محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
المعارضة الباكستانية تتهم الفضائيات بسرقة جمهورها
د . أحمد موفق زيدان:
فوجئ الإعلاميون الباكستانيون والأجانب بتصريح لزعيم مجلس العمل الموحد الإسلامي القاضي حسين أحمد ، تصريح كان خارج سياق المؤتمر الصحافي تماماً المدعو إليه ، التصريح حّمل الفضائيات الباكستانية مسئولية سرقه جمهور الأحزاب السياسية ، هذه الفضائيات التي وصل عددها إلى خمس وستين فضائية ، ويتوقع أن ترتفع بورصتها إلى الثمانين آواخر هذا العام وفقاً لوزير الإعلام محمد علي دوراني ...
لم يعد الشارع الباكستاني ولا غيره من الشوارع في العالم كله بحاجة إلى أن يتجشم الفرد منه المصاعب والمتاعب من أجل أن يقضي ساعات تحت حرّ الصيف أو قرّ الشتاء لرؤية هذا الزعيم أو ذاك ، ويتعرف على قيافته وشكله ما دامت الفضائيات وفرت ذلك ، وعلى الهواء مباشرة ، بل وبوجود ثلاث أو أربع كاميرات تنقل كل الفعاليات والنشاطات للاجتماع السياسي ، فثمة كاميرا خاصة مسلطة على مدار الحفل على الزعيم ، بحيث يوفر ذلك للمشاهد التعرف على لغة جسمه وشكله وتحركاته أكثر بألف مرة من أن يجلس في مكان قصيّ من الحفل ، ربّما شاهده وربما لم يشاهده بعد أن يكون قضى وقتاً طويلاً ...
لم يعد الأمر كما كان عليه آواخر الثمانينيات ، حين عادت زعيمة حزب الشعب الباكستاني بي نظير بوتو من المنفى بعد غياب دام أكثر من خمس عشرة سنة ، فخرج أكثر من مليون شخص لرؤيتها ، ولا أقول لاستقبالها فقط ؛ فالغالبية العظمى لم يتسن لها أن تراها في ذلك الوقت ، لننتظر ولنرى كيف سيتم استقبالها بعد هذا الغياب الطويل ، وإن كان البعض يعتقد أنه بسبب تحالفها مع مشرف الذي هو على رأس السلطة ، فإن الحكومة والدولة ربما تشجع وترتب استقبالها ، وإن كان من بعيد وبالخفاء ، أما عودة شريف قبل أن يعاد نفيه أخيراً فلم يخرج سوى المئات لرؤيته واستقباله ، بينما اكتفى الآخرون بالجلوس أمام جهاز التلفزيون لمتابعة ما يجري ، وهذا ما يفسر عدم خروج الجمهور إلى استقبال شريف على الرغم من أن المعارضة توعدت بدفع مليون شخص لاستقباله ...
لا زلت أذكر حين كنّا صغاراً فيحصل أن يزور المسئول أو الزعيم منطقة ما ، كان أكبر همنا أن نرى وجهه ، لنعود إلى البيت ونبدأ في التباري بين بعضنا البعض من الذي رآه عن قرب وعرف ملامحه وتحركاته أكثر من الآخر ، أما الآن ففي الفضائيات غنية عن الخروج من البيت وتجشم كل هذه المتاعب ، فالبقاء في البيت يوفر مالا يترتب على الخروج بالإضافة إلى توفر جو مريح مكيف ، فلماذا بعد هذا كله يتجشم الجمهور عناء السفر والخروج من البيت وتضييع ساعات من الوقت لحضور هذا التجمع أو ذاك ...
بالفعل حلّت الفضائيات محل الأحزاب السياسية ، وكلام القاضي حسين أحمد في هذا المجال تشخيص وتوصيف دقيق للغاية ، فقد شخّص وحقق مناط مسألة تغييب الجمهور عن التجمعات السياسية ، إلا أن ثمة أسباباً أخرى كعادة أي ظاهرة لا يمكن اختزالها ، وعزو أسبابها إلى سبب يتيم وحيد ، فالمعارضات في الدول العربية والإسلامية عجزت تماماً عن استثمار وصيانة الأصوات التي قدمها لها الجمهور حين فشلت في حمايتها من تغول العسكر أو السلطة عليها ، ينضاف إلى ذلك قناعة جماهيرية بفشل وعجز التحركات الجماهيرية عن التغيير ، فهذه الأنظمة لا تأبه ولا تكترث لا بمظاهرة ولا بتحرك جماهيري ولا غيره ....
كنت مرة مع أحد قادة الأحزاب السياسية الباكستانية نتحدث عن آليات وعمل تسويق الأحزاب السياسية لبرامجها وأفكارها بأقل الكلف ، فباغتني كلامه حين قال : " مسألة التسويق لبرامجك لا تكلفك شيئاً هذه الأيام ، بخلاف الوضع في الأيام الماضية ، حيث أنك بظهور على شاشة فضائية تستطيع أن تقول كل شيء ، وتوصل كل شيء بدون أن تتكلف في الترتيب لمهرجان ضخم وتنقل جمهورك بالحافلات إلى مكان المهرجان ، وكلها تكاليف قد لا يقوى عليها كل شخص أو حزب .."
لا شك أن الفضائيات كالسكين بالنسبة للأحزاب السياسية ، لها مثالب ومناقب ، ونفس الأمر ينطبق على الحكومات التي قد ترتاح لما قاله القاضي حسين أحمد في مطلع هذا المقال ، ولكن بالمقابل تدرك أن هذه الفضائيات غدت اللاعب الأساسي والرئيسي في عملية صنع القرار وتشكيل وتكوين الرأي العام المحلي أو غير المحلي ، ولم تعد الحكومات تستأثر بهذا الدور الذي طالما كان حكراً عليها ، وهنا إشكالية أخرى ينبغي الالتفات إليها ، وهي أن قياسات الرأي العام كانت في السابق تتم من خلال الحشود الجماهيرية التي يتمكن هذا الحزب أو ذاك على حشدها ، أما الآن فلا شك هذه لن تكون آلية سليمة لاحتساب ذلك ، فلا بد من الغوص في أذهان الناس ، ورؤية حجم مشاهدة البرامج التي يشارك فيها هذا الزعيم أو ذاك ، أو فعالية هذا الحزب أو غيره ، لقد غدت قضية قياس الرأي باختصار أكثر تعقيداً من السابق ...
الحديث على الفضائيات الباكستانية المحلية لم يقتصر على مسئولي الأحزاب السياسية وقبلهم الحكومة التي اتهمتها بالانحياز إلى صف المعارضة ؛ وإنما انضم القضاء الباكستاني ليحذر مقدمي البرامج والصحافيين من مخاطر التطرق إلى قضايا تمس القضاء ، والتي هي ليست من اختصاص الإعلاميين ، ولا يعرفون خباياها وتفاصيلها ، لحق بالقضاء مصلحة الإعلام اللالكتروني ، التي حذرت الفضائيات أيضاً من التطرق إلى مسائل على علاقة بالقضاء والقانون ، سيما بعد قوة القضاء الباكستاني الصاعدة ، و التي تحدت الحكومة ومشرف في غير موطن ...
|