محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
تحقيق ... فعاليات محلية تجيب عن سؤالي الهوية والتعايش مع الثقافات
الخليج الثقافي: 2007-02-10
انطلاقاً من الإشارات العميقة لدور الثقافة في خطة دبي
ينطلق هذا الاستطلاع الثقافي المحلي من مجموعة إشارات توجيهية عميقة الدلالة وردت في نص خطة دبي الاستراتيجية، ومنها ما يلي: “إمارة دبي بما تتيحه من فرص فريدة نجحت في جذب أعداد كبيرة من مختلف الجنسيات للعمل والاقامة فيها، وأدى ذلك إلى نشوء بيئة فريدة متعددة الثقافات، تفتح آفاقاً واسعة للتعاون والتفاعل الثقافي” ونصت الخطة على ضرورة الارتقاء بالحركة الثقافية في دبي، ومما ورد فيها بهذا الاطار: “تحديث الاطار التنظيمي للقطاع الثقافي”، و”تطوير مرافق عالية المستوى لاستقطاب الفعاليات الفنية والثقافية العالمية”، و”تطوير وتعزيز المواهب الثقافية”، و”التأكد من وجود وإطلاق فعاليات ثقافية عالية الجودة والمستوى”، و”زيادة حس الانتماء والوعي بالثقافة
الوطنية وبالثقافات الأخرى السائدة في دبي من خلال النظام التعليمي عبر تحديث محتوى المناهج التعليمية المتعلقة بالثقافة المحلية والثقافات الأخرى وتطوير الكوادر التعليمية المواطنة”.
من أجل توسيع دائرة الحوار الثقافي الجاد طرح الملحق الثقافي إنطلاقاً مما جاء في الخطة الاستراتيجية لدبي سؤالين على فعاليات ثقافية محلية، السؤال الاول هو: ما الشروط الواجب توفرها في الابداع الثقافي المحلي حتى يستطيع البقاء والتحاور مع الثقافات العالمية المعاصرة التي تحط يوما بعد يوم رحالها في دبي والدولة؟ أما السؤال الثاني فهو: هل الهوية الثقافية المحلية هي بنية مغلقة تسكن في الماضي، أم هي مقبلة على التجدد والتطور في مفاهيمها من خلال الحوار مع الآخر؟
ركز الأديب محمد أحمد المر رئيس مجلس دبي الثقافي في معالجته لمحور هذا الاستطلاع على الاشارة إلى الصروح الثقافية والمنجزات المادية المهمة التي تشكل البنية التحتية الأساسية من أجل نهضة ثقافية كبرى في مستوى طموحات دبي محلياً وإقليمياً وعالمياً، وفي ذلك يقول:لا شك أن الابداع في أي دولة من الدول يحتاج إلى عوامل مادية ومعنوية لكي ينمو ويتطور، بداية لا بد أن تقدم هذه الدولة تعليماً أساسياً وجامعياً متطوراً، يؤهل المواطنين للابداع وتذوقه. وتلي ذلك مشاريع البنية التحتية الثقافية والمكتبات العامة وغيرها، إلى جانب السند المادي والمعنوي والتقدير الأدبي، ممثلا في الجوائز الأدبية والثقافية، التي تثمن إبداعات المبدع وتشعره بالتقدير المجتمعي لمساهمته الفكرية والثقافية، كما أن أجواء الحرية والحوار الايجابي وغيرها تعتبر من المحفزات للفعل الثقافي المتطور، وهي تشكل دافعاً قوياً للعملية الابداعية، وفي خطة دبي الاستراتيجية يوجد اهتمام بارز بالجوانب المادية والمعنوية. فقد أولت الخطة مساحة واضحة لبناء البنية الثقافية ممثلة في المكتبة العامة الكبرى، ودار الأوبرا، ومتحف الفن المعاصر وغيرها من المشاريع الثقافية العملاقة. يضاف إلى ما سبق التشجيع الأدبي والمعنوي المتمثل في مختلف الجوائز التعليمية والأكاديمية مثل جائزة الشيخ راشد للتفوق العلمي. كما يوجد اهتمام في هذه اللحظة بمسألة بالغة الأهمية ألا وهي الحفاظ على الهوية الوطنية في خضم تغيرات ظاهرة العولمة والاختلالات الديموغرافية في منطقة الخليج العربي. كل ذلك يتطلب فعلا ثقافيا ممنهجاً يعلي من شأن القيم الايجابية في ثقافتنا المحلية وعمقها العربي والاسلامي، وذلك في إطار الحوار الايجابي مع باقي الحضارات في العالم من دون انغلاق أو ذوبان. ونأمل أن تتفاعل باقي مؤسسات الفعل الثقافي مع الطموحات الثقافية الوطنية الواردة في الجانب الثقافي من خطة دبي الاستراتيجية الطموحة. إبداعات وتخصصات
وقالت الباحثة الدكتورة فاطمة الصايغ: إن الاجابة عن سؤال مثل: هل الهوية الثقافية هي بنية مغلقة تسكن في الماضي أم هي مقبلة على التجدد والتطور؟ تتطلب تفكيك معنى الهوية والغوص في مكنوناته للوصول إلى أدق مكوناته. فالهوية ليست شيئاً مادياً محسوساً نحرص عليه ونحافظ عليه من عوامل التبدل والتغيير، بل إن معظم مكونات الهوية هي مكونات معنوية. فالثقافة المجتمعية واللغة هما تعبير مهم عن الهوية كما أن العادات والتقاليد والزي العام كلها عوامل مؤثرة في الهوية. هذه المكونات كلها خاضعة للتغير والتبدل والتجديد لأنها مكونات قابلة أصلا للتغير. ولكن التغير لا يعني أبدا أن تفقد هذه العناصر أساسياتها ومكوناتها الرئيسية التي تميزها عن غيرها من الهويات الموجودة في العالم، فاللغة مثلا مكون متطور وقابل للتطويع لتكون صالحة لكل زمان ومكان. ولنأخذ اللغة العربية كمثال فهي تعبر عن هوية عدد من الشعوب ولكن هذا لا يعني أن اللغة العربية جامدة. فما دخل على اللغة العربية من مصطلحات جديدة في العقود الماضية كثير جدا، وعلى الرغم من ذلك ظلت اللغة أحد أهم مكونات الهوية الوطنية للعديد من الشعوب حتى هذه اللحظة. فمن أجل واقع أفضل تحتاج كل مكونات الهوية إلى تجديد وتطور لتناسب التطور المجتمعي وتعبر عنه مع الأخذ في الاعتبار الحفاظ على جزيئات الهوية سليمة، لأنه من دون هذه الجزيئات لن تصبح الهوية قادرة على التعبير عن الواقع المجتمعي. أما عن الشروط الواجب توفرها في الابداع الاماراتي حتى يتمكن من الصمود والقدرة على محاورة إبداع الآخر، فأرى أن الابداع هو التجديد والابتكار والتوافق مع روح العصر والتعبير عن المجتمع الذي بزغ منه. ويحتاج الابداع إلى بيئة حاضنة ترعاه وتشجعه لأنه من دون هذه الرعاية والتشجيع لن يكون في مقدور هذا الابداع أن يصل إلى الطبقة المستقبلة له. وقد شهدت الساحة الاماراتية إبداعات ثقافية وفنية في مختلف التخصصات. فكان منها الأديب والفنان المبدع، كما ظهر فيها المبدع في كافة التخصصات العلمية. ومن أهم الشروط الواجب توفرها في العمل حتى يصبح عملا إبداعياً، الابتكار والتلاقح مع كافة الثقافات الموجودة في ذلك المجتمع مع الحفاظ على هويته الاصلية سليمة. فالابداع يجب أن يكون معبراً عن مكونات ثقافة ذلك المجتمع ومعبراً عن هويته المجتمعية. كذلك يجب أن يكون ذلك العمل محركاً يعزز الحركة الثقافية والأدبية أو الفنية حتى يتم الاحتفال به باعتباره عملاً إبداعياً. إن العمل الذي يخدم الحراك الثقافي بشتى أنواعه هو الذي يستحق أن نطلق عليه عملاً إبداعياً.
اقتراحات تدعم الحوار
ودعا الشاعر والمترجم الدكتور شهاب غانم الى ضرورة إنشاء مؤسسة للترجمة، كما اقترح أفكاراً أخرى وطرح موقفه من الخطة في ما يلي: لا شك أن اعلان خطة دبي الاستراتيجية خطوة فريدة تستحق التقدير وتبشر بالخير، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد تحدث عن خطة لا تشمل التنمية الاقتصادية والبنية التحتية والبيئة والأراضي والأمن والعدل والسلام والتميز الحكومي فحسب، ولكن تحدث أيضاً عن حماية الهوية الوطنية وتفعيل دور المواطنين في سوق العمل والحياة الاجتماعية وعن تحسين نتائج طلاب المدارس وتطوير جودة الخدمات الصحية وتأمين الخدمات الاجتماعية وتطوير ظروف ملائمة للقوى العاملة الوطنية، كما تحدث عن الارتقاء بالحياة الثقافية من خلال تحديث الاطار التنظيمي للقطاع الثقافي وتشجيع المواهب الوطنية وتطوير مرافق عالية المستوى بحيث تستقطب الفعاليات العالمية في مجال الثقافة والفن مثل المسارح والمعارض والمتاحف، ومن خلال المشاركة في الانشطة الفكرية والثقافية والأدبية والفنية إقليمياً وعالمياً. وأهاب بالقطاع الخاص ان يسهم في المجال الثقافي، وذكر نماذج مشرفة لبعض رجال الأعمال كسلطان العويس رحمه الله وجمعة الماجد وماجد الفطيم. وقال محقاً إن البناء المادي يستغرق زمناً قصيراً بينما بناء الانسان وهو الأهم والأساس الحقيقي للتنمية يستغرق العمر كله. وقال إن حماية الهوية الوطنية تكون من خلال تحقيق التوازن السكاني وزيادة حس الانتماء والوعي بالثقافة الوطنية عبر تحديث المناهج التعليمية وتطوير الكادر التعليمي المواطن وتوفير محتوى شامل في الجانب الثقافي من خلال الآداب والفنون والاعلام وشدد على زيادة التركيز على اللغة العربية باعتبارها وعاء الثقافة والتاريخ لأبناء هذا الوطن. وأشار الى أهمية ترسيخ دبي ك”مدينة عالمية” تنبض بالابداع والابتكار، وأوضح علاقة العالمية بحقوق الانسان والحكم الرشيد والشفافية التي تمنع الفساد (وهو مستشرٍ في كثير من دول العالم الثالث) وحكم القانون ومعايير الجودة والتميز والابتكار والتقدم التقني. وقال ان توخي الممارسات العالمية هو السبيل الوحيد للحفاظ على الهوية الوطنية والخصوصية الثقافية. إذاً، لدينا خطة طريق لتنمية متوازنة تحفظ لنا شخصيتنا وهويتنا ولغتنا في زمن العولمة مع الأخذ بسبل التطوير والمعايير العالمية فالحكمة ضالة المؤمن، وفتح النوافذ لدخول المعرفة لا يعني اقتلاعنا من جذورنا بل الاستفادة من كل ما هو مفيد لدى الآخر، إضافة الى كل ما هو مفيد من تراثنا وحضارتنا، فالهوية الثقافية المحلية ليست بنية مغلقة تسكن في الماضي بل لا بد من العمل والاجتهاد والتجدد والتطور، والاستفادة من كل ما نقدر أنه ايجابي لدى الآخر بعد التمحيص والتأكد من أنه لا يؤثر سلبياً في هويتنا ولا يتعارض مع ديننا وقيمنا ولا يضر بلغتنا التي هي كما قال صاحب السمو الشيخ محمد وعاء الثقافة والتاريخ. ولا بأس بالحوار مع الآخر وصراع الأفكار، ففي النهاية لا يصح إلا الصحيح ونحن لدينا أسس متينة صلبة في ديننا وحضارتنا العربية الاسلامية مكنتنا من أن نقدم الكثير للعالم في الماضي ونستطيع ان نفعل ذلك من جديد. لا شك أننا تخلفنا عن ركب الحضارة أجيالاً بل قروناً، فجاء الغرب الذي استفاد من منجزات حضارتنا في القرون الوسطى واستعمرنا ودخلنا في دوامة التجاذب بين الحداثة والتراث والتفريط والافراط والتطرف والاعتدال وبدأت الصورة مؤخراً تتضح و”البندول” يقترب من الهدوء في الوسط بعد تجارب قاسية ومآسٍ ما زالت تعصف بالأمة. لقد كان البناء المادي خلال العقود الأخيرة في الامارات ضخماً، وكما قال الشيخ محمد فذلك أسهل من بناء الانسان الذي يستغرق العمر. ومع ذلك فقد كان هناك إنجاز لا يستهان به في مجال بناء الانسان أيضاً، ولكنه يحتاج الى تطوير في النوعية. وقد ظهر الابداع في المجال الثقافي بشكل أوسع مما كان عليه قبل عدة عقود، ولكن ما زال أمام هذا الابداع خطوات مهمة يجب ان يخطوها ليستطيع ان يقف كتفاً الى كتف مع الابداع في الثقافات العالمية. هنا يجب أن نشدد على أهمية الاطلاع على ما عند الآخر من الابداع، وهذا يقودنا الى أهمية الترجمة. وقد أكدت تقارير الأمم المتحدة ضآلة نصيب العالم العربي من الترجمة. ويجب علينا ان نطلع الشعوب الاخرى على أفضل ما لدينا من الابداع لتكون العلاقة في الاتجاهين، وكما سيؤثرون فينا فيمكننا ان نؤثر فيهم ونكسبهم الى قضايانا العادلة ونصحح مفاهيمهم الخاطئة ونظراتهم الاستعلائية. ولا شك ان أمام معظم كتابنا وشعرائنا وفنانينا طريقاً طويلاً من الجهد ليصلوا الى مستوى يقربهم من العالمية، ولكن لدينا أشخاصاً معدودين ليسوا بعيدين عن كل ذلك المستوى. وقد حاولت أنا خلال قرابة عقدين أن أقوم بجهد متواضع في مجال ترجمة شعرنا الى الانجليزية وأيضاً ترجمة الشعر الأجنبي الى العربية ومن خلال ما سمعته من ادبائنا ومن الأدباء الاجانب، فقد اثمرت بعض تلك الجهود بل إنني استطعت ان أخترق حاجزاً آخر عندما ترجمت شعر لغة الماليالم الى العربية وبذلك شجعت شعراء كيرالا على ترجمة أشعاري واشعار العرب الى لغة الماليالم ومثل ذلك حدث مع لغة التاميل. ولا شك أننا في حاجة الى إنشاء مؤسسة للترجمة الابداعية والعلمية تدعمها الدولة بقوة على الاقل في البداية، ولا شك أيضاً أننا في حاجة الى إعادة النظر في مناهجنا التعليمية بحيث يكون لنا منهج راقٍ يعطي اللغة العربية والدين مكانتهما، ولكن ايضاً يعطي المواد العلمية واللغات الاجنبية مكاناتهما التي ستمكننا من القفز خلال عقود قليلة الى مصاف الدول المتقدمة علمياً. ومن المهم ان تعتمد الدول العربية مثل ذلك المنهج الموحد الذي يمكن خريج الثانوية من الالتحاق مباشرة بالجامعات المحلية والأجنبية دون إعادة تأهيل، وبحيث يستطيع الطالب أن يدرس الدراسات العليا الأدبية والعلمية على حد سواء في الجامعات العربية باللغة العربية كما يدرس الطلبة في اليابان باليابانية وفي كوريا بالكورية على سبيل المثال. وأخيراً أقترح أن تتبنى دبي والامارات إنشاء معاهد لتعليم لغتنا وحضارتنا للأجانب المقيمين في وطننا وتكون تلك المعاهد في فكرتها على شاكلة المعهد البريطاني أو معاهد جوته الألمانية أو الالاينس فرانسير الفرنسية التي تجاهد لتعليم لغات تلك البلدان وثقافاتها وحضاراتها. ومن أفضل من الامارات للقيام بذلك لتكون نموذجاً يحتذى به في الدول العربية الأخرى. من جهته أشار الشاعر والباحث الإماراتي أحمد محمد عبيد في سياق الرؤية الاستراتيجية لدبي 2015 إلى أن الثقافة الإماراتية مطالبة بأن تكون في عمق التحولات الراهنة والتي تؤسس لثقافة جديدة، وقال عبيد: إن الثقافة المحلية لا تشكو من عقدة نقص بصدد التحولات الجارية، فكما أنها استطاعت أن تتطور في الماضي وان تحافظ على هويتها فإنها قادرة اليوم على أن توجد بكل ندية في عمق المتغيرات المحلية والإقليمية والعالمية. وذهب أحمد محمد عبيد إلى ان ذلك لا يتحقق إلا بالعمل الدؤوب والمخلص من أبناء هذه الثقافة، وفي إطار من الحفاظ على الهوية الثقافية المحلية والخصوصيات التي تميز الثقافة الإماراتية عن غيرها من الثقافات الأخرى. واعتبر أن ذلك يتحقق بفضل الرؤية الصادقة لما فيه خير الوطن من أجل تحقيق النهضة الثقافية الشاملة في الدولة. واشار إلى أن هذا الأمر لا شك فيه بالنظر إلى المجهودات التي تبدل على مستوى القيادات من أجل جعل الإمارات رافعة اقتصادية متقدمة، وأن التوجه الآن إلى الجوانب الثقافية والفنية من خلال التركيز على البنيات الثقافية الكبيرة من شأنه أن يجعل الإمارات اليوم ملتقى عالمياً للثقافات والأفكار ومنتجا لسائر الفنون. وحول الخشية على الثقافة الإماراتية من الانغلاق قال عبيد إن هذا الأمر غير مطروح، لأن الثقافة الإماراتية برهنت بالملوس وطيلة تاريخها على خاصيات الانفتاح والحوار مع الثقافات الأخرى المجاورة أو البعيدة، ولا أدل على ذلك من ثقافة البحر التي التقى فيها الإماراتي بغيره من الشعوب ومن الثقافات على مدى الأزمان. معرفة الذات أول الشروط
ويقدم الكاتب والشاعر أحمد منصور مقاربة ذات صلة بأبعاد مفاهيمية وفي ذلك يقول: إن ما طرحه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في خطة دبي الاستراتيجية في ما يخص الجانب الثقافي هو فكر عميق جدا كمفهوم، ويتطلب التوقف أمامه طويلا؛ فهو يقول إن السبيل الوحيد للحفاظ على الهوية الوطنية والخصوصية الثقافية يكمن في توخي أفضل المعايير والممارسات العالمية في تفاصيل حياتنا وأعمالنا وحركة مجتمعنا ومؤسساتنا. هذا الكلام في نظري هو كلام من العيار الثقيل، وبنظرة متفحصة ومتجردة بشكل علمي، لا أجد نفسي سوى على توافق تام معه، لكن هذا وحده لا يخلق من هذا المفهوم العميق متحققا ثقافيا يضاهيه في العمق؛ ذلك لأن “أفضل المعايير” أو أفضل “الممارسات العالمية” هي ليست مصطلحات متكونة وثابتة بشكلها النهائي، وإنما هي مازالت في طور المفاهيم التي لا تزال تعيش حالة من التجاذب وإعادة الصياغة والاضمحلال أحيانا، وأحيانا أخرى التجريب. ومن هنا فإن عدم تحقق الاكتمال المصطلحي يمكن أن يجعل من محاولة تجسيد هذه الرؤية الاستراتيجية العميقة مجرد ممارسة مشوهة وكسيحة لا تقوى على الحفاظ على ذاتها أو حتى على خصوصيتها الثقافية. يتزامن طرح صاحب السمو حاكم دبي حول التصور الثقافي والأسئلة التي يطرحها “الخليج” الثقافي هنا في سياق هذا التحقيق، مع موضوع آخر ينشر بالتوازي حول المسألة الثقافية ذاتها على صفحات “الخليج” الثقافي هذه الأيام، ذلك الموضوع هو “الحبسة الثقافية” وكاتب هذا الموضوع هو الشاعر والكاتب النوعي والمتفرد عبدالعزيز جاسم، ولا أعتقد أنني سأكون مبالغا إذا ما قلت إن موضوع “الحبسة الثقافية” هو أهم ما كتب حول المسألة الثقافية على الاطلاق منذ قيام الاتحاد (وقبله أيضا) إلى يومنا هذا. وأعتقد شخصيا، أنه يتوجب علينا، وعلى جميع المعنيين بتطبيق التصور الثقافي الوارد في خطة دبي الاستراتيجية، الاطلاع على هذه المادة وقراءتها قراءة متأنية ودقيقة وفاحصة، وذلك لكونها تفكك الاشكالية الثقافية المحلية إنثروبولوجيا وظاهراتيا آخذة في الاعتبار، وبشكل أساسي، التحولات العالمية الهائلة التي تحدق بنا وندور نحن في رحاها. إذاً، ومن وجهة نظري الشخصية، كي يمكن تحقيق الأهداف الاستراتيجية العميقة للثقافة المحلية، والتي تتماشى مع طرح الخطة، ولكي يكون لها الاسهام الانساني المنشود، ولكي لا تفقد خصوصيتها، وتتحرر من الاحتباس ومن الفكر التطابقي المؤدي، حسب رأي عبدالعزيز جاسم، إلى “الجمود والعصبية”، ولكي لا تبقى شعاراً هشاً مختزلاً في المظاهر السطحية، ولكي لا تبقى الهوية الوطنية - الثقافية مفهوماً ضبابياً، ولكي تعرف ذاتها وتحمل بذور ترسخها التاريخي والجغرافي والاشعاعي، ولكي تتفاعل بندية مع الثقافات الأخرى ولا تلغيها، ولكي يتحقق فيها شرط الفكر التوسطي عبر مفهوم التماسف (من المسافة، كما جاء في المادة السابقة الذكر)، ولكي لا تكون فعلا ماضويا أو يرسخ الماضي بشكله الصنمي والمنغلق، لكي لا يحدث كل ذلك، علينا ألا نعبر عبور الكرام أمام هذه المادة الكبيرة التي كتبها عبدالعزيز جاسم، وعلينا دراستها بشكلٍ وافٍ ودقيق ومن ثم بلورة منهجية ثقافية عملية وعلمية مؤسسة على وعي فكري عميق ينطلق من أرضية هذه المادة الخصبة، آخذاً بكل تفاصيلها الدقيقة والحرجة في الوقت نفسه. أما عن الشروط الواجب توافرها في الابداع الثقافي الاماراتي كي يستطيع البقاء والتحاور مع الثقافات التي تحط رحالها على أرض الإمارات يوماً بعد يوم، فأولها في نظري معرفة هذه الذات الثقافية معرفة عميقة من المنظور التاريخي والجغرافي والانساني، ولا يستقيم معنى العمق هنا من دون إخضاع المسألة الابداعية برمتها للنقد والتحليل النوعيين البعيدين كل البعد عن مظاهر التسطيح والاستهلاك والمجاملات، والقريبين كل القرب من التراكم المعرفي الانساني والفلسفي منه على وجه الخصوص. ولكي يستطيع فكر ما التحاور مع الآخر، فلا بد له أن يكون هاضما جيدا لمكونات تلك الثقافات والثقافة الانسانية بشكلها الأعم. وتكمن أهمية الحوار هنا في خلق ذلك التأثير والتأثر الايجابي الذي يرسخ مفهوم الوسطية ولا ينفي الآخر من ناحية، ويعمل من الناحية الأخرى على إرساء دعائم ثقافة مستدامة إن جاز التعبير. إلا أن هذه الشروط وللأسف الشديد غير متحققة في دولة الامارات، ويبدو أن النقيض هو الأكثر تحققا وهيمنة، ولذلك، تعيش الثقافة الاماراتية، من وجهة نظري الشخصية، وضعاً كارثيّاً متأزماً لا يعمل ذلك التدفق الجارف من الثقافات على تحسينه. أما فيما يتعلق بخصوص انغلاق الهوية الثقافية المحلية على ذاتها أو انفتاحها على التجدد والتطور، فيمكنني القول إن هناك ثلاثة تيارات يمكن تمييزها في هذا الجانب؛ التيار الأول ذلك الذي مازال منغلقا على ذاته ويعيش في الماضي ويحمل أفكاره وطقوسه ويرفض التجدد بسبب الجهل أو الخوف أو الارتباط اللاواعي بالهوية الثقافية، وهو تيار الأغلبية من وجهة نظري. ثم هناك تيار آخر منسلخ تماماً من جذوره ويعيش حالة من الانبهار والتغريب وفقدان العلاقة بالذات، وهو بذلك لا يمثل أي معنى حقيقي للهوية المحلية التي تنطلق من محيطها الجغرافي والتاريخي. أما التيار الثالث، والذي تمثله النخبة القليلة، فهو ذلك التيار الوسطي أو التوسطي الذي يقف على بعد مسافة محسوبة بدقة من جميع الجهات، بما فيها الهوية الثقافية المحلية. أما التيار الغالب في المشهد الاماراتي اليوم فهو التيار الأول وذلك لارتباطه الشديد بالمؤسسة الرسمية وتبني الاعلام له بشكل كبير والدعم اللامحدود الذي يتلقاه. وإذا لم يكن هناك من تحول جذري في التعامل مع الهوية الثقافية المحلية، كما أشرنا في بداية هذا الحديث، فإن حالة “التزمت والانغلاق” ستكون هي السمة السائدة لهذه الهوية.
تجربة التعايش مع الآخر
وتناول التشكيلي محمد كاظم المحور المطروح بالقول: إن دولة الامارات منذ قيامها بقيادة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وإخوانه أصحاب السمو حكام الامارات قامت ولا تزال بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة من أجل بناء المواطن الاماراتي في مجالات عديدة مثل التعليم؛ الهندسة، الصحة، العلاقات الخارجية، الأمن الداخلي وغيرها من المساهمات في مجال البنية التحتية التي تهدف إلى استقرار المواطن والوافد في هذه الدولة، لذلك يشعر كل إنسان في هذا الوطن بأن شعار دولة الامارات هو الرخاء والمعايشة السلمية مع جيرانها بالاضافة إلى المنافسة الشريفة في جميع مجالات الحياة والاستفادة من الخبرات والأجهزة الحديثة في مجال التنمية بالاضافة إلى تمسك شعب الامارات بالارث التاريخي للمنطقة. إن دبي تشكل عموداً تجارياً واقتصادياً، ولها تاريخها العريق في مجال التعاون التجاري، الثقافي، العلمي والتعايش مع الشعوب منذ الأزمنة البعيدة حتى اليوم، وهي في ذلك تملك تجربة التعايش مع الآخر وتواصل هذا النهج التطويري للبناء الحديث والمواكب للحياة المعاصرة في جميع الميادين التي تخص راهن الانسانية. إن امتلاك القدرة والاستطاعة على استيعاب الأمور الانسانية والفكرية هما بحد ذاتهما “هوية”، وبالتالي فإن الهوية تعوم أفقيا لكي تواجه الأمور العمودية الساكنة، بمعنى أن الجذور العمودية الماضية يجب الكشف عنها وإظهارها ووضعها في السياق الثقافي المعاصر، وإذا استطعنا أن نحقق ذلك فنحن ننتمي إلى ماضينا، حاضرنا ومستقبلنا وهذه العملية بحاجة إلى التجديد والتطوير المستمر في مفاهيمنا. أما أساس عملية نشر الثقافة وقدرتها على الحوار مع الثقافات الأخرى فهما بحاجة إلى عناصر ضرورية وهي أولا الابداع الذاتي عند الفنان أو المبدع في شتى المجالات، ثانياً القدرة على هضم وفهم المؤسسات الثقافية للشرارة الأولية عند المبدع، وثالثاً وجود أدوات جديدة تمثل الفكر المعاصر والعمل على نشر العملية الابداعية في المجتمع، ولذلك نحتاج إلى أكاديميات فنية وخطة لتنفيذ وتنسيق ندوات نقدية على المستوى العالمي للتحدث عن الابداع؛ الفكر والنقد الفني في المجتمعات ومن ثم تتم طباعة وترجمة هذه المواد إلى اللغة العربية ونشرها في المجتمع بالاضافة إلى وضع خطة استراتيجية للمنهج التعليمي في جميع المراحل الدراسية لحرث العملية الثقافية عند الفرد في المجتمع.
الخليج الثقافي: 2007-02-10
|