محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
سماؤنا مكشوفة حتى لأحدب "نوتردام"..
قبل أسابيع وبمناسبة انعقاد مؤتمر علمي حول الأمراض الجلدية بفندق (المركور) بالجزائر، كان من بين القضايا العلمية التي طرحت للدرس مرض (الورم الليفي العصبي) neurofibromatose ، وهو من الأمراض الوراثية، وكان المتحدث فيه أحد كبار المستشارين الفرنسيين، و يشرف على مستشفى في باريس يقدم استشارات حول المرض، وليشد انتباه الجمهور الحاضر استعان المحاضر بقصة الأديب الفرنسي الكبير فكتور هيجو (أحدب نونتردام)، فقصة الأحدب دميم الخلقة، كريه المنظر، لا تنسى، ولا نجد خيرا من وصف كاتب القصة نفسه للأحدب فلقد كان ( ذو وجه صلب، وفم كأنه حدوة الحصان، وعين واحدة يسدها حاجب أشعث، بينما اختفت العين اليمنى وراء ورم شديد الضخامة، وأسنانه مفلولة نخرة، مبعثرة هنا وهناك، وبرزت أنيابه فكانت تشبه أنياب الفيل..).
وإمعانا منه في تصوير قمة دمامة الأحدب، قال لنا فكتور هيجو أن الناس لم يختلفوا في ترشيحه للفوز بالصدارة في مسابقة التكشير، فوجهه كان (التكشيرة نفسها)، وكم كان الكاتب موفقا في تصوير فرح الأحدب بعد أن حمل على الأكتاف احتفاء بفوزه ذلك، فلقد (ارتسم على الوجه العملاق الحزين فرح مرُّ شديد الازدراء، حين رأى تحت قدميه المشوهتين كل الرؤوس الجميلة والأجساد المستقيمة)، والقصة عرضت في التلفزيون فيلما وعرضت للأطفال في شكل رسوم متحركة..
ولأن قصة الأحدب شيقة فقد شدت الأسماع لمحاضرة أخصائي طب الجلد وهو يعرض القصة من جديد أمام هذا الجمهور الخاص، لقد ذكرهم بمأساته التي ساقها الأديب فكتور هيجو في قالب درامي حزين، فالأحدب (كوازيمودو) كان يحب تلك الفتاة الرشيقة الجميلة (الاسمرالدا)، وعرَّض نفسه في سبيلها لأنواع من المخاطر، لكنها ما كانت لتنتبه إلى مشاعره وهو على تلك الخلقة الدميمة، وهي لا تعرف، بطبيعة الحال، ولا حتى مؤلف القصة يعرف في ذلك الوقت، أنه مصاب بمرض وراثي بمعنى أن الداء يسكن في أصل خلقته في الجينات، و لا ذنب له كونه أحب تلك الجميلة، فهكذا خلق، وحتى لو عرفت الجميلة حقيقة المرض فما يغير ذلك في واقع الأمر شيئا..
وهذا الطبيب الباحث لم يأت ليتحدث عن قصة من الأدب الفرنسي الكلاسيكي، لقد أشار إلى حقيقة علمية أراد أن ينتبه المختصون إلى تداعياتها الاجتماعية، فالاستشارات الجينية تتوخى الاستباق في التعرف على الأمراض الوراثية، وأصبحت اليوم في المجتمعات الغربية شيئا اعتياديا، وأصبح الكشف عن التشوهات والعيوب الوراثية يمتد إلى فترة الحمل، ويكون باستطاعة الزوج حال التأكد من وجود تشوهات أن يطلب التدخل الطبي لوقف الحمل، وقد يجر الطبيب إلى المحاكم إذا أغفل في التبليغ باحتمال وجود المرض الوراثي.. فهذه الأمور وأخرى هي إحدى إفرازات التخمة التكنولوجية، فالأمر لا يخلو في أحيان كثيرة من المواقف المحزنة والمتعسفة، والوقوف عندها جدير بالتأمل..
إلى هنا فالمحاضرة تندرج في مفاهيم العلم وإسقاطاته الاجتماعية، وهي وان حملت تجربة مجتمع من خارج سياق منظومتنا الحضارية فهي مقبولة على أنها من التجارب أو المنبهات، لكن الغريب في الأمر والذي يصعب تفسيره دون اتهام النيات، ودون الإشارة إلى التعسف والتعصب، الغريب أن المحاضر في آخر كلمته عرض صورة كنيسة "نوتر دام" في باريس، ودعا من يزور عاصمة الجن والملائكة أن يستمتع بمنظرها والسماع لأجراسها التي كان يرسلها الأحدب كما في قصة فكتور هيجو، وهنا يضيع الخط الرابط بالمعلومة العلمية، بل لا أكاد أتبين أي خط علمي على الإطلاق، هنا أجد دعوة للكنيسة وأجراس الكنيسة، وهي بكل تأكيد ليست أجراس سيمفونية موسيقية، إنها أجراس، وأجراس تعبر عن شعائر دينية، والكلام موجه إلى جمهور يعرف المحاضر دينه وثقافته، فلربما كان الأمر مفهوما لو كانت المحاضرة في باريس أو روما..
هذا التعسف في تطويع الحقائق العلمية، لأغراض غير الغرض العلمي، وخاصة أمام جمهور متخصص، لم يعد غريبا ففي كثير من الأحيان يبيح متكلمون في العلم لأنفسهم هذا المسلك المريب، وذلك بالإبحار خارج النص لإشباع رغبة أو تصفية حساب لكن بالتمويه بالبحث العلمي، فلقد سمعنا متحدثا باسم الطب يقرر أن غطاء الرأس من أسباب سقوط الشعر، ولا يتريث في تقريره هذا حتى يحدد هدفه، فالمقصود هو الخمار والحجاب، ونسي أن النساء والرجال من غابر التاريخ كانوا يغطون رؤوسهم، وفي مختلف الثقافات، ويعتبرون ذلك شارة قومية !
واستمعت إلى متحدث آخر وهو أستاذ في الطب، لم يجد من أسباب حدوث حساسية الأنف وطفيليات الجلد إلا سجاد الصلاة، سمعت ذلك منه أكثر من مرة، مما يفهم منه التأكيد في التعسف مع حقائق العلم، فنسبة الذين يعانون ويلات الحساسية في مجتمعات لا تعرف سجاجيد الصلاة ولا صلاة المسلمين أضعافا مضاعفة، ونسأل ما القيمة العلمية لهذا المثال الذي يصر الأستاذ المحترم على ترديده بمناسبة وبغير مناسبة؟
ولعل السؤال الأكثر إلحاحا وحرجا يبقى حول مستقبل حياد العلوم التجريبية، وهي التي بقيت لعقود تحافظ على نوع من توازنها وهيبتها، بعيدا عن مهب الايدولوجيا وصراعاتها السافرة، نقول حفظ الواجهة على الأقل، لأن الحياد التام قد لا يكون من شأن البشر، لكن المقلق هو هذا زوال التحفظ كما تحدثنا عن أمثلة منه، مما يفتح طريق دخول هذه العلوم المحايدة في مهب صراع الثقافات، لتكون طرفا خطيرا في الصراع الحضاري وتفقد بالتالي جلالها وهيبتها وحيادها..
يكتبه محمد قماري
|