محتويات الإدراج الذي تريد إرساله:
بين من أراد العراق للعراقيين ومن أراده لطائفته !!
أحمد موفق زيدان:
يحدثنا التاريخ العراقي الحديث البعيد والقريب أن سنة العراق أرادوا البلد للكل والجميع ، في حين فضّل الشيعة العراق لطائفتهم وحدهم ، وأكبر دليل على أن السنة أرادوه كذلك ، هو أن التشيع نما وترعرع في الحضن السني العراقي ، وحتى بعد انتصار ما سماه هدجسون " العالمية السنية في منتصف القرن الخامس الهجري ، إلا أن التوجهات الشيعية في جسم الأمة السنية ظل التسامح معها هو السمة المميزة لذلك العصر ، وتشيعت كثير من القبائل العراقية العربية الأصيلة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في حضن السلطنة العثمانية ، وحتى بعد معركة تشالديران المعروفة بين الصفويين والعثمانيين ؛ بل ويحدثنا التاريخ أن العثمانيين كانوا يدعمون ويساندون تشيع هذه القبائل لأغراض اقتصادية وزراعية كون المرجعيات تضبط أفرادها ، والمزيد في ذلك موجود في الكتاب الرائع للدكتور " بشير نافع " ، الذي جاء بعنوان بائس لم أفكر يوماً أن أقرأه لولا تشجيع الزميل والأخ العزيز ياسر أبو هلالة ، عنوان قتل كتابه " العراق .. سياقات الوحدة و الانقسام " .
لقد قاتل أهل السنة الخوارج لكن لم يقاتلوا الشيعة ، ووقفت الخلافة العثمانية إلى جانب الشيعة العراقيين في مقاتلة مقاتلي محمد بن عبد الوهاب الذين جاءوا إلى العراق ولم يقفوا مع الأخير ، رغم الخطأ الفادح الذي نعتقده في ذلك الموقف ، فقد أثبت التاريخ العراقي أن من حفظ عروبة العراق في وجه هجمات الفرس والصفويين هم رموز السلفية العراقية من أمثال علي عبد الرحمن السويدي والآلوسي رحمهما الله وليس غيرهما .
وعلى الرغم من قراءة كثير من علماء ومفكري ومسؤولي هذه الأمة ما كتبه العلامة ابن خلدون في مقدمته الرائعة بأن التصوف مقدمة التشيع ، وتجلى ذلك عملياً في ولادة الصفويين الشيعة من رحم الصوفيين ، إذ أن مؤسس الصفويين "صفي الله أردبيلي " كان زعيم طريقة صوفية ، لكن هذا لا يمنع الأمة طوال تاريخها من وقف التشيع أو التصوف الذي يحتضن بعضه على الأقل التشيع لتشاطر الطرفين في قواسم مشتركة مثل النظرة لآل البيت ، والمزارات وغيرها من القضايا الرمزية .
لم يكن لدى سنة العالم أية مشكلة في التعددية وقبول الآخر ، وحتى قبول مخالفيهم ونقيضهم ، فقد احتوت باكستان خلال فترة تاريخها القصير رئيساً من الشيعة ، وهو المؤسس محمد علي جناح 1947-1948 ، والرئيس يحي خان 1969-1971 ، ورؤساء وزراء مثل : لياقت علي خان 1947-1951 ، وذو الفقار علي بوتو1971-1973 ، ولفترة ثانية من 1973-1977 ، وابنته بي نظير بوتو لفترتين 1988-1990 ، وكذلك 1993-1996 ، وكثيراً من وزراء الخارجية وغير الخارجية ، ونفس الأمر في دول عربية أخرى ، لكن بالمقابل هل نرى وزيراً أو مسؤولاً واحداً إيرانياً سنيّاً ؟!! وهل نعثر على مسجد سني واحد في طهران ؟!! وبعد كل هذا يُتهم السنة بالطائفية !!!
جاءت لحظة إعدام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين لتتوج هذه الرغبة الشيعية الجامحة في جعل العراق للطائفيين الشيعة ، ورهن مستقبله وحاضره للصفويين الإيرانيين الحاليين ، إن كان من حيث الشعارات الطائفية التي أطلقت لحظة إعدامه ، أو إهانة جثته كما تردد ، أو السلوك البدائي البعيد كل البعد عن حضارة بلاد الرافدين ، وكذلك مشاركة السفير الإيراني في بغداد عملية الإعدام ليتشفى من آخر ملك عربي قاتل الفرس .
هكذا يتعامل ورثة الخميني مع العراق الذي احتضن حكم العارفين الخميني ، في الوقت الذي رفض أي أحد استقباله كلاجئ سياسي ؛ بل وحتى أن عدداً من علماء النجف أنفسهم رفضوا استقباله ، ولم تتوتر علاقات العارفين مع حوزة النجف إلا بعد أن تكشفت لهما علاقات الحوزة مع شاه إيران ، وكونها مصدر تهديد للعراق ، وظل الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين متسامحاً مع الشيعة حتى عام 1979 حين تبين له مؤامرات حزب الدعوة ، ومع هذا ظل أكثر من ثلثي قادة الفرق البعثية من الشيعة ، وكذلك القيادات الرفيعة في الحكم .
إن ما يجري في العراق ولبنان وتوظيفهما إيرانياً لتسجيل نقاط على أميركا وإسرائيل ، سيفجر المنطقة طائفياً ، وهو ما حذّر منه حتى الرئيس الباكستاني برفيز مشرف أخيراً ، من أن الاحتراب الطائفي خطر يهدد الأمة وسينتقل إلى كل أرجاء العالم الإسلامي.
|