محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
شروط النهضة..
مضت ستة عقود من صدور الطبعة الأولى من كتاب "شروط النهضة"، وهذا الكتاب هو من بواكير إنتاج المفكر الجزائري مالك بن نبي، رحمه الله، ولا أخفيكم أنه لو كان لي من أمر هذا البلد شيء، لأصدرت أمرا بان يكون هذا الكتاب أول ما يقرأه طلبة الجامعات أيا كانت وجهة تخصصهم، ولرسمت تقليدا يتبع بأن تلتقي قطاعات الأمة في كل عشر سنين وينظروا هل الأمة تحققت بشروط النهضة أم أنها تبتعد عنها، ولنسأل أنفسنا عن سبب الابتعاد أو الاقتراب من الشروط النفسية والموضوعية في الأمة..
لقد تذكر الجزائريون مالك بن نبي سنة 2003 في مؤتمر رعاه رئيس الجمهورية، وصادف الذكرى الثلاثين لرحيل مالك بن نبي عن الدنيا، ودار الحديث حينئذ عن مؤتمر يقام في 2005 بمناسبة مرور مائة سنة من وفاة المفكر الراحل، والحقيقة أن ميلاد بن نبي كان يوم أخرج للناس بواكير إنتاجه، وشروط النهضة من أعظمها شأنا، فلقد كان الكتاب حامل جذور أفكار الرجل التي بسطها بعد ذلك في مختلف كتبه..
لأجل كل ذلك رأيت أن الواجب يفرض علينا الاحتفاء بذلك الكتاب الذي ولد سنة 1948، ورأيت أن يفتتح به طلبة الجزائر أول عهدهم بالتعليم العالي، وليقف كل منا بعد ذلك مساءلا نفسه، ومسائلا غيره هن حظنا من النهضة ومن شروط النهضة على رأس كل عشر سنين..
وإنني لأستعيذ بالله من أن يظن أحد من القراء الأفاضل بي أن قصدي هو مجرد الذكرى للاحتفاء، فما من شيء أبغض إلى نفسي من الهزل في موضع الجد، وإن تختزل مفاهيم كبرى في مهرجانات فولكلور بائسة، فكم من المعاني الكبيرة ضاعت بين رفس أرجل الراقصين والراقصات وهم يظنون أنهم يحتفلون بيوم كبير..
إن الأمر الذي همني وجعلني أتذكر "شروط النهضة"، هو الواقع الماثل بين أعيننا، هو هذه الأرقام التي تزحم الأفق، فلا يدري الناس أشر هي أم خير، فمن ذاهب بها في أودية التشاؤم ووهاد الظلمات، ولا يرى إلا الشر المحدق، ومن فرح بما بين أيدينا من إمكانات لا يرى لها من نفاذ أو هكذا يريد أن يفهمنا..
السيد نور الدين يزيد زرهوني أعلن أن تعداد الجزائريين هو في حدود 36 مليون نسمة و"فقط"، وفقط هذه من عندي لا من عند الوزير، وأقصد إلى طمأنة الذين رؤوا أننا مقبلون على انفجار ديمغرافي، فهاهي الديمغرافيا تتراجع ويتقدم المجتمع بخطى ثابتة نحو الشيخوخة التي تعانيها مجتمعات الغرب، مع الفارق أن البشر عندهم مأهلون ودرجة التأهيل عندنا متواضعة، ورقم آخر هو أن البلد سيوفر 80 مليار دولار أخرى في نهاية هذا العام 2008 ، مما يعني ارتفاع في رصيد الاحتياط المالي للبلاد إلى 200 مليار دولار، ويتحدث البعض عن ذخيرة يحار أصحابها في كيفية صرفها..
حديث آخر وأرقام أخرى جاءت من الجلسات الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي، فعلى الرغم من الديمغرافيا الكبيرة للجامعيين في الجزائر، فإن النوعية والجودة لم تتبع الكم، فأحسن جامعة جزائرية (جامعة تلمسان) تقبع في المرتبة 39 على المستوى الإفريقي، بعيدة بمراحل عن جامعات محيطنا في تونس والمغرب ومصر والسنغال، فمن بين 7000 جامعة تم ترتيبها جاءت جامعة تلمسان في الرتبة 6995..
وإذا كان هذا حال الجامعة الأولى في بلادنا فكيف الحديث عن "الجامعات" الأخرى، المؤكد أن الأمر محزن ومقلق، ومن هنا تذكرت مالك بن نبي، الذي تحدث في شروط النهضة عن المعنى السلبي للتعليم، ذلك المتعلم أو طالب العلم الذي لا يرى في الثقافة إلا معناها التافه البسيط، أن يصبح "سي فلان" أو أن يضمن له التعليم والشهادة العالية وظيفة محترمة، مالك بن نبي يرى في هؤلاء أمساخا، فالشهادة ليست هدفا تقصد لذاتها، ولا تبنى النهضة من هذا المسلك..
الغريب أن بن نبي، جعل ختام حديثه عن شروط النهضة بفصل خصصه لوضع أسماه "القابلية للاستعمار"، فالمجتمعات إما أن تكون آخذه بأسباب عيشها الكريم، أو أن تتحول إلى محط أنظار للطامعين، فتكون في وضعية من يستدعي الاستعمار، لأن الذي يعجز عن قيادة نفسه يقوده الآخرون..
وكم هو عجيب أن تتحول عناصر القوة، وأسباب النهوض إلى مشكلات تتكدس، فالمفروض أن مجتمعا شابا، بل يفيض شبابا، ووفرة مالية طاغية، وأرض من خير ما أوجد الله على البسيطة، وخيرات مبسوطة فوق الأرض وتحت الأرض، هل ينتظر من كل هذا سواء الرخاء والإنتاج..
يكتبه محمد قماري
|