المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
الكتابة تحدي

فان غوغ

من اعمال الفنان العالمي فان غوغ

 ‬الكتابة هي‮ ‬الشطط الذي‮ ‬يحملنا إلى تحدي‮ ‬الورقة البيضاء،‮ ‬وهي‮ ‬تحدق بجسارة مفرطة في‮ ‬وجه حبرنا،‮ ‬صباحاً‮ ‬ومساء‮ ......‬ ‮ ‬وأنا امرأة‮ ‬يستفزني‮ ‬هذا التحدي‮ ‬السافر ولا أنكر بأنني‮ ‬كاتبة مسالمة في‮ ‬الحياة أخشى العنف وأهرب منه‮ ‬،‮ ‬إلا أنني‮ ‬أفكر في‮ ‬كيفية اغتيال بياض الورق وأسلحتي‮ ‬كلها تيار متدفق من حبر الذاكرة‮ ‬ إنها الكتابة التي‮ ‬تهز الكيان‮ ‬،‮ ‬وتحرك جمود اللحظة الصلبة اليابسة على جدران الذاكرة لا تريد أن تتزحزح من مكانها‮ ‬،‮ ‬انهال عليها كلما رأيت الأوراق على سطح مكتبي،‮ ‬أفتتت الأشياء إلى حروف فإذا بالأبجدية‮ ‬تمشي‮ ‬مثل نملات عاملات على السطور لا‮ ‬يهم إذا عادت بغنيمة أم لا،‮ ‬إلا أنها تبحث عن مخزون لشتاء قارس،‮ ‬هي‮ ‬الحروف الصغيرة،‮ ‬التي‮ ‬أصنع منها دفء الحياة لروحي‮ ‬ولأرواح الآخرين‮.‬
‮ ‬والكتابة أن تتحدى الموهبة بالمثابرة‮ ‬،‮ ‬فتلك الغادرة‮ ( ‬الموهبة‮ ) ‬تختبئ كثيراً‮ ‬حين تكون في‮ ‬حاجتها،‮ ‬فكيف أدعها تنصرف عني‮ ‬،‮ ‬وتنقطع بمزاجيتها الحادة المؤرقة،‮ ‬دون أن أستنزفها حتى آخر قطرة إبداع؟ الموهبة كانت البذرة التي‮ ‬شكلت الانطلاقة ومازالت هي‮ ‬البداية والمفتتح لكل نص،‮ ‬تتجلى في‮ ‬جملة قصيرة أحياناً‮ ‬أو عنوان مستفز لأباشر المشوار وحدي‮ ‬مع صبري‮ ‬ومثابرتي،‮ ‬إذ لا‮ ‬يمكن الركون باستمرار لمزاجنا الذي‮ ‬ينحرف مئة وثمانين درجة بين لحظة وأخرى‮. ‬
الرواية وحدها علمتني‮ ‬الصبر،‮ ‬علمتني‮ ‬كيف أروض الموهبة على الانتظار معي‮ ‬قليلاً‮ ‬ريثما نأتي‮ ‬أنا وهي‮ ‬بجديد‮ ‬يستحق القراءة‮ .‬ أكتب دون علامات ترقيم،‮ ‬أكتب بأخطاء إملائية‮ ‬غير مقصودة‮ ‬،‮ ‬لأن المفردة الصحيحة وما قصدته عالقاً‮ ‬في‮ ‬ذاكرتي،‮ ‬ولا وقت لدي‮ ‬للتوقف،‮ ‬ ‮ ‬أكتب تفاصيل أعلم أنني‮ ‬سأشطبها بعد قليل أو في‮ ‬وقت لاحق‮ ‬،‮ ‬الأهم أن القلم‮ ‬ينساب‮ ‬،‮ ‬والنملات دؤوبة تبحث عن الجدوى من السير طويلاً‮ ‬في‮ ‬صفوف متراصة‮ ‬،‮ ‬كل الأشياء التي‮ ‬أكتبها حتى لو لم تعن أحداًٍ‮ ‬غيري‮ ‬إلا أنها تمنحني‮ ‬أحساساً‮ ‬أقوى بالحياة،‮ ‬وإنني‮ ‬أمارس الحياة بطريقة أخرى‮ ‬غير التي‮ ‬فرضت علي‮ ‬في‮ ‬الواقع‮ ‬،‮ ‬أكتب عن الأحداث كما كان‮ ‬يجب عليها أن تقع،‮ ‬وتلك المشاعر التي‮ ‬لم‮ ‬يتسن لي‮ ‬الاحتفاظ بها لوقت طويل‮ ‬،‮ ‬أقتص منها ـ كتابة‮- ‬أثبتها بالحروف وأصنع منها وعياً‮ ‬جديداً‮ ‬أنتبه إليه أثناء الكتابة،‮ ‬أتذوق من جديد هذه المشاعر وكأني‮ ‬أمسك بلحظة هاربة فتصبح على السطر زمناً‮ ‬حبرياً‮ ‬ساكناً‮ ‬ولحظة محكوماً‮ ‬عليها بالمؤبد‮ ‬،‮ ‬وكما أردتها أن تكون‮ ‬،‮ ‬لأنني‮ ‬أكتب حولها ولا أكتبها هي‮ ‬فقط‮ .‬
‮ ‬مع الكتابة التي‮ ‬علمتني‮ ‬كيف أتحدي‮ ‬مخاوفي‮ ‬الكبيرة‮ ‬،‮ ‬كيف أصبح فوقها تماماً‮ ‬وأتجاوزها‮ ‬،‮ ‬يصبح فعل الكتابة أكثر جرأة وأكثر صدقاً‮ ‬،‮ ‬وملزماً‮ ‬للتحدي‮ ‬من جديد فهو الذي‮ ‬يتغلب على جبن الخوف من صفحة بيضاء تتحدانا،‮ ‬وفي‮ ‬نهاية الأمر نعثر على أشياء مختلفة كانت مختبئة داخلنا بعد صفحات كثيرة قمنا بكتابتها‮ ‬،‮ ‬ولم نكن نجرؤ على قولها شفاهة‮ ‬،‮ ‬لهذا تعلمت أن ما نقوله ونتحدث به لن نكتبه آبداً‮ .....‬ ‮ ‬هذا هو سرّ‮ ‬البياض المخيف أنه‮ ‬يواجه صمتنا الرهيب ونحن نرشق حبرنا عليه‮ . ‬

بقلم‮ : ‬رزان المغربي




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."