محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
أغدا ألقاك ؟
- لا شيء يزيل وحشة هذه المدينة إلا صوت ناعم يتفقدني ويمنحني الدفء في ليالي الوحدة الباردة .
- صوت فقط ؟؟ أهذا منتهى أحلامك ؟؟
- وهل أدركتُ هذا الحلم حتى أحلم بأبعد منه ؟؟
دار هذا الحوار في نفس مهند وهو يستعد للخروج لمكتبة جرير , كان منشغلا بإصلاح هندامه , محتارا في تسريحة شعره .
قرر أخيرا قبل أن يخرج أن يجعل تسريحة شعره إلى الأمام .. قال لنفسه مطمئنا : هكذا أبدو غير مبال بأحد .
هو يؤمن بالمقولة التي تقول :" اللامبالاة تحرش عاطفي أكثر خبثا من أن تعلن عن نفسها" .
- هذه المرة يجب أن أنجح في إعطاء رقمي لإحداهن , فثلاث سنوات من التردد والخوف كافية تماما .
- فعلا ! فلا شيء ينقصني .. إنني على الأقل أكثر وسامة من صديقي عصام الذي يعج هاتفه بأرقام الفتيات .
وهو في طريقه إلى المكتبة تفقد الورقة التي كتب فيها رقمه , إن حجمها مناسب تماما , ليست صغيرة جدا كما كانت في آخر مرة .
آخرة مرة كانت هي أول مرة يتجرأ فيها ويرمي رقمه , حدث ذلك بعد صراع محتدم بينه وبين نفسه , رمى الرقم بيد مرتعشة كيفما اتفق , ثم انتظر ما يقارب خمس ساعات آملا أن تدب الحياة في هاتفه باتصال أو رسالة , لكن شيئا من ذلك لم يحدث , قال له أصدقاؤه إن هذه المدة طبيعية جدا , لذلك عليك أن تنتظر مزيدا من الوقت , لكنه قرر أن يذهب إلى المكان الذي رمى فيه الورقة , ليجدها مرمية على الأرض .
ركن سيارته بحرص في الجهة الخلفية من المكتبة , فلو رأت الفتيات سيارته لبصقن عليه وعليها .
عند مدخل المكتبة لفت انتباهه مشهد طريف ,,
سائق آسيوي يلبس الزي السعودي الرسمي ويجلس في سيارته منتظرا .
ارتسمت على ثغره ابتسامة هازئة , قال في نفسه : هذه محاولة فاشلة لصرف الشباب عن مضايقة هذه العائلة , ولكن يحسب لرب هذه العائلة هذا المستوى المتقدم جدا من الغيرة والحرص .
توجه مباشرة إلى ركن الأدب والشعر والروايات ؛ فلطالما حلم بمصادقة فتاة أديبة متذوقة للشعر , يسقيها كؤوس الغزل كل ليلة , وتسقيه .
ماذا كان يقرأ ؟ كم من الوقت مضى ؟
هو نفسه لا يدري ! إنه فقط يعيد كتابا ويأخذ آخر متظاهرا بقراءته , مقلبا طرفه يمنة ويسرة .
بدأ أخيرا يشعر بالوقت , لقد مضى على وقوفه هنا أكثر من ساعة , ومرت بالقرب منه طيوف لا تنتهي من الفتيات ..ولكن واحدة منهن لم تحرك ساكنا.
بدأت التساؤلات تعصف به ,
- هل ثمة مشكلة في مظهري ؟
اتجه إلى واجهة زجاجية , تفقد نفسه , لم ير ما يقلقه حيال مظهره .
- هل رأت الفتيات سيارتي ؟
- مستحيل !! فقد خبأتها بحرص .
قفز إلى ذهنه سؤال مخيف جدا ..
- هل يعقل أن الفتيات قد أصبحن يعرفنني , ويعرفن أنني جبان , ولا يمكن أن أجرؤ على إعطاء رقمي حتى ولو طلبته إحداهن بصريح العبارة - كما حصل معي سابقا - ؟
........
- لا لا لا , غير ممكن أبدا , هذه المدينة كبيرة جدا ولا يمكن أن يعرف الجميع عن خوفي .
- ولكنها ثلاث سنوات يا صاحبي !!
- حتى ولو كانت ثلاث سنوات فهذا غير ممكن أبدا .
قطع تساؤلاته طيف فتاتين في ركن الأفلام الأجنبية .
قال لنفسه : لا بأس , فلديك خلفية جيدة عن هذه الأفلام تكفي لخلق مساحة مشتركة .
تناول بشكل عشوائي روايتين وديوان شعر , وقال لنفسه : سيكون جيدا أن أبدو متعدد الاهتمامات .. واسع الثقافة .
اقترب منهن وتظاهر بالبحث , مر بجانبه أحد بائعي المكتبة , فأخذ يسأله بلغة إنجليزية لا بأس بها , وصوت يكاد يكون عاليا :
- هل لديكم فيلم (براد بت) الأخير ؟
- لا .
- ماذا عن (بريف ون) لـ (جودي فوستر) ؟
- هذا موجود .
- لو سمحت أعطني نسخة منه , وابحث لي عن فيلم (الخطايا السبع)
لـ (مورغان فري مان) ,وأي فيلم لـ (توم هانكس) .
انصرف البائع , وعاد مهند للتظاهر بالبحث , واستراق النظر بين لحظة وأخرى .
وإذا به يلمح من بعيد شرطيا يتكلم مع رجل له لحية كثيفة , قال في نفسه : لا بد أنهم (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) , إنهم لا يتفاهمون أبدا , اللهم اكفنا شر هذه الليلة .
لم يمض غير قليل من الوقت وإذ بالشرطي يترك صاحبه ويتجه نحو مهند...
سرت رعشة في داخله .
- إنه قادم باتجاهي .
- ولكن لماذا جاء بمفرده ؟ لم لمْ يأت الشيخ معه ؟
- لا بد أنه لا يريد أن يثير ضجة في المكتبة .
- ربما ليس قادما إليّ .
حاول أن يقنع نفسه بذلك لكنه لم يفلح .
حاول أن يعود لما بين يديه لكنه لم يستطع .
أصبح نظره مركزا على الشرطي , بدأ العرق يتصبب من كل جزء في جسده .
لقد ارتسم أمامه منظر أبيه وهو يودعه قبل ثلاث سنوات , قال له : يامهند : عش حياتك طولا بعرض , و افعل كل ما أنت مقتنع بفعله , ولكن تذكر أن الوالد لا يُقتل في ولده , فلا تفعل ما يشين .
دارت الأرض من حوله .. قدماه لم تعودا قادرتين على حمله ..توكأ على رف قريب منه , وبدأ ي ستجمع أنفاسه .
لم يخرجه مما هو فيه إلا صوت الشرطي : السلام عليكم .
رد بصوت مهزوز : و..ووو .... وعليكم السلام .
مد الشرطي يده ليصافحه , فمد له يدا رطبة مرتعشة .
قال الشرطي : يا أخي أنا أبحث عن كتاب : مؤسس الحركة الكشفية في العالم . ولكن كل الباعة الذين قابلتهم لا يتحدثون العربية , وقد رأيتك تتحدث مع أحدهم , ربما تستطيع مساعدتي , فأنا على عجلة من أمري , فلدي معسكر كشفي يبدأ بعد ساعة .
دقق مهند نظره في الشرطي , لم يكن شرطيا , لقد كان أحد طلاب الكشافة.
بعد لحظة ذهول .. وضع بين يدي صاحبه ما كان يحمله من كتب , واستجمع ما بقي من نفْسِه وغادره صامتا .
توجه إلى أقرب سلة نفايات وأخرج ورقة صغيرة من جيبه ورمى بها .
سمع صوت البائع يناديه ليعطيه الأفلام التي طلبها لكنه لم يجب .
جر خطواته إلى بوابة الخروج متجاهلا أحلامه , مغضيا على جرحه , منتهيا إلى خيبة أخرى .
|