بقلم:شريفة عبدالرضا جراغ
من منا لا يعرف البرنامج التلفزيوني (فكر واربح) الذي نجح باستمراره لأكثر من 14 عاما محافظا على مستواه الثقافي المتزن بعيدا عن الإسفاف الذي اتجهت له الكثير من البرامج، و على الرغم من هذا فنحن نجد أن هناك علاقة عكسية ما بين زيادة عمر البرنامج و بين ما يصح الإطلاق عليه باسم (الشح الثقافي) عند البعض من أبناء المجتمع بجميع شرائحهم، فمن النادر أن يجد المذيع الإجابة التي يريدها من أول مرة، وأتفق مع من يقول بأن هناك أسئلة صعبة يطرحها البرنامج و لكن نقطة الخلاف تكمن في العجز عن إجابة الأسئلة السهلة و التي غالبا لا تخرج عن كونها معلومات عامة اكتسبها الشخص في المدرسة، و لهذا دلالة و للأسف على بدء انقراض الجيل المثقف واسع الإطلاع فيما بيننا .
لنطرح تساؤلات بسيطة نقف بها عند بعض أصول المشكلة وهي ما الذي يميز الجيل السابق عن الجيل الحالي؟ لماذا تقل نسبة الثقافة مع زيادة التطور؟ لماذا لا تبقى المعلومات التي درسها الطالب في المدرسة و أدى فيها الإختبارات حاضرة معه دائما ؟
باعتقادي إن ما ينقص جيلنا الحالي هو الدافعية نحو التثقيف الذاتي و التي تنعكس تلقائيا على المجتمع ،فمتى ماسعيت أنا و أنت و غيرنا إلى الإجتهاد في اكتساب العلوم المختلفة سيوسم مجتمعنا بالتأكيد بالوعي و الثقافة ، و هذا ما اعتمد عليه الجيل السابق الذي لم يمتلك أي تكنلوجيا علمية أو ترفيهية، و لكنه سعى بكل طاقاته بأن يبني نفسه و يطور من مجتمعه إضافة إلى أن مقدّرات و مكونات ذلك الزمان هي التي دفعته إلى ذلك و هنا أقصد المدرسة شريكة الأسرة في التهذيب و التعليم، و إذا قلنا مدرسة فلا بد أننا نقصد وزارة التربية التي ظلمت أجيال عديدة بسبب خطواتها البطيئة نحو تطوير العملية التربوية التي لا تتناسب و التقدم السريع في جميع أنحاء العالم، و إن صح التعبير فإن وزارة التربية عجزت عن تحفيز هذه الدافعية عند الطالب الذي يعيش في الألفية الثالثة تائها بين الكم الهائل من وسائل الترفيه و التكنلوجيا التي يستخدمها و لايستفيد من إستخدامها، و بالمقابل فإن المدرس المثقل بالإحباط و الأعباء الغير تدريسية عاجز على خلق هذه الدافعية عند الطلاب لأنه بالأساس فقدها و فاقد الشيء لا يعطيه ، فما يراد اليوم من وزارة التربية ليس القيام بنهضة إنشائية من ترميم و صيانة للمباني فقط بل القيام بنهضة تربوية إستراتيجية تحاكي مواهب و قدرات الطالب بالشكل الذي يجعله مقبلا على المعرفة ليبني ذاته و مجتمعه و تبعده عن حالة التقاعس المعرفي التي يعيشها، مع العلم بأن أقل مسافة تفصله عن اكتساب المعلومات لا تتعدى كونها كبسة زر.