لم يختلف المنطق كثيرا،،، ولم يغير رعاة البقر سياستهم، ولم يبدلوا عادتهم، وما ورثوه عن آبائهم، فهي حرفتهم القديمة، ومنطقهم الوحيد...
الذي اختلف هنا هو القطيع نفسه، فهو بشر له كل مقومات البشرية، إلا أنه لا يملك منها شيئا، يساق كما تساق الأبقار، ويذبح كما تذبح، ويذعن كما تذعن، ويعلف كما تعلف، ليس له من الأمر شيء، قد استساغ طبيعته الجديدة، وتعود على نمط هذه الحياة، وألف وجود هذا الفارس يحوم حوله بفرسه، ويمسك بيده سوطه، يحس معه بالأمان، وينام حين يراه باطمئنان، وألف منظره وهو يطارد الثور الفار من القطيع، الثائر عن المجموعة، ثم ألف أن يرى هذا الثور بعد أن ألقي عليه القبض، وودجت خصيتاه، وديعا ناعما لا يخور ولا يثور، ولم يبق له من الثور إلا الاسم والشكل.
والجديد في المنظر هنا، أن الراعي قد استبدل حصانه بحصان أسرع، واستجاد آلات الردع في يده، وأحاط نظره بالمكان، وواطأه على ذلك نصف القطيع، فصاروا له خدما وأعوانا، فزاد من خيلائه وغطرسته بعد أن زاد مردوده من القطيع، وتضاعفت مكاسبه منه، فطاب له اللبن الأسود، والجبن الأصفر، واللحم الأسمر...
من يقنع القطيع بأنه ليس بقرا، ومن يقنع الراعي بأن هؤلاء ليسوا قطيعا، وأن سياسته التي مارسها آباؤه مع البقر لا تصلح مع البشر، وأن ما يقوم به الآن هو احتقار للبشرية وامتهان للإنسانية وتسويد للتاريخ وعار في جبين بني آدم كلهم...
كلمت الراعي فلم يفهمني، وكلمت القطيع فكرهني، ثم داسني بحوافره، وأخبر عني الراعي، فسلط علي الثور...