محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
ابن النهر
تلك السنون مضت، و أتى اليوم رجل من زمن بعيد....
وجد نفسه على ضفة النهر جالسا، فغسل و جهه، و ملأجوفه و قال:
دعنا نرى هل للنهر من نهاية، , فأخذ من الخَضَارِ بساطا يحمله لما هو اّت...و من تمايل الأغصان ترنيمة يطرب بها قلبه...و من عبير الزهور أملاًً يعيش له.
ثم أتت الفراشة تقود سرب أحلامه، و مضت الفراشة في طريقها تتبعها الأقدام...و أخذت تطير و تطير الى أن اقتنصتها شباك قوم، أخذوا يحفرون من النهر فرعا كبيرا، و أتى من بعدها الرجل، فسأل القوم أن ماذا قدمت؟، قالوا مرت علينا اذن أنتما معنا، قال و من أنتم؟، قالوا نحن أتباع الفرع، نأخذ من النهر جدولا نسوقه الى ذوينا، قال: و لم لا يتبع ذويكم النهر؟ قالوا: ان النهر فسد و أردنا أن نطهره، ماذا عنكما؟ قال : قصدنا غاية النهر، قالوا: هذا النهر سينتهي بعد قليل و سيظل فرعنا النقي الطاهر، قال بل اّخذ فراشتي و أرحل
و بدأت سهام الشك تصيب ذيل السرب،فبدأ يتاّكل كما تتأّكل الشواطىء من أمواج البحور، و أكمل السرب على رأسه الفراشة الى هدفهم المنشود يتبعهم الرجل، و مروا بأقوام و أقوام، فنهم من كان يفني وقته في شق الأفرع من النهر و منهم من كان يشق الأفرع من الأفرع، و منهم من بنى السدود العالية بغية تنقية و تجديد مياه النهر.
و ظل الرجل يسير و السرب يتناقص شيئا فشيئا، الى أن وجدوا قوما يصبون الماء في النهر في شدة و غزارة، مياه حين تراها تشعر بالنقاء تماما كماء النهر ، فتساءل الرجل عن سبب انشغالهم بسكب الماء، فأجابوا: انا قد أتينا بهذا الماء من منبعه لأن مياه النهر قد أصابها التلف و لم تعد صالحة، رد الرجل في دهشة: و هل تأكدتم ما ان لم يصب هذا الماء أي ضرر في الطريق، فالطريق بعيد و الأجواء تتغير، قالوا انظر اليه أتجد أثر لزعمك هذا، فتركهم مرتديا وشاح العجب و أخذ يمشي و الفراشة على خط النهر الذي قد اختلفت ألوانه على طول الطريق، و رأى أناس يحتضرون فسألهم: فمنهم من قال: شربنا من النهر فقتلنا، ومنهم من قال: انا فقط جاورنا النهر فأبادنا، فقال الرجل ان ذلك الماء كان ظاهره النقاء و باطنه السواد.
و أخذ الناس يتنادون بالابتعاد عن النهر، حتى أنهم ظلوا يرددون أن هذا النهر فاسد المنبع، و أن السموم قد وضعت من بدايته، مما أثار العجب في ذهن الرجل، فقد رأى النهر من منبعه و ذاق حلاوته، فسن سيف لسانه و أخذ ينادي في الناس، أن يا قوم اليكم حقيقة هذا النهر، و لقد رأيتها ساطعة أمامي، و لكن منهم من اّنس الاستهزاء به و قليل منهم من أعاره اهتماما، فأخذ القوم يهاجموه و أرادوا اخراجه، فهم لحماية نفسه فأخذ يركض و يركض حتى أنهكت قواه، فاستظل شجرة عجوز، حين كانت الشمس تلملم أذيلها و بدأت السماء ترتدي ثوبها الأسود المرصع بالماس المتلئلىء، و أخذ الرجل يسبل الدمع، كطفل فقد أمه في زحام الطريق، حينها أخذت الشجرة العجوز تميل بجذعها اليه و تقول له قم با بن النهر ما يبكيك؟ قال: الناس ظلموا ذلك النهر و شعرت بواجب الدفاع عنه، قالت: و هل تدافع عن السماء اذا سبها الناس و قالوا انها تغرقنا بمطرها؟ و هل تدافع عن الشمس ان قالوا انها تحرقنا بلهيبها؟ فاستفاق الرجل و قال الحق معك و قالت في ثقة و تفاؤل لمن النهر أيها العجوز؟ قال: هو لمسيره،قالت : اذن فدع مسيره يتولى الدفاع عنه و لا تأس على نفسك قتضل عن مساره. و بدأت أسارير وجهه تتجلى معطية الفراشة اشارة الانطلاق من جديد.
|