محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
دعوة إلى كسر طوق اليأس
التقيت يوما في مكتب أحد المسؤولين بصحافية مبتدئة، جاءت وفي نيتها أن تنقل لقراء الصحيفة التي تشتغل لها حبرا ما متعلقا بنشاط تلك المؤسسة، وجلست أستمع لذلك المسؤول وهو يجتهد في عرض نشاط مؤسسته، بما فيها من محفزات ومعوقات، ولكنني لمحت من خلال تقاسيم وجه تلك الفتاة الصحافية الضجر وعدم الارتياح..
اغتنمت فرصة خروج ذلك المسؤول وسألتها عن سر ضجرها، فقالت: إن رئيس القسم الذي أنتسب إليه بالجريدة لا تهمه هذه المعلومات،على ما في بعضها من أهمية، فالذي يسعده ويفرحه، وبجعله بالتالي يرضى على عملي هو (السكوب)، بمعنى أن أنقل له خبرا فيه فضيحة أو حدوث كارثة أو أزمة، وما عدا ذلك من الأخبار والمواضيع فهو يسميه أخبار باردة..
قلت لها هذه مدرسة إعلامية غريبة، ألا ترين معي أن كبريات المحطات التلفزيونية وكبريات الجرائد في العالم، قد تجعل من خبر يبدو بسيطا يحدث مع حيوان ما في حديقة الحيوانات، تجعل منه الموضوع الرئيس في مستهل نشراتها أو على صدر صفحاتها، فالخبر العادي قد يتحول إلى (سكوب) إذا وجد المعالجة الإعلامية الجادة والمحترفة..
وإذا كانت بعض الصحف وجدت نفسها مدفوعة في هذا الطريق من باب المجاراة، ومن أجل تحقيق الربح المادي فإن صحفا أخرى تعمل بمنهجية وتستجيب لمنطق يريد تسويق اليأس وأنه (ليس في الإمكان أبدع مما كان) وأن صوت الفساد والأزمات والسرقات أصبح من القوة والتمكن بحيث لا يعلى عليه، وأن الدليل أمامنا ماثل للعيان، وخير شاهد عليه ما تنقله الصحافة من مئات الأخبار عن المفسدين والمرتشين وتكاد تذكرهم بأسمائهم، دون أن يغير ذلك من الحال شيئا..
إن المقصود إذن، هو أن يقام حول الفساد والمفسدين جدار من الحصانة وطوق من الأمان، وذلك بإشاعة حالة من اليأس العام، حالة يبدو فيها أن الفساد هو القاعدة والشذوذ غير ذلك، وأن المفسدين لهم اليد الطولى التي تمتد حيث شاءت وتأخذ من غير أن تخشى ملاحقة أو حسابا.
بل يشاع السؤال الخبيث الماكر، أين الذين سلموا من الفساد؟ فكل الناس مفسد أو محب للفساد ومشجع له، هذه هي الرسالة القريبة المستوحاة من المرجفين والمطبلين لأخبار الفضائح والفساد دون متابعة جدية تفضي إلى هتك الحجب وإظهار الحق عاريا دون الدخول في لعبة ابتزاز العصب والكتابة تحت الطلب ومنطقي إذن أن يكون السكوت فعل أمر آت من الجهة التي أذنت بالحديث أول مرة..
إن الإعلام اكتسب قوته ونفوذه يوم كان الصحافي خاضعا لضميره وحده، ويتترس خلف قلمه ويقاوم المغريات والضغوط من أجل الوصول إلى الحقيقة، لأنه يعرف أن الانحياز لطرف يفقده أعز ما يملك، يفقده الاستقلالية ويفقده بالتالي المصداقية لدى جمهور قرائه، هذا الجمهور الذي انتخبه ووضعه على رأس سلطة لا تقل شأنا عن سلطة ذي السلطان، لكنه يتحول إلى مهرج وممثل يوم يتخلى عن هذه القيم..
إن المفسدين يصنعون حول أنفسهم الهالات، ويزعمون أنهم فوق كل الشرائع والقوانين، وحقيقة أمرهم أنهم مستضعفين في داخلهم، خائفين يحسبون كل صيحة عليهم، وكل قوتهم هي من استثمارهم في يأس الناس وفي خور الناس، وفي ظن الناس أن المعركة قد حسمت إلى الأبد لصالح الفساد، وهذا ضد طبيعة الأمور بل ضد طبيعة الكون نفسه، فالكون كله لن يعمر إلا بوجود قيم الحق والعدل والجمال، والخالق سبحانه لا يقبل أن يعيش عباده حياة الحيف والظلم والاستخذاء، فإما أن يحدث البشر التوازن بأنفسهم أو تنتهي معهم مقومات الحياة ويعمهم العذاب "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا " (سورة الإسراء:16)..
في البلاد رجال صالحون مصلحون ونساء صالحات مصلحات وهم كثر، وهم أمل البلاد والعباد في كسر طوق اليأس، وهم الذين يعرفون أن الصعوبة لازمة من لوازم البشر، كما يقول الروائي الطبيب الروسي أنطوان تشيخوف: (يقولون أننا نعيش زمنا صعبا، ومتى لم تكن البشرية في زمن غير صعب)، والذكي ليس من يتفنن في وصف الظلام بل الذكي من يلمح خيوط الفجر تهتك حجب العتمة..
كتبه: محمد قماري 25/06/2007
|