ذهبت كعادتها الأسبوعية الى بيت أهلها القديم، البيت الذي تحمل جدرانه كل ما كان لها من ذكريات، هذا المكان الذي تجلس فيه أمي كنت أخفي خلفه قطع الحلوى من اخوتي لحبي الشديد لها، و هنا طاولة الطعام التي كنت اّنس في اللعب تحتها حتى لا يراني أحد و يزعجني، أما هذه فكانت غرفتي، كانت مملكتي الصغيرة التي توجت أميرة عليها اّنذاك. كانت بالفعل تشاركها الغرفة ذكرياتها، أليمة كانت أم حزينة، فعاشت بها و عايشتها في مراحلها المختلفة، الا أن زخم الحياة و تبدل الأحوال حال بينهما و جعلها لم تطأ هذه الغرفة منذ فترة طويلة، فكانت تأتي أمها كل أسبوع لترى ما لها من حاجات تقضها لها و حسب، و لكن المرة لم تكن كغيرها، شعرت و كأن شريطا سينيمائيا يعرض أمامها لما مضى من حياتها، و فيما هي تقتنص الذكريات واحدة تلو الأخرى، طلبت الأم منها أن ترتب خزائن الملابس في غرفتها القديمة، لترى ما ان يصلح فيها شيئا لابنة حارس البناية، حينها شعرت و كأن شخصا ما أيقظها من حلم جميل، و بدأت في تفريغ الملابس، و هنا كانت الصدمة ! انها حقيبة مقتنياتها القديمة، بحثت عنك كثيرا أين كنت؟ لن يأخذك مني أحدا اليوم، و بدأت تفكر كيف يمكنها أن تخفيها الى أن تذهب الى منزلها.
لم يمكنها الحنين أن تنتظر حتى تعود للمنزل، فركضت الى دورة المياه مسرعة حتى لا تدرك الأم ما تمكنت من الحصول عليه، فكانت قد أخفت الصندوق عمدا منذ سنين عديدة خوفا عليها من اّلام الذكريات، و أغلقت باب دورة المياه و فتحت الصندوق، الذي كان مكتظا بالصور و مكاتيب الغرام، -انه الحب الخالد- فأخذت تقلب فيهم الواحد تلو الاّخر و انسالت دموعها لتغسل أتربة الزمان من فوق الذكريات حتى جفت دموع عينها، حينها شعرت أن لابد لها أن ترحل. فخرجت و أسرعت الى باب المنزل و فتحته و أخفت الصندوق بجوار صناديق القمامة ثم عادت مسرعة الى أمها و أخبرتها أنها ليست على ما يرام و لابد لها أن تذهب و قبلت جبهتها و خرجت.
رحلت حاملة صندوق اّلامها بين يديها مسرعة الى المنزل خشية أن يصل زوجها قبلها فيسألها عن ما هية الصندوق، و أيضا تذكرت أنها طلبت من شركة الغاز أن ترسل لها مهندسا كي يصلح أنابيب الغاز بالمنزل، ووصلت و كان الحظ حليفها فلم يأت زوجها من عمله بعد، و اذا بأحد يطرق الباب فظنت أنه زوجها، فكان يكثر من نسيانه لمفتاح باب المنزل، و كان ذلك سببا معتادا للشجار بينهما، و فتحت الباب فارتسمت علامات الدهشة و الفزع على وجهها حين رأت مهندس الغاز المرسل من قبل الشركة، أنت؟ كيف أنت؟ ثم قال لها في دهشة: أنت؟ و بعد أن استغرقا في أحلام الماضي لثوان معدودة بدأت ساعة الحاضر تراوضها عن نفسا فردت في جفاء! نعم فلقد تذكرت ما تسبب لها فيه من اّلام بعد أن تركها من أجل امرأة أخرى كانت ستوفر له مسقبلا جيدا. ماذا أتى بك الى هنا؟ : جئت لأصلح ما قد فسد، و فيما كانت تحضر للرد عليه فاذا بالصدمة الثانية، و هي أن زوجها كان في المنزل و كانت قد ظنت أنه لم يأت بعد و تذكرت أنها لم تخفي صندوقها فركضت الى الصندوق و تركت الرجل واقفا أمام الباب، حينها أتى الزوج و جدها أمام الصندوق و نظر الى الباب و سألها من الرجل؟ فردت و الكلمات تتلعثم في حلقها : هذا مهندس الغاز، ثم أتى الصندوق و فتحه ورأى ما فيه و نظر اليهما بسهام الغضب و قال في حدة : من هذا؟ أجيبيني، حينها افترس الصمت لسانها و تسمرت في مكانها فأخذ الزوج يكرر: لم لا تجيبيني؟ أجيبيني، حينها لم يستطع النوم غلب تأثير الواقع، ففتحت عينيها، فاذا بالزوج أمامها يقول: لم لا تردين لقد أقلقني استغراقق العميق في النوم أأنت بخير؟ هل أنت متعبة؟ فأجابت : لا و لكنها كانت مجرد قيلولة...