المدونات في :

أرسل الإدراج التالي


اســمك مطلوب
بريدك الإلكتروني مطلوب
بريد صديقك الإلكتروني مطلوب
الرسالة 300 حرف كحد أعلى

محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
جننتونا

جــنــنــتــونــا

قديماً كان الهدف السامي لكل أسرة أردنية هو الدفع بأبنائها صعوداً على درجات السلم التعليمي الأكاديمي، حتى لو كان من الضروري أن يحملوا هؤلاء الأبناء على أعناقهم في طريق الصعود.
ورافق هذا الإهتمام تنمية غير طبيعية لقطاع الدروس الخصوصية
ورواج للكتب التي يطبعها الأساتذة الطموحين تحت أسماء مثل: "الممتاز" "الرائد" "الأول" "المبدع" ... إلى آخره من كتب توزع بأعداد أكبر من أعداد كتب الوزارة نفسها.
كما أن هذه التنمية شملت جيوب ( بعض وليس كل ) أساتذة الجامعات، فمنهم من شملته التنمية المادية ومنهم من شملته التنمية العينية، ( كزجاجات العطور وأقلام الحبر الفاخرة وبعض وجبات المناسف)
على كل حال صارت غالبية الشعب العظمى، من ذوي الدرجات العلمية المحترمة، أقلها بكالوريوس. أصحاب الدبلوم كان يــُـنظر لهم على أساس (يع، سوفاج) فما بالك بصاحب التوجيهي.
أعرف صديقة لي تزوجت بعد التوجيهي مباشرة، وهي الآن زوجة رائعة وأم مثالية، ولكنها كلما سألها شخص عن شهادتها تقول: أنا توجيهي ناجح ناجح. وكأنها تنفي التهمة الفظيعة -والتي لم يتهمها بها أحد- عن نفسها.
وأذكر أيضاً أن أبي كان دوماً يقول، أن الشعب الأردني عندما خرج ليعمل في الخارج خرج رافعاً رأسه، وعاد رافعاً رأسه، فالجميع في الدول الأخرى يتذكرون الأردني المعلم والأردنية المعلمة، ولا أحد يمكنه أن يقول أن حارس عمارتنا كان أردنياً، وهذا الأمر مدعاة للفخر في حد ذاته.
ماعلينا، ( هاد الحكي زمان ) ، ما أثار دهشتي في الأيام القليلة الماضية، هو التكثيف للبرامج الداعية للتعليم المهني، ونبذ التمسك بفكرة أن صاحب الشهادة الجامعية هو الــ( كووول ) وهو الذي يستحق أن يتزوج بناتنا وأن يستأجر بيوتنا، وأن يدير مكاتبنا وأن يأكل مناسفنا أيضاً، حتى أن برنامجاً تلفزيونياً استضاف عضواً برلمانياً يمتهن حرفة صيانة الأجهزة المكتبية، وتحدث الرجل عن رحلته في الحياة ومثابرته وجهده حتى وصل إلى قبة البرلمان، وبالرغم من أن هذه الشخصية تستحق الاحترام، وبالرغم من أن حديثه قد أوضح أن الدعوة ليست لنبذ التعليم بل هي لتحديد الميول وعدم تضييع الوقت، وبالرغم من أنه قد أثبت أن المثقف ليس بالضرورة حامل شهادة أكاديمية، إلا أن الحديث نفسه أثار التساؤل والدهشة، أين كان هذا الرجل وأمثاله قديماً؟
ألم تكن هذه النماذج من الحرفيين سابقاً تنذوي منطوية على نفسها في زوايا المجتمع؟!!
ألم يهاجم نفس التلفاز فيما مضى أولئك الرجال عـُـبّاد القرش الذين يبيعون بناتهم للمواسرجية والميكانيكيين لمجرد أنهم أصحاب أموال؛ ويرفضون المتعلم صاحب البكالوريوس -على الأقل- لأنه فقير؟!!
أذكر وأنا أقل من العاشرة من عمري، أنني كنت أشيح بوجهي بقرف -إن صح التعبير- إذا رأيت أي مواسرجي أو كهربجي تسوّل له نفسه أن يأتي لبيتنا ليصلح شيئاً ما، وبالرغم من أنني لم أكتشف يوماً وجه الشبه بينهم وبين أولئك في الأفلام والمسلسلات؛ إلا أن إيماني المُطلق؛ كان بأن هؤلاء الرجال لابد وأن بهم عيب ما، وإلا فلماذا يجب على كل رجل شريف ألا يقبل بتزويجهم بناته؟!!
والآن أنا في حيرة من أمري، هل أؤيد أم أعارض، نعم أنا أسئل بالفعل؛ هل أؤيد أم أعارض؟ لأنني في السابق، فـُـرض عليّ رأيٌ ما عنوة، وهو أن التعليم الأكاديمي هو الصواب، وما عدا ذلك فهو شر مستطير وبلاء كبير، فلا أعتقد أنني الآن قادرة على اتخاذ القرار وحدي.
فليساعدني أصحاب الرأي والشورى، أيهما الأفضل؟ التعليم الأكاديمي أم الحرفي؟ هل كان الخطأ في هذا الترويج المبالغ فيه للشهادة الأكاديمية؟ أم أن السياسة الحالية لا تخدمها تلك الشهادة؟
في النهاية أجد من الإنصاف أن أقول، أنني لست حزينة على الجيل الحالي من الساعين نحو ما يؤمن أرزاقهم، فأولئك حتماً سيختارون الوظائف الأكثر رواجاً، ليؤمنوا رغيف الخبز وربما بعض الزيت والزعتر إن أسعفهم الحظ، إنما حزني على ذاك النجار الماهر، الذي كان يهوى اللعب بالمنشار واللهو بالمسامير الصغيرة، والذي حـُـرم من تنمية موهبته، وأُجبر على إذابتها في بوتقة التعليم الأكاديمي، وهو الآن خلف مكتب ما، في مؤسسة حكومية ما، يتسائل: الآن عرفتم أن العمل المهني عمل محترم؟!! الآن عرفتم بعد أن شارفت أنا وموهبتي على هوة التقاعد؟!! بعد أن ضعف نظري وكلّت أصابعي؟!! بعد أن أصبح ذراعي عاجزاً عن رفع مطرقة؟!! وبعد أن أصبحت أرى قطعة الخشب مثلكم، مجرد قطعة خشب ؟!!




"لا يتحمّل مكتوب أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها و/أو نشرها في مدوّنات مكتوب. ويتحمل المستخدمون بالتالي كامل
المسؤولية عن كتاباتهم وإدرجاتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر."