبنائنا و فلذات أكبادنا إلى بر الأمان"... أومأت برأسي متظاهرة بأني قد وعيت المعنى المقصود...

 لكنها فكرة عنيدة كانت تصر علي في إلحاح، أحسست بها عميقة و هي تصول و تجول بفكري، و كدت أهتف بمن حولي: "عجيب و الله عجيب... لماذا لم نفكر فيها من قبل؟ على الرغم من بساطتها... أمسكه بلطف... أجلسه أمامك... ثم قل له ما شئت و أنت تعظه... سيحس أنه رجل... و بأنه مهم... و سيستمع لك أكيد"...

 ثم صرت أتأمل : سبحان الله، لم يقل الله ـ و أستغفر الله ـ : و إذ قال لقمان لابنه و هو يربيه ... بل قال عز من قائل في دقة و حكمة بالغتين : " و إذ قال لقمان لابنه و هو يعظه يا بني لا تشرك بالله..." إذ أن الوعظ يملك القدرة على مخاطبة العقل بقوة، في محاولة لبسط عرض مقنع و هادئ، فيعرض عليه كل فكرة فكرة، مقرونة بنتيجتها الطبيعية التي تدخل هي الأخرى في إطار الوصية.

هي إذن أداة قوية من أدوات التربية، و أسلوب متميز للغاية أن يمسك أحدنا ابنه و يقول له: " أي بني! اعلم أنك مسلم توحد الله، فلا تقولن يوما إنما أنا مسلم لأن أبواي مسلمان، فإني و الله لن أغني عنك من الله شيئا إن لم تعلم حقيقة إسلامك و إيمانك. اعلم حفظك الله أنما أنت مسلم لأن الإسلام حق، فقل معي رعاك الله: "أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله..." و بقية الوصية تأتي.

إن فكرة الوصية ذاتها، أسلوب تربوي رائع، استوعبه عدد من الكتاب و المفكرين و المربين (أحمد أمين على سبيل المثال في رائعته الأدبية : "إلى ولدي")، و اقتنعوا به حتى الصميم، فبادروا إلى كتابة وصايا لأبنائهم، و هم يقولون لهم بلسان حفي : "ها أنت يا بني قد أصبحت رجلا تخاطب كالرجال، و لأني لأثق في عقلك و ملكاتك و قدراتك، و أعلم أنك الآن قادر على استيعاب كل المفاهيم مهما كانت دقيقة... و إني لأعدك الآن بهذه الكلمات لحمل لواء الرجولة و مشعل المسؤولية بكل ثبات. فكن مسؤولا أولا عن عقيدتك و مبادئك، ثم عن حياتك و حياة من حولك".

و لنثق أن كل هذه المفاهيم ستصل - بكل حمولاتها - إلى ذلك العقل الغض الذي يشق طريقه في تمرد نحو عالم مجهول مليء بالغموض، جديد... نعم، لكنه مثير... فيقول موحيا بأن رسالة أبيه قد وصلته : " إي أبتاه، صدقت و الله،... إن كلماتك البسيطة مفاتيح عالم أجهل منه أكثر مما أعلم...إن همسات شفتيك تطرب أذني و تشدو مطمئنة: إن مع ضوضاء الشارع سمفونية الحب التي تملأ النفس أمانا و سكينة، و وسط ضحكات قرناء اللهو و اللعب، مساحة من الجد الممتع الذي يعطي للضحك معنى، و للهو مغزى... إنني أفهم همهماتك أبتي... نعم، إنني قادر على الفهم، فيا له من شرف عظيم أن تبث إلي بوصيتك... فلتقر عينك أبي الحبيب"       

 




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."