محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
عوالم الروائي الخفية

لوحة لفنان ايطالي
عوالم الروائي الخفية
قصاصات حرة/ قورينا
رزان نعيم المغربي
بعد أن ننتهي من قراءة عمل روائي ما، لايمكن أن نعود كما كنا قبل قراءته، حيث كل عمل مهما كان شأنه لابد أن يترك أثره، على مزاجنا في أقل تقدير ومن هنا تبدأ الأسئلة حيث بعض الأعمال تصدمنا ، وثانية نسافر معها إلى مدن لا نعرفها ، وثالثة تصفعنا بقوة وأخرى تغير نظرتنا إلى الواقع .
إذا ما الذي يفعله الروائي بنا نحن القراء؟ وأين يكمن السحر في قوة الكلمات أم في الصور والمشهدية ؟ أم الأحداث؟ وربما الشخصيات واعتقد أن الأعمال الخالدة فقط هي التي تجتمع فيها كل هذه العناصر معاً لتشكل نجاح المنجز الروائي .
والسؤال الذي يحير القارئ والناقد والإعلامي هو كيف للروائي أن يقدم أحداثاً تبدو واقعية ويرسم شخصيات يتهيأ لنا أننا عرفناها من قبل والتقينا بها ، وربما كان أحدها قريب منا أو يشبهنا ؟
لهذا كثيراً ماحدث لنا في عمر المراهقة والقراءات الأولى أن نتماهى مع الابطال ، عندما كانت الرواية تنهج نحو ثنائية الخير/ الشر وقبل أن تنتشر وتترجم روايات أمريكا اللاتينية ( الواقعية السحرية ) .
إن ما يخفيه ويضمنه الروائي أثناء انكبابه على بناء معماره السردي في الرواية لايمكن لنا اكتشافه مهما بحثنا ونقبنا ، وقد تعرض كثير من الروائيين للاتهامات وآخر مثال الروائي ( ميلان كونديرا) حينما الصقت به تهم شخصية مبنية في الأساس على منجزة الروائي الإبداعي والذي هو برأي النقاد لا يعدو عملاً فنياً .
الكاتبات العربيات أكثر اتهاماً ، وغالباً ما يقال أن أعمالهن الروائية ماهي إلا سيره ذاتيه ....
وإذا تذكرنا ما قاله الروائي والناقد الفرنسي-ميشال بوتور- في احد إجاباته عن سؤال من هذا القبيل حيث أجاب (( كل عمل من أعمالي يحمل جزءاً مني ))
بمعنى أن السيرة الذاتية لابد أن تتوزع على مجمل إبداع الكاتب وليس بالضرورة أن تكون داخل عمل واحد .
ولو طلب من إي منا العودة إلى ذاكرته ورواية سيرته سيكتشف على الفور أن هناك منعطفات كثيرة مرت به وتجارب غنية لايمكن أن تحتملها رواية واحدة !.
وبنفس المقدار من الصدق ، لايمكن أن لشخصية روائية أن تكون واقعية خالصة، مهما وجدنا فيها شبها بينها وبين من نعرفهم في الواقع.
والسبب أن عالم الروائي هو نسيج مختلط بين ذاكرته الذهنية وبين تجاربه الواقعية ومن ثم انطباعاته الشخصية، وحين يقرر رسم شخصية إشكالية يضمنها نصه ربما يبدأ بشخصية يعرفها وقريبة منه ثم يقترح جزءا من شخصية أخرى أيضا من الواقع ويعمل على تركيب ملامحهما معا لتظهر شخصية ثالثة مختلفة تماما عن الأولى الحقيقية.
الروائي عندما يدخل عالمه الافتراضي ويمارس متعته في الكتابة والتخيل ويرسم شخصيات العمل يمكن له أن يستغرق تماما في تلك اللعبة ، حتى يختلط عليه الواقع بالمتخيل ، وحدث أنه أثناء كتابة روايتي الأخيرة ( نساء الريح) وضمن مخطط الشخصيات وضعت شخصية بواب وشخصية خادمة، أطلقت اسم رضا للبواب واسم بهيجة للخادمة ، وبعد أن قطعت شوطاً في الكتابة واستغرقت في العمل تماما، أصبحت لا استطيع التميز بين اسم البواب الذي يعمل في عمارتنا وبين اسم البواب الحقيقي الذي يعمل في العمارة التي أسكنها، وكثيرا ما ضبطت نفسي أنادي للشغالة باسم بهيجة بطلة روايتي.
بالرغم من أن ملامح شخصية البواب والشغالة في الواقع لا يشكلان إلا جزءاً بسيطاً من ملامحهما في العمل الروائي، أسوق هذا المثال للدلالة على أنه لايمكن استنباط شخصية واقعية من إي عمل فني والقول أنها أتت بكامل هيأتها الخارجية والداخلية من الواقع ، وإلا لكان العمل الروائي هو مجرد نسخ رديء له.
إن عوالم الكاتب الروائية متداخلة ومتشابكة حتى داخل ذاكرته، مرتبطة بصور نمطية وأخرى متخيلة ومركبة، وكثيراً ما أجد شبها بين عمل الروائي وعمل فني المونتاج حيث يعمل على القطع واللصق والإضافة والحذف ، وعندما نرى المشهد لايمكننا معرفة الزمن الحقيقي الذي تم التقاط المشهد فيه وهل كان دفعة واحدة أم في أوقات مختلفة ومتباينة.
وبالتالي لا يمكننا إلصاق كلمة سيرة ذاتية على عمل فني إلا إذا أقر الكاتب ذلك على غلاف كتابه، وتبقى عوالم الروائي سراً لايمكن أن يهتك حتى لو كتب حوله مئات الصفحات، إذ يمكن له أن يكتب حول العمل أضعاف الصفحات التي كتب فيها العمل نفسه.
|